أثير – جميلة العبرية
كيف يمكن لوثيقة واحدة أن تختصر رحلة كانت تستغرق أيامًا إلى دقائق؟ وكيف يتحول الرسم المساحي، الذي يُعد أساسًا لعشرات المعاملات العقارية، من إجراء يعتمد على خطوات متعددة إلى خدمة رقمية تُصدر آليًا بدقة وسرعة؟
هذه الأسئلة كانت محور ورقة العمل «الرسم المساحي الآلي» التي قدمتها خضيرة السيابي من وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، ضمن الفعاليات التي استضافها مركز التجربة والمبيعات بمدينة السلطان هيثم احتفاءً باليوم العالمي للسكان وحضرتها “أثير”، حيث استعرضت الورقة رحلة تطوير الرسم المساحي، وكيف أسهم توظيف قواعد البيانات، ونظم المعلومات الجغرافية، وتقنيات التصميم والمسح الحديثة في إعادة تنظيم إجراءات إصدار الرسومات المساحية، ورفع جودة البيانات، وتسريع الخدمات العقارية، ودعم القرارات التخطيطية.
وأوضحت الورقة أن الرسم المساحي يمثل مرجعًا رسميًا لعدد كبير من الخدمات العقارية، لما يتضمنه من بيانات أساسية تشمل حدود الأرض، والأبعاد، والمساحة، والإحداثيات، وبيانات القطعة، والمعلومات الفنية المعتمدة، وهو ما يجعله إحدى الركائز الرئيسة في توثيق البيانات المكانية وضمان سلامة الإجراءات المرتبطة بالأراضي والعقار.
كيف تطورت الرسومات المساحية؟
استعرضت السيابي نماذج من الرسومات المساحية خلال الفترة الممتدة من عام 1970 حتى عام 2026، موضحة انتقالها عبر مراحل متعاقبة من الوثائق الورقية ذات التفاصيل اليدوية إلى رسومات رقمية متكاملة تعتمد على قواعد بيانات مترابطة.
وجاء هذا التطور استجابة لتحديات فرضتها المراحل السابقة، كان أبرزها الحاجة إلى رفع دقة البيانات، وتسريع إنجاز الخدمات، وتحسين جودة المعلومات، وتعزيز رضا المستفيد، وتسهيل تبادل البيانات بين الجهات ذات العلاقة.
وأوضحت أن فكرة المشروع انطلقت من قسم مراقبة جودة البيانات بدائرة المساحة في المديرية العامة للمعلومات الجغرافية، عبر سلسلة من المبادرات التي نفذتها أقسام نظم المعلومات الجغرافية، والمساحة، والخرائط. وكان من أبرزها مشروع تصحيح البيانات الذي ركز على تنقية قواعد البيانات ورصد الفجوات، إلى جانب مبادرة تسجيل ورفع وتصنيف القطع في قواعد البيانات، وهي خطوات مهدت للانتقال إلى نظام إصدار آلي متكامل للرسم المساحي.
ما التقنيات التي تقف خلف النظام؟
يعتمد الرسم المساحي الآلي على منظومة تقنية متكاملة تجمع بين قواعد البيانات، ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، وبرامج AutoCAD وCivil 3D، إضافة إلى استخدام تقنية الدرون في جمع البيانات المساحية رقمياً بدقة عالية.
وتتيح هذه المنظومة مراجعة البيانات قبل إصدار الرسم، والكشف المبكر عن بعض الأخطاء، والتحقق من اتساق المعلومات مع قواعد البيانات المركزية، بما يعزز موثوقية البيانات المستخدمة في الخدمات العقارية والتخطيط العمراني.
كما تستعرض الورقة آلية سير المعاملة إلكترونيًا، بدءًا من تقديم الطلب، والتحقق الآلي من البيانات، مرورًا بالمراجعة والتعديل عند الحاجة، وصولًا إلى إصدار الرسم المساحي آليًا دون تدخل بشري.
وأشارت إلى أن المرحلة الأولى نُفذت بصورة تجريبية في محافظتي البريمي ومسقط، على أن يجري تدشين النظام تباعًا في بقية محافظات سلطنة عُمان.
ماذا يكسب المستفيد؟
يبرز الأثر المباشر للنظام في تقليص مدة إصدار الرسم المساحي من أيام إلى دقائق، بحسب نوع الخدمة واكتمال البيانات، إلى جانب تسريع إنجاز الطلبات، وتقليل المراجعات المتكررة، ورفع مستوى رضا المستفيد.
كما يمنح النظام المستفيد رحلة أكثر وضوحًا، مع تقليل الوقت والجهد المطلوبين لمتابعة الطلب، وإتاحة خدمة تعتمد على بيانات دقيقة وإجراءات إلكترونية مترابطة.
كيف يتغير عمل الموظف؟
لا يقتصر أثر الرسم المساحي الآلي على المستفيد، بل يمتد إلى بيئة العمل داخل المؤسسة، إذ يسهم في تقليل الأعمال الروتينية والمتكررة، والحد من الأخطاء البشرية، وإتاحة وقت أكبر للموظفين لمعالجة الحالات الفنية والاستثنائية.
كما يدعم توحيد إجراءات العمل بين المديريات والمحافظات، بما يعزز اتساق تنفيذ الخدمات ويحد من التفاوت في معالجة الطلبات.
ما أثره على المؤسسة والبيانات؟
على مستوى المؤسسة، يرفع النظام جودة البيانات المكانية، ويوحد معايير إصدار الرسومات المساحية، ويحسن كفاءة الأداء والإنتاجية، ويدعم مستهدفات التحول الرقمي.
كما يوفر مؤشرات وتقارير تساعد متخذي القرار، وتعزز الشفافية، وتمكن من تتبع الإجراءات بصورة أكثر دقة. أما على مستوى البيانات، فيتيح التحقق الآلي قبل إصدار الرسم، واكتشاف الأخطاء في مراحل مبكرة، وضمان اتساق المعلومات مع قواعد البيانات المركزية.
وأكدت خضيرة السيابي أن الرسم المساحي الآلي لا يمثل تطويرًا تقنيًا لإجراء قائم فحسب، بل يعكس تحولًا في إدارة الخدمة العقارية، من خلال ربط سرعة الإنجاز بجودة البيانات، وتوفير قاعدة مكانية أكثر موثوقية تدعم التخطيط وصناعة القرار.
كما تبرز تجربة تطوير النظام جانبًا آخر يتمثل في دور بيئة العمل الداعمة في تحويل الأفكار إلى مشاريع مؤسسية مؤثرة؛ إذ انطلقت المبادرة من تحديات عملية واجهها فريق قسم مراقبة جودة البيانات، ثم وجدت الدعم الذي أتاح تطويرها وتحويلها إلى نظام ينعكس أثره اليوم على جودة الخدمات وكفاءة الأداء في القطاع العقاري.






