الحلقة الثالثة الضابط الثاني: حفظ النفس

الحلقة الثالثة الضابط الثاني: حفظ النفس
الحلقة الثالثة الضابط الثاني: حفظ النفس

يكتبها: بدر العبري

خلق الله تعالى الإنسان كنفس مستقلة، قائمة على الذات، هذه النفس لها حق الوجود من جهة وحق التمتع بالوجود من جهة أخرى، وضابط وجودها ضابط ذاتي ليس متعلقا بدين أو فكر أو جنس أو لون.

ونجد القرآن الكريم اعتبر النّفس بمجرد وجودها هي من حق الله تعالى وحده حيث قال سبحانه: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ، فتنكير كلمة نفس يدخل فيها أيّ نفس كانت.

أمّا قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا، فهذا من باب التّغليظ؛ لأنّ الأصل رابطة الإنسانيّة ويزيدها الإيمان بالله تعالى غلظة وقوة.

وعليه اعتبر الفقهاء حتى تكون الجنين نفساً ما بدأ الحركة، ومنهم من قال بمجرد كونه علقة، ومنهم من حدد أربعين يوماً لاعتبار نفخ الرّوح، وعليه حرّموا الإجهاض، ولو كانت الولادة من طريق غير شرعيّ، فالّلقيط إنسان وله أيضاً كرامته الإنسانيّة، وله حقه في الوجود والعيش الكريم كباقي البشر، ولو قيل إنّ المولود يكون معوقاً يبقى حقه في الحياة هو الغالب، فلا يجوز القضاء عليه ولو كان في بطن أمّه.

وقد ذكرتُ في كتابي القيم نماذج لبعض النظريات المخالفة لهذا في تأريخنا منها:

– قتل المشرك غير الكتابي والمرتد، وذلك استنادا إلى بعض ظاهر الآيات، ومنها قوله تعالى في سورة براءة، فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وهذه سنقف معها في الحلقة القادمة، لنبين أن لا علاقة بينها وبين قتل المشرك غير الكتابي.

– الرجم بطريقة فظيعة، لا يمكن أن يكون تشريعاً من الرّب الرّحيم، الّذي فتح للنّاس باب التّوبة، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى بين حد الزنا في سورة النور بيانا واضحا حيث قال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وذكر هذا الحكم بعد افتتاحية السورة بقوله سبحانه: سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فهي سورة واضحة مبينة من جهة، وسورة متأخرة حكما ونزولا فلها الهيمنة والتصديق لهيمنة الكتاب نفسه.

على أنّ الرجم كان شريعة يهودية كما جاء في الكتاب المقدس ومنه ما جاء في سفر التثنية: يُخْرِجُونَ الْفَتَاةَ إِلَى بَابِ بَيْتِ أَبِيهَا، وَيَرْجُمُهَا رِجَالُ مَدِينَتِهَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى تَمُوتَ، لأَنَّهَا عَمِلَتْ قَبَاحَةً فِي إِسْرَائِيلَ بِزِنَاهَا فِي بَيْتِ أَبِيهَا. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ، وقوله: إِذَا وُجِدَ رَجُلٌ مُضْطَجِعًا مَعَ امْرَأَةٍ زَوْجَةِ بَعْل، يُقْتَلُ الاثْنَانِ: الرَّجُلُ الْمُضْطَجِعُ مَعَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ إِسْرَائِيلَ.

وهذا من الأصر الذي فرضه الله تعالى – إن صح – على بني إسرائيل، ولهذا وصف الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

وقبله قال المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر، وذلك حين جاءوه بفتاة بدعوى أنها زنت فلابد من أن يقيم عليها الحد وترجم حسب شريعة التوراة، فانصرف الجميع وأطلقوا سراحها.

وعليه ما ورد من مرويات كان لظهور اليهود في المدينة، واستئناس النبي بهم لأنهم أهل كتاب، فجاء التوجيه الرباني من الله تعالى.

ومما يدل على عدم وجود الرجم في الإسلام أنّ الله تعالى قال في الإماء: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

فكيف ينتصف حد الموت أو الرجم، وعليه ندرك أن لا رجم في الإسلام، وقد رفع الله هذا الأصر عن هذه الأمة بنص كتابه، وفي سورة واضحة بينة.

– الحرق لبعض العصاة، وكذا الصّلب، وهذا قد روي عن بعض الصحابة، فإما أن تكون المرويات مكذوبة وهو الأصل وعليه ينبغي بيانها والتحذير منها حتى لا يعتد بها كما فعلت داعش في حرق الأسير الأردني، وإما أن تكون صحيحة فهي محكومة بنص الكتاب الذي حرم مثل هذه الأفعال، بل حتى الأسير قال فيه: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا.

– القتال من أجل الدّعوة، وإكراه الآخرين في الدّخول في الدّين ولو بين اختلاف المذهب، وهذا ما سنراه أيضا في الحلقة التالية.

– توسع نظرية التّكفير والتّشريك، وبالتّالي جواز القتل والسّلب باعتباره مشركاً، ولو كان القرآن في يديه، وهذا سنتحدث عنه بتفصيل في الحلقة بعد التالية بإذن الله تعالى.

هذه مظاهر تأريخيّة، وهي نتيجة للصّراع الدّينيّ والمذهبيّ، والّذي تحول بدوره إلى نصوص يعتمد ويستند إليها المتطرفون.

شارك هذا الخبر