يكتبها: بدر العبري
النّسل أو النّسب أو العرض عند الفقهاء يكون حفظه بالزّواج الشّرعيّ، مع مراعاة علاقة المحارم، والحفاظ عليه بتحريم القذف أي الاتّهام بالفاحشة، وتحريم العلاقات غير المشروعة، حتى لا تختلط الأنساب، مع وجوب الدّفاع عن العرض.
والنّسل جانب إنسانيّ بحت، فكلّ إنسان له عرضه واحترامه في ذلك، واحترام شريعته في تنظيم ذلك أيضاً، وأن يكون التّقنين مراعياً لذلك.
والقرآن الكريم نظّم أمر العلاقات الجنسيّة، وبيّن المحارم من الجنسين، وجعل طريقة الزّواج ولفظ عقده وخروجه راجعاً إلى أعراف الناس إلا أنّه أعطى خطوطاً عريضة في الزّواج والطّلاق ونحوه.
وبيّن القرآن أنّ أعراض النّاس واحدة، وإنما ذكر المؤمنات في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، ذكر ذلك من باب التّغليظ، فمع كون رابطة الإنسانيّة إلا أنّ الإيمان يزيدها غلظة، وذكر النّساء دون الرّجال من باب الغالب، أي أنّ الأغلب والأكثر ضرراً من الأعراض والحديث حولها النّساء، كما هو الحال في المجتمعات الشّرقيّة.
وعليه حرّم الشّرع القذف، والحديث عن النّاس، ولكن –للأسف– من ضمن التّطبيقات السّلبيّة رواية لا غيبة لفاسق، ومنهم من يتوسع حتى يدخل التّفسيق المذهبيّ الّذي صنعه البشر نتيجة الصّراع بين المذاهب، حيث كلّ فرقة لما عداها تفسق.
ومنهم من يستند إلى الرّواية في قضايا رأي يفسّق بها أخاه، فيبيح الحديث عنه بكل أريحيّة مع غيبته استناداً إلى هذه الرّواية؟ فترى الغيبة واللّمز والهمز.
والقرآن جعل الإنسان مكرماً ولو خالف ديناً، فضلاً أن يكون الخلاف مذهبيّاً في الدّين الواحد، أو أخوياً في المذهب الواحد، فالإنسان له كرامته ومكانته كذات بشريّة لا يصح همزه ولمزه وغيبته والاستهزاء به، لأنّ الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ.
وقال بعد هذا مباشرة مبيناً كرامة الإنسان عموماً: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
وعليه الجانب العرضي يحتل مكانة مهمة في التشريع القرآني، فقد أنزل الله تعالى سورة كاملة في بيان ذلك سماها بسورة النور، وافتتحها بقوله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
ثم بين سبحانه جميع الوسائل الأخلاقية الحافظة للمجتمع، بما يتوافق والصيرورة البشرية، والمشكلة للجانب الحضاري الجامع بين المادة والروح.
فحفظ العرض جانب مقدس في الشريعة لا يقتصر عند الفعل فحسب، بل يمتد إلى القول والهمز واللمز والإشارة، ويدخل في ذلك المحرمات من غيبة ونميمة وبهتان وإفك وافتراء.
وجعل هذه الحرمة معلقة بذات الجنس البشري، وليس معلقة برابطة الإيمان فقط!!!
وما ظهر لاحقا من قضية الإماء والعبيد، واستحلال فروجهم وأعراضهم، فهذا ناتج من التشريع البشري كما سنراه في الحلقة المقبلة بإذن الله تعالى.
فحفظ العرض سياج ضد التطرف في انتهاك أعراض الناس وأجسادهم، وما جاء من رواية لحوم العلماء مسمومة، فهذا تخصيص مخالف لكتاب الله، لأنّ الله تعالى لم يفرق بين العلماء وغيرهم، إلا أن قصد به من باب المكانة العلمية، ومع هذا فقضية العرض واللحوم واحدة.
فجميع الناس لحومهم مسمومة، عالمهم وجاهلهم، أبيضهم وأسودهم، مؤمنهم وكافرهم، لأنّ كل الناس على الناس حرام، دمه وماله وعرضه.
فإذا فقهنا هذا الضابط فهما قرآنيا، وما يترتب عليه من آثار سيكون ضابطا للبعد الأخلاقي والإنساني والتقنيني في المجتمعات البشرية والإنسانية!!





