بيروت .. حرف في رماد الفينيق – حكاية مدينة

قدمت المادة في 2014 تأملا في بيروت باعتبارها قلب الساحل الشامي وملتقى ثقافتي البحر والجبل، مع وصف للفوضى والبنية التحتية المتهالكة وأسئلة الاستقرار.

بيروت .. حرف في رماد الفينيق – حكاية مدينة
Atheer - أثير

برغم الفوضى .. و برغم السرد الممزق و المبعثرة أشلاءه في كل مكان ، و برغم زحام الألفاظ و الافتقار الى النسق الواضح ، هي بيروت … قصة تحكيها نوارس البحر و صخورها بوجهها الخارج عن الزمن ، الجامع لكل الأزمنة ..

 اذاً فكل ما شكّل هذه الفوضى لا يُعد أصيلاً في قوس بيروت ذي الألوان المتعددة ، انما هي حالة عرضية أريدَ لها أن ترتدي ثياب الجوهر ..

 كيف ؟

 بيروت قلب الساحل الشامي ، تتقاطع في هذا القلب كل الشرايين الناسجة للمكوّن الشامي الكبير ، بكل تمظهراتها الثقافية و العقائدية و العرقية ، انها الكهف الأوسع .. الملاذ الأخير الحافظ لكل الحروف و المفردات التي تنسج الجملة الشامية الكبيرة ، بعد أن أطل شبح الظلام    و الخراب على كل العواصم الشامية الأخرى ، فما بين عاصمة (تم بيعها) ، و أخرى تقضي في الأسر ستين عاما ، و أخيرة تُُقتل كل يوم .. وحدها بيروت ابنة الفينيق البكر ، تعلم أسرار التشظي من الرماد ..

ليس ذلك بالشيء الغريب ..

 قبل قرابة 3000 عام ، غزا الآشوريون (و قد كانوا ينوون احتلال العالم بأسره) كافة العواصم الشامية الكبرى و قد سقطت الواحدة تلو الأخرى بسهولة و يسر ، وحده ذكاء اللبنانيين و شجاعتهم (و هم أصحاب البلد الأصغر في المنطقة) كسر الأنف الآشوري الرفيع ، و مرغ أحلامه في وحول اليأس ..

 انه الذكاء و انها العبقرية .. هي نفسها التي خلقت الحرف الأول ، اللغة بمظهرها المجرد ،    و الذاكرة التي توارثها البشر على مر العصور .

   يدرك ذلك الاسرائيليون و يجهله العرب طبعا ، ألهذا نجد اسرائيل تلجأ للأعنف دائما و تنتقي الأبشع من بدائل ردود الفعل عندما يتعلق الأمر بلبنان ؟ في حين أنها تفضل الصمت اذا ما تعلق الأمر ببلد آخر ؟

   رغم كون لبنان من أصغر البلدان العربية ، الا أنه يوازي الكثير من البلدان الكبيرة قوة         و سطوة و يجتاز الكثير ، ألهذا ، و بعد ادراك الغرب لهذا الأمر اثر تجارب مريرة لمحاولات اسقاط لبنان بغزو خارجي مباشر ، لجأ الآن لاسقاطه من الداخل ؟ و اقتصر الخارج على دور الداعم المبشّر بعودة آلهة الدمار ؟

أين يأتي مصداق كل ذلك ؟

البحر و الجبل :

   بيروت ، مجما تتداخل فيه جماليات الأشياء ، تتمازج و تتلاقح فيه ثقافة البحر بثقافة الجبل .. ثقافة البحر و مجتمعاته السابحة الى الآخر ، الراكبة سفينة البحث في محيط المجهول ، حيث يكون التحدي في ابتكار ملحٍ جديد للحياة ، حيث رائحة البحر تنشر ألواح التاريخ .. فمن هنا عبرت أحلام الاسكندر ، و من هنا مرت مقالع الصليبيين ، و هنا زرع فيثاغورس بذرة .. كبرت .. و أطلقت أغصانها الى اليونان الكبير ، و بسطت ظلالها على شرقي المتوسط ..

   ثقافة الجبل حيث يختبئ السر خلف طلسم الثلوج ، يحرسه بردٌ يغني للناس ما قرأه من دواوين الربيع .. ثقافة الأزهار و كهنوت ألوانها المقدس .. و العاصي .. النهر الذي عصى قوانين بقية الأنهار و اختار لنفسه أن يسير بعكس اتجاهاتها .. النهر الذي اختار أن يكون فريداً ..

   ما يسم المجتمع في بيروت هو الفرادة ، تنسجم مع مجالس الناس و سهراتهم الجماعية ، لكنها تحصّن وجود صاحبها (الفرد) و تحتفي بما له من كيان ، و هذا لا نجده في أغلب (أو كل) المجتمعات العربية الأخرى ذات العادات الجمعية ، و أقول عادات (لأنها لا ترقى لمستوى الثقافات) لا ترقى لمفهوم الثقافة ، بل على العكس .. فمالها من هشاشة و زيف يصنع منها فايروساً لا تداويه أمصال الثقافة ، فيبقى مضاداً لكل مشروع ثقافي نهضوي ، و بنفس الوقت .. متطفلاً على كواكب المثقفين .. فيكون اذاً وصف المشهد في بيروت (أفرادٌ مجتمعون) ، لا كبقية البلدان (جماعات منفردة) !

   في المقهى ، يجلس رجل طاعن في السن حُفرت على تجاعيد وجهه ذكريات البحارة ، يجلس الى جانبه شاب لا يزال يحفظ أغاني الرعاة و زجلياتهم ، هناك يجلس (فادي) المقيم المغترب في أمريكا اللاتينية ، وهناك يجلس (حسن) المقيم في القارة السوداء ، صاحب المقهى مارونيّ وُلد  ترعرع في احدى قرى الجنوب (ذي الطابع الشيعي) ، و له أخٌ يعيش الآن في الشمال (ذي الطابع السنّي) .. فهنا كل مشاهدات العالم تُختزل في نفخة تبغ .. و رشفة من فنجان ..

   هم يُعدّون السمك باحتراف لا يقل عن احترافنا نحن في الكويت ، و يستطعمونه .. و يسيسون الخيول تماماً كأبعد أقوام الصحراء ، و يحتسون قهوتها ..

   جميل و رائع و دافئ كل ما في بيروت .. حتى تداخل الأزقة السكنية مع بعضها ، الا أن مشيئة بعض الساسة أبت الا أن توقظ آلهة الفوضى .. الفوضى تخنق مطار بيروت الدولي (مطار الشهيد رفيق الحريري) ، تسير في الشوارع بين المركبات ، تحشر نفسها في مريء البنية التحتية المتهالكة ، كل شيء متوقف .. يتذمر ، و يلعن هذا العصر وهذا العالم .. لا لشيء ، سوى أن في هذا العالم ثمة من لا يريد لبنان سعيداً ، و لا بيروت بألوان !

   لعل الحديث عن نهضة و استقرار و سلام في بيروت وفقاً للوضع الراهن في المنطقة يدخل في دائرة الكهانة ، في ظل كل ما يجري من دمار في المحيط القريب ، ما لم يحيّد لبنان الداخل عن لبنان الخارج ، و أقول ما لم يحيّد عن لبنان الخارج في سبيل واقعية أكبر ، و حتى لا نكون ممن يرسمون الحلول بألوان الحلم أو حتى الوهم ، فلا يمكن فصل لبنان (القلب) النابض عن بقية شرايين الشام الأخرى ، الا اذا أردنا لهذا القلب أن يكف عن نبضه !

   فقدنا يوسف من قبل .. فهل يدرك العرب (الذين لم و لن يدركوا شيئا) ذلك ، قبل أن نصبح     و قد فقدنا شقيقه الوحيد ؟!  

 ______________________________________________

محمد صالح صرخوه

شاعر – الكويت 

شارك هذا الخبر