أثير – الروائي العربي واسيني الأعرج
يلام العربي عادة بوصفه إنسانا شديد الحساسية من كل ما يأتي من الغربي المحبوب المكروه في الآن نفسه، لثقل تاريخي يحمله في لاوعيه الجريح والذي قضى زمنا طويلا تحت نيره مستعبدا، مقتولا في أعماقه بعد أن سُرِقت منه إنسانيته وشرد في الأدغال والوديان، لكن ما نراه اليوم من عنصرية مست كل القطاعات، بما فيها مؤسسات اعتبارية تنتمي للدولة، يضع فرنسا على حافة المخاطر الكبيرة حيث أصبحت العنصرية ممارسة اعتيادية تقابلها اللاعقوبة. بل يدفع بها نحو المزيد من التردي حول هذا الموضوع. العنصرية واللاسامية والعداوة العرقية والدينية واللغوية مثل السرطان الذي يبدأ بدملة صغيرة تكون رخوة وغير مرئية في البداية ثم تتصلب وتكبر وتتسع في الجسم لتشمله كليا بانتشارها السريع فتؤدي إلى الإجهاز عليه. لقد أصبح موضوع العنصرية في فرنسا وفي أوروبا، إشكاليا باتساع مساحاته، وكأنه لا قانون يضبط الخارجين عن القانون. بل يفرض نفسه بوصفه الحل الأمثل لمواجهة الهجرة المتصاعدة.
الغريب أن قانون محاربة العنصرية، هو نفسه القانون الذي يعاقب على معاداة السامية التي هي مرض قديم ينخر فرنسا منذ قضية دريفوس التي اتهم فيها ضابط بريء بالتعامل مع ألمانيا وتسبب في هزيمة فرنسا، فقط لأنه يهودي. وكأننا لم نتعلم شيئا من تاريخنا البشري. ولنا أن نقارن القانونين من حيث الممارسة التطبيقية. لقد تمت معاقبة الفنان الساخر ديودوني بشدة لأنه سخر من رجل الدين اليهودي وأغلقت في وجهه كل الأبواب والمسارح وجر نحو قضايا أنهته ماديا وفجأة أغلقت في وجهه كل القنوات التليفزيونية وأصبح فجأة مكروها، هذه القنوات المفتوحة يوميا لشتم العربي والمسلم وتحميله ويلات فرنسا كلها؟ القانون لم يتسامح حتى مع فنان تهكمي معروف بسخريته من كل شيء حتى من نفسه ومن السود أيضا. عندما يماس الناس في حميمياتهم الدينية لا تسامح، أو هذا ما يقوله القانون المحارب لهذه الأمراض، هذا يجب أن يمس كل القطاعات بلا استثناء لأن القانون واضح في حيثياته ونتائجه العقابية. في السنوات الأخيرة بقدر ما تم التشديد على قانون معاداة السامية وهو ما يجب أن يكون إذ لا يمكن قهر شعب فقط لأنه ينتمي إلى عرقية أو دين غير دين الغالبية، للأسف، نفس القانون أصبح دخلنا في “الحرية” و”الحق في التعبير” بالنسبة للعنصرية. ونعرف جيدا أن العنصرية ليست حرية تعبير ولكنها جريمة يعاقب عليها القانون لأن نتائجها وخيمة فهي تدمر النسيج الشعبي الذي نشأ عبر الأزمنة المتعددة، وتعصف بمسألة الاختلاف داخل المواطنة الواحدة والمشتركة، وتتفشى الضغينة، العش الطبيعي لكل الجرائم والتجاوزات.
لم يعد الأمر اليوم مقتصرًا على اليمين المتطرف، الذي تعودنا عليه وهو يتجلى هنا وهناك في فرنسا قبل أن يصبح ظاهرة أوروبية، والكثير من الحكومات التي تولدت عن ذلك ليست يمينية فقط ولكن عداءها مرضي ضد الأجنبي: الذي ليست ملامحه أوروبية حتى ولو ولد في الوطن الذي تبنى جده العابر للبحار ووالده الذي ولد هناك وهو وإخوته الذين وجدوا تحت سقف الوطن الذي لم يعرفوا وطنا غيره. جزء كبير من المجتمع الفرنسي أصبح اليوم داخل هذه الدوامة تغذيه الأزمات الاقتصادية والمديونية الثقيلة التي على الشعب دفعها، وغلاء المعيشة. ولا مجرم يُنعت بالأصابع إلا المهاجر، الأجنبي، الذي ليس ملاكا ولكنه ليس شيطانا أيضا.
من هو المهاجر في عرف هؤلاء؟ المنطق يقول إن المهاجر الذي يحمل اليوم هذه الصفة هو من هاجر من بلده نحو بلد آخر استقبله لأسباب إنسانية أو اجتماعية أو سياسية، وسيعود إلى وطنه، ويحمل أوراق وطنه وأن إقامته مؤقتة في النهاية. في منطق اليمين المتطرف والعنصريين الذي اخترقوا الكثير من المؤسسات، الغريب يتحدد عرقيا كما ذكرت سابقا، أي كل من ليس أوروبيا، لأننا لا نقول عن الإيطالي الذي اشتغل في أفقر المهن واستقر في فرنسا أو البرتغالي الذي دفعه فقر بلاده نحو الهجرة حاملا بين يديه مهنه الصعبة كالبناء والخرسانة والسكك الحديدية الشاقة، والإسباني الذي اضطر إلى الهجرة في 1936 خلال الحرب الأهلية واستقر وتوالد في فرنسا. إذن الغريب هو كل من ليس فرنسيا بالمعني العرقي ” غولوا” أو أوروبيا. بموجب هذا المنطق سيصبح زين الدين زيدان، وبنزيما، والفكاهي إسماعيل، غرباء عن الوطن الأم الذي تربوا فيه، وليس وطن الأجداد إلا ظلال وطن. فقد تعلموا في المدارس الفرنسية الملائكية، فيظل المجتمع الديمقراطي الذي اندغموا فيه، وساهموا في الدفاع عنه ورفع رايته عاليا في المحافل الدولية. كل الناس الفرنسيون وغير الفرنسيين، يعرفون الدور الذي لعبه زيدان في حصول فرنسا على كأس العالم في 1998، فاستحق أن يتحول إلى أيقونة علامة وطنية جامعة. يكفي اليوم أن نجد صورته معلقة في كل مكان. في الآونة الأخيرة مُسَّت هذه الأيقونة في الصميم. فقد وصل الحديث العنصري إلى أقصاه عندما تم اعتبار الفرنسيين من ذوي الأصول الإفريقية غير فرنسيين لأن بشرتهم تفضحهم (إيريك زمور وجيشه من العنصريين). لم يشفع لهم عرقهم الذي بذلوه لإيصال فريق كرة القدم الفرنسي إلى المربع الأخير، ثم نهائي كأس العالم. محنة حقيقية. يصبح وفق هذا المنطق أحسن لاعب فرنسي وأحسن هداف عالمي، كيليان مبابي، خارج الحسابات لأنه فرنسي، من أم جزائرية، ومن أب كاميروني.
تقاعس تطبيق القانون العقابي ضد العنصرية، والجبن المزمن، هو الذي أدى إلى اتساع الدائرة. كيف سيشعر مبابي وزملاءه في الفريق الفرنسي من ذوي الأصول العربية أو إفريقية؟ الزمن مفتوح وسيأتي وقت بحيث نجد داخل الفريق الوطني، لاعبين من غوادلوب أو المارتنيك، أي فرنسيين سود، كيف سيكون وقع ذلك على النسيج المجتمعي الفرنسي؟ وفق المنطق الزموري العنصري؟ وهم فرنسيون أبا عن جد أكثر من إيريك زمور الذي لم يصبح فرنسيا إلا عندما طبق قانون التجنيس على يهود الجزائر وفق قانون كرميو Décret Crémieux في 1870؟ أهله فرنسيون منذ قرن وبعض السنوات، قبلها كانوا من يهود الجزائر، على الرغم من أن حاخامات الجزائر رفضوا في البداية قانون 1870، كريميو، فهم أبناء أرض الجزائر منذ قرون، قبل أن تغير صيغة القانون، ليصبح مقبولا من الجميع. المس بأيقونة فرنسية مثل زيدان هو مؤشر خطير على تفكك أواصر النسيج المجتمعي واضمحلال فكرة المواطنة التي تغنت فيها فرنسا زمنا طويلا بوصفها الحل السحري، وهي كذلك، لكل الفوارق الاجتماعية. هي صمام أمان الوحدة الوطنية. وكان قبلها قد تم ترحيل لاعب فرنسي آخر من أصول جزائرية، كريم بنزيما من ملاعب قطر، في كأس العالم. كان مجروحا ولكن ليس بالشكل الذي يمنعه من المشاركة في المقابلات الموالية، وهو الهداف العظيم والحائز على جائزة أحسن لاعب عالمي. كان الفعل عنصريا مبطنا يتحمله المدرب الفرنسي ديديه ديشون، إذ ظهرت تصريحاته الكثير من ردود الفعل من اللاعبين أنفسهم لاحقا. لو لعب كريم بنزيما النهائي ربما لتغيرت المعادلة، لكن قصر النظر لدى المدرب الفرنسي، حال دون ذلك. وكأنها حملة منظمة سلفا لم يستطع أصحابها كتم عنصريتهم المتأصلة، لأهداف استرضائية لليمين المتطرف.
العنصرية وصلت حتى المؤسسات الوطنية العليا التي تمثل الدولة الفرنسية وليس أفردا. الموقف ضد زيدان من طريق رئيس الفيديرالية الفرنسية لكرة القدم لوغريت، التي هي أعلى مؤسسة كروية في البلاد وتمثل بشكل ما الدولة على الرغم من استقلاليتها. كلام رئيسها نويل لوغريت ضد زيدان لا يظهر خلافا بسيطا ولكن حقدا مبطنا وضغينة لا تليق برجل يمثل الكرة الفرنسية. العنصرية في أجلى صورها المؤسساتية. جيد أن وزيرة الرياضة الفرنسية إيملي أوديا-كاستيلي احتجت ضده بعنف واعتبرت ذلك تعديا لا يليق برئيس الفيديرالية الفرنسية لكرة القدم، قلة احترام مخجلة، وطلبت منه الاعتذار مدافعة بصرامة عن زيدان. لنستمع ماذا قال لوغريت، بشكل احتقاري منحط لراديو مونتي كارلو RMC ” زيدان مدرب للبرازيل؟ لست مهتما. ليذهب حيث يشاء، في نادي أو في فريق، أشك في أنه سيدرب البرازيل. هل حاول زيدان الاتصال بي؟ لم يحدث ولو اتصل ما كنت كلفت نفسي الرد عليه. ليبحث عن ناد لتدريبه حيث يشاء، ساعدوه أنتم بحصة حتى يجد ناديا أو فريقا” هذا رد لوغريت على صحفيي مونتي كارلو؟ زيدان قدم كأس العالم لفرنسا، فماذا قدم لوغريت باستثناء الفضائح المالية والصفقات المشبوهة؟ أعظم رد وأوضح احتجاج جاء من لاعب فرنسا الأول اليوم، كيليان مبابي: “زيدان هو فرنسا، لا يمكن أن تستخفوا بأسطورة الكرة الفرنسية بهذا الشكل”. تحت ضغط وسائل التواصل الاجتماعي التي اشتغلت دفاعا عن الأسطورة زيدان، اعتذر لوغريت لكن كما قال أحد الرياضيين: الاعتذار يستغرق ثانية لكن ما كتب سيبقى وصمة عار ضد صاحبه. عنصرية مقيتة ومخيفة لأنها مست مؤسسة عالية وهو ما يخيف، فالآتي مظلم إذا لم يتم تفعيل العقوبة التي ينص عليها قانون محاربة العنصرية.




