خاص – مكتب أثير في تونس
حاورها: محمد الهادي الجزيري
كيف أقدّمها وهي استثناء خالص؟، عضّها الموت وهي صغيرة وافتكّ منها أختها، وجاهدت دراسة وثقافة فانفتحت لها عُمان.. وهي كبيرة علما ودراية وشأنا، كيف طرقت بابها ووجدت الشجاعة لأطرح أسئلتي وهي في مكتبها المدجّج بكلّ معرفة وخبرة ونضج إنساني؟ هل خرجتُ بحوار لائق بسيدة كرّست حياتها للإنسان المثاليّ وبكهل يحبّ الحياة؟ هذا ما سيكتشفه القراء حين يحجّون إلى أجوبة هاجر حرّاثي…
1ـ كيف تمّ الأمر سنة 2015..؟ كيف تمّ انتقال الأكاديمية التونسية من جندوبة في الشمال الغربي التونسي إلى جامعة صحار بسلطنة عمان؟، هل سحرتِ أم كنت مأمورة أم خيارك الشخصي؟ أسئلة نريد لها إجابات؟

لم تكن فكرة الهجرة تخطر ببالي أبدا وما كان فرد من أفراد عائلتي المقرّبة أو البعيدة يظنّ يوما أني قد أترك تونس وأرحل بعيدا. وقد نظفر بالنّظر في بعض تفاصيل طفولتي بما يكشف سرّ هذا اليقين ويفسّره. ففي طفولتي المبكّرة فقدت أختي الوحيدة في حادث سير ونحن عائدتان من “المدرسة الابتدائية سيدي السهيلي” بولاية “باجة”. وبهذا الفقد وسمت حياتي كلّها وما زالت إلى الآن موسومة.

ومن أمارات هذا الوسم الاحتواء الكبير الذي نشأت عليه والرفض القاطع من قبل والدي لأي وجه من وجوه البعد والنأي عنهما، ففي ذلك بالنسبة إليهما احتمال كبير لضرب من ضروب الحوادث والموت كما ماتت أختي، إلى أن شاءت الأقدار سفر زوجي إلى السلطنة للعمل طبيبا في إحدى مستشفياتها. لم أسافر معه في السنة الأولى وبقيت صحبة بناتي أعمل في جامعة جندوبة بعد أن انتقلت إليها من كلية الآداب بسوسة طلبا للقرب من بيت أهلي بباجة ولكن إحساسي بحاجة بناتي إلى وجودهن بجانب والدهن دفعني إلى أن ألتحق به إلى عمان فكانت التجربة العمانية.

لم تكن لدىّ معرفة عميقة به قبل مجيئى إلى السلطنة وكلّ ما كان تصوّرات وتمثّلات تشكلت في الذّهن ممّا درسنا في الجامعة التّونسية عن حياة العرب في شبه الجزيرة العربية، ولكن بمرور الوقت والتغلغل في الحياة العمانية والانغراس في تفاعل أفرادها اكتشفت سطحية ما أحمل من تصورات ووقفت على ما يقوم عليه المجتمع العماني من ثنائية طريفة بين مواكبة التغيرات التي فرضتها الثورة الصناعية والتكنولوجيوية من ناحية وآليات الثبات على الخصوصية العمانية خصوصا والخليجية عموما من ناحية أخرى، مما لم أكن أعرفه كذلك ولا تصورته بهذه الشاكلة ما اكتشفته في عمان من نعم التنوّع والتّعدد بسبب ما يتّسم به من تعايش الثقافات المختلفة المتعدّدة، كلّ ينهل من مخزونه ويتفاعل مؤثرا في الآخر المتفاعل معه متأثرا به.. ما كنت أحسب أنّ مثل هذا الاختلاف والتنوّع يمكن أن يكون وأن يولد هذا الثراء.. في الحقيقة شدّني هذا الأمر كثيرا وتعلمت منه أكثر.. ممّا وجدته في المجتمع العماني كذلك هدوء أفراده وطيبتهم ورحابة صدورهم.. إظهارهم التقدير والمحبّة لمن يخلص في تعليم أبنائهم.. برّ أبنائه ممن درسنا وعلمنا رغم تخرجهم فقد صاروا أبناء بغير ميلاد… هذا كله كفيل بأن يجعل المقام بينهم طيبا آمنا محفزا للمزيد بما يليق به من العمل والعطاء.
3 ـ نعلم أنّك موزّعة على التدريس والكتابة والمشاركة في الأنشطة الأدبية والعلمية تنظيما وحضورا، إضافة إلى تربية ثلاث زهرات، إضافة كذلك حنينك من حين إلى آخر لأهلك في تونس ، كيف تستطيعين فعل كلّ هذا الاستثناءات الرائعة؟
الحمد لله، فعلا يرى أصدقائي ذلك ويقرّون بهذا “التوزع” وما أثمره من “استثناءات” فتنعتني زميلة بـsuper woman ويشير إليّ زميل آخر بالنّحلة التي لا تملّ العمل أمّا جارتنا فتقول لوالدتي “والله ابنتك بألف رجل”.
وممّا يسعدني في الحقيقة ويدفعني إلى المزيد من البذل والعطاء اعتراف البيئة التي أعيش فيها وأعمل بهذه “الاستثناءات الرائعة” على حدّ عبارتك. ومن أوجه الاعتراف إلى جانب ترقيتي الأكاديمية إلى رتبة أستاذة مشاركة بكلية التربية والآداب بجامعة صحار تكريمي مرات عديدة أحيانا باعتباري “امرأة ملهمة” وأحيانا أخرى باعتباري أمثّل “قصة نجاح” إلى جانب ما ألقاه في المجتمع العماني من دعوات سواء في إذاعة عمان أو الصالونات الأدبية أو بعض الجامعات والمدارس للمحاضرة حول الأدب حينا والثقافة أحيانا وأدب النساء وتاريخهن أحيانا أخرى..
تنطوي تجربة الغربة على تناقضات رهيبة إذ فيها وجع البعد وألم الفقد ولكنّها تفتح كذلك بابا مشرعا على الفراغ وكل فراغ ينزع إلى الامتلاء… أحمد ربي الذي ساقني إلى سبل أنا بها سعيدة وفخورة لملء هذا الفراغ فاندفعت أفيد بما في حوزتي طلبتي وأصدقائي وأتعهد ذاتي بالبناء والتّطوير… توزع وقتي بين الاعتناء ببناتي والاهتمام بطلبتي تدريسا وإرشادا وأنشطة أدبية ثقافية وما بقي من ذلك بما فيها الإجازات فللبحث قراءة وكتابة وتطوير مهاراة حتى تحول مكتبي إلى بيت ثان وفيه قرأت ما لم أتمكن من قراءته في السابق استمعت إلى ما لا يحصى من المحاضرات ودرست الإنجليزية وانفتحت لي آفاق في البحث والتنقيب ما كان يمكن أن تنفتح في غير هذا المكان وغير هذه الظروف.
4 ـ هل نجحت في اكتشاف طلبة مشغوفين بالكتابة الأدبية؟ وهل قمت بتشجيعهم وتأطيرهم وفتحت لهم كوى ونوافذ على الأدب الرفيع؟
في الحقيقة ساعدتني نشأتي التّونسية في إطار النّوادي المدرسية والتجارب الإذاعية في الإذاعة الوطنية التونسية إلى جانب قناعاتي بأن الجامعة ليست فقط فضاء للتلقين والأعباء التدرسية وإنما تتعداه لتكون للطالب مرتعا خصبا فسيحا للإبداع والنقاشات الجادّة المسؤولة الهادفة إلى بناء الكيان وتأصيل الذّات الطلاّبيّة من خلال صقل المواهب وبثّ روح الجماعة والتّدريب على التّعاون والتّشاور والمبادرة لإعداد الشباب الطلابي لتحمل مسؤوليته تجاه أقرانه وجامعته في مرحلة أولى وتجاه مجتمعه ووطنه في مرحلة ثانية… لذلك سعينا من خلال إشرافنا على جماعة العوتبي الأدبية وأربعاء العوتبي إلى أن نجسّم هذه القناعات وطمحنا إلى أن نساهم في إرساء ثقافة طلابية جادة مبدعة متميزة… وقد جعلني هذا الإشراف إلى جانب المهام التدريسية والإرشادية قريبة جدا من الطلبة ليس فقط طلبتي طلبة كليّة التربية الآداب وإنّما طلبة الجامعة كلّها، فقد استطاعت الجماعة على مدى مسيرتي في الإشراف عليها أن تنجح في تحقيق الكثير ممّا يجده في الطالب في رحاب الجامعة من الفائدة والمتعة..
5 ـ حين تفرّين بعيدا عن اليوميّ الرتيب، هل توجد أماكن مريحة تختارينها، هل ثمّة جهات زرتها وشغفت بها خاصة أنّ السلطنة فيها مناطق في غاية الروعة والجمال والبهاء؟
للأسف الشّديد إلى الآن لم أتمكّن من زيارة أهم المناطق التي سمعت وقرأت عن جمالها في السلطنة وكلّ ما أعرف إلى حد الآن إلى جانب شمال الباطنة، محافظة البريمي ومسقط والداخلية ممثلة في نزوى. ومع ذلك أظن أن ما رأيته في محافظة شمال الباطنة بولاياتها الست “لوى وشناص وصحار وصحم والخابورة والسويق” من جمال وبهاء جدير بأن يذكر في معرض الحديث عما في السلطنة من مناطق في غاية الروعة والجمال.
أهم ما شغفت به الإرث الحضاري الممتد على الشّريط الساحلي الطويل الذي تمتد عليها هذه الولايات ..شدّتني الآثار العمرانية القديمة التي يعود بعضها إلى العصر الجاهلي وما زالت ماثلة بشموخ لا يمكنك إلا أن تقف أمامها منبهرا معتبرا لا تكاد مدينة تخلو من قلعة أو حصن تمتد جذور بعضها إلى ما قبل التاريخ الميلادي أبهرني ما تركه الإنسان فيها من ثقافة لا مادية مثل الشعر المنقوش على الجدران والصخور مخلدا همومه وهواجسه وكذلك أفراحه..
6 ـ بعد هذه الفترة المعقولة التي قضيتها في عمان ..يمكن القول كأكاديمية ومثقفة تونسية تعرفّت على الكثير من رموز الثقافة العمانية..، أيحقّ لنا أن نسألك عن أسماء أو أدبية عمانية افتكت مكانها في الضوء؟
لا أظنني أقول جديدا لو تحدثت عن ثراء الساحة الثقافية العمانية لا سيما في السنوات الأخيرة ويتجسم ذلك من خلال غزارة الإنتاج الأدبي في مجال الرواية والقصة والمسرح والشعر والمقالة وفي ذلك يمكن ذكر أسماء ورموز كثيرة.. غير أن ما افتك مكانه في الضوء بالنسبة إليّ ما كان على علاقة متينة بانشغالاتي البحثية وذلك في الأدب العماني القديم أو الحديث..
بالنسبة إلى الأدب قديما شدتني شخصيات نسائية عمانية مثل الشيخة عائشة الريامية التي كسرت أسوار العماء والفقر وجميع بنى المنع والحجب المتصلة بالنساء والتي كانت سائدة آنذاك في عصرها لتدخل التاريخ شيخة فقيهة عالمة انتزعت به اعتراف المؤرخين وغير الشيخة عائشة كثير مثل موزة البوسعيدية والزهراء السقطرية بصرف النظر عن متاهات التشكيك في بعض الأخبار المتعلقة بهنّ.
أما بالنسبة إلى الأدب حديثا فلم يشدّني شيء كما شدتني الرّواية النسائية العمانية الكاتبات العمانيات مثل هدى حمد، بشرى خلفان، جوخة الحارثي، عزيزة الطائي، إشراق النهدي، شيخة الفجرية… وغيرهن كثير انتزعن مكانهن في الضوء بالنسبة إليّ.. قرأت لهن الكثير بعض القراءات وقفت عند حدّ التذوق وبعضها الآخر حفزني إلى البحث والتفكير وقد نشرنا البعض مما أنجز وبعضها الآخر بصدد النشر…
مما شدني وشغلني كذلك الموروث الشفوي باعتباره جزءا مهمّا من التاريخ منجما غنيا بالخبرة والتجارب وميدانا رحبا فسيحا للعبرة والاستلهام وجدناه مبثوثا في الحياة اليومية العمانية وفي المتن الروائي فظل يشغلنا ويحرضنا على دراسته و الغوص فيه… التراث بما فيه من عادات وتقاليد وأنماط عيش ومعتقدات وصورات وطقوس وأكثر ما شدني طقوس العطر والتعطر في مجتمع عطر تستنشق فيه العطر حيثما وليت وجهك… فدخلت غمار الدراسات الميدانية ووفقنا الله إلى تكوين فريق بحثي والفوز بمنحة بحث لإنجاز دراسة انكببنا عليها 3 سنوات وقريبا يرى النور الكتاب المنبثق عنها.
7ـ هاجر حرّاثي في جرابك المعرفة والأدب والصحافة..، فهل تمنحين قرّاءنا فقرة صغيرة من نصّ جديد.. إن تفضّلت؟
سأمدك مقطعا من دراسة ميدانية سترى النور قريبا بإذن الله يحمل عنوانها “بخور اللبان في عمان: ممارساته وتمثلاته: دراسة سوسيو أنثروبولوجية”.
“لعلّ ما يشدّ الانتباه من بين الأشياء الموروثة انتشار الممارسات العطرية انتشارا واسعا يلفت إليه الأنظار بسبب تعدّد أنواع الطّيب التي تغمر الفضاءات العامّة والخاصّة التعليمية والتّجارية والمهنيّة فلا تكاد تمرّ بعماني أو عمانيّة كبيرا كان أو صغيرا غنيا أو فقيرا دون أن تستنشق لبانا، أو عودا، أو مسكا، أو صندلا، أو زعفرانا، أو غير ذلك من العطور الموروثة. ولا يمكنك أن تمرّ بمؤسّسة تجارية أو مركز تسوّق لا تقودك فيه كلّ حواسك إلى شذى العطر وجمال القوارير المعروضة في محلاته.”
8 ـ يبدو أنّك تأقلمت مع النسيج المجتمعي العماني..، هذه ملاحظة خرجت بها من تجوالي في صفحتك التابعة للتواصل الاجتماعي..، يبدو أنّك نجحت في التواصل مع مختلف شرائح الناس..، فهل هي وصفة تونسية: قدرة التواصل والتعايش والانسجام؟
قد يكون ذلك بسبب تعدّد روافد ما لاحظت وأول رافد أصلي التونسي المتوسّطي المعروف بانفتاحه واجتماعيته. وفي السلطنة يصعب أن تجد تونسيّا منغلقا على نفسه رافضا للآخر والرافد الثاني ذاتي فأنا أعاشر ولا أفرط في صداقاتي.. إلى الآن لي صديقات مقرّبات من المرحلة الابتدائية والثانوية والجامعية وأسعى دوما إلى تمتين ما يربطني بهنّ.. قد يعود ذلك إلى طبع أخص جعلني أرى في وجوه النساء جميعا وجه أختي الذي فقدت.. بهذا الطبع جئت عمان فوجدت الطيبة والوداعة واللين والعشرة الطيبة فظفرت بعلاقات إنسانية رائعة أنا بها مدينة لعمان. وإذا ما قتصرت صداقاتي في تونس على التونسيات والجزائريات والمغرببيات فقد أتاحت لي التجربة العمانية عموما والأكاديمية بجامعة صحار خصوصا فرصا ثمينة لعقد علاقات إنسانية راقية مع معظم الجنسيات من مختلف البلدان والأديان والقوميات أحببتهن جميعا وتعلمت منهن كثيرا.





