أثير- عبد الرزّاق الربيعي
كلما نتقدّم في العمر، يغمرنا شعور أن نهر الزمن صار يجري بوتيرة أسرع، وتجري أيامنا معه، وما بين عام مضى، وعام آت، نتأمل المشهد، مثقلين بعلامات الاستفهام متسائلين عن الذي يحصل في حياة مهما امتدت تظل بحكم الزمن قصيرة، وفي هذه الوقفة، أرى من المناسب أن أستدعي مقطعا للشاعرة والمرشدة الروحية كريستنا روسيتي (1830-1894) ورد في نص لها عنوانه (أناشيد العام القديم والجديد)، في هذا المقطع تطلق سؤالا في وجه العام الجديد هو:
” عام جديد آت بسرعة
ماذا لديك لتقدّمه لي؟”
والشاعرة هنا وهي تسأل لا تنسى أن العام المنصرم يتركها متعبةبعيدة عن معظم ما تمنت، لكنها، كما تقول” ماضية أبعد في طريقي اليوم” ، فلم تنتظر الشاعرة الجواب الذي يحتّم عليها مرور عام كامل، ولم تتوقف أمام التعب الذي تسبّبه العام المنصرم، بل فتحت نوافذها لدخول ضياء العام الجديد، بقلب منفتح.
وقد اعتادت الفضائيات استضافة عرّافين يعلنون توقّعاتهم للعام المقبل واعتادت المشاهدات أن تكون عالية، لأن الجمهور الواسع، في تلك اللحظة الفاصلة من الزمن يكون خائفا من المجهول، فيلجأ للعرّافين لفك طلاسمه، هؤلاء العرافون بعضهم يتكلّم رجما بالغيب، وبعضهم ينطلق من فلسفة (فنغ شوي) التي ترى أن” الأحداث هي نتاج تفاعل عناصر الكون” وأيّ حدث هو نتاج تفاعلات لخمسة عناصر في الطبيعة، هي: المعدن والخشب والماء والنار والتراب.
وبعيدا عن الفلسفة الصينية، فالأحداث التي تعطي لحياتنا معنى لا يصوغها العرافون، وإنما نحن الذين نصنعها، بالاستعانة بالله، و” من جدّ وجد ومن زرع حصد” أما الركون إلى الأماني التي تداعب مخيلتنا، دون السعي لتحقيقها، سعيا جادّا، وعمليا، فهذا من شأنه أن يجعل تلك الأماني قصورا من الرمال سرعان ما تنهار بمجرد مرور موجة هاربة من أحضان البحر تقوّضها.
في قصيدته (إلى حبيبتي في رأس السنة) يقول الشاعر نزار قباني:
“أنقل حبي لك من عام إلى عام
كمل ينقل التلميذ فروضه المدرسية إلى دفتر جديد
وأعلقها في خزانة العام الجديد”
وقد اعتدت سنويا إحصاء المشاريع والبرامج، وأفرز التي أنجزت عن التي لم تنجز، فأقوم بنقل الثانية إلى العام الجديد، ولا أتركها تذبل في مفكرة العام المنصرم، وبعض المشاريع الطويلة، والشاقة، ظلت تنتقل من مفكرة إلى أخرى حتى أنجزت، والمهم بالنسبة لي النتيجة النهائية.
واليوم نفتح خزانة الأعوام ونستخرج منها المخبوء والمؤجل من طموحاتنا، وأحلامنا لنضعها أمام أنظار العام الجديد جعله الله عام محبة وجمال وسلام.





