الأميرة التي هربت من أجل الحب

الأميرة التي هربت من أجل الحب
Atheer - أثير

أثير – تاريخ عمان 

 

أميرة شرقية وابنة سلطان عربي عماني ، تخرج قبل قرن من الزمان عن التقاليد والأعراف، وتهجر وطنها وملك أبيها خلسة متخفية عن الأنظار لتتزوج شاباً ألمانيا يأخذها إلى البعيد لتعيش حياة مختلفة عن حياة الحجّاب وحريم السلطان، وتترك كل شيئ حتى دينها لتكمل رحلة زواجها في ألمانيا، وتغيّر اسمها من السيدة سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان سلطان مسقط وزنجبار إلى اميلي روث.

وتمكث بحياة الغربة لأكثر من عشرين عاما حتى ضاقت بها الدنيا وأصابها الملل من الحياة الأوربية التي كانت تسعى إليها ، لتحاول بعد كل هذه المدة أن تعود إلى موطنها وموطن ملك أبيها بزنجبار ، ولكن وجدت كل الأبواب قد أغلقت في وجهها، فالعائلة المالكة بعهد أخيها السلطان برغش حينها قد تبرأت منها، ولم تعد تريد أن يرتبط اسمها بهم ، فهي الهاربة المرتدة الخارجة عن العادات، والتقاليد، والدين، والتي تعتبر نادرة الحصول بمجتمع عربي محافظ ، لتبقى السيدة سالمة في المانيا تعاني طوال حياتها الجديدة التي اختارتها حتى وافتها المنية حوالي عام 1922 م .

الأميرة وثّقت كل تفاصيل حياتها الحزينة من خلال كتاب أسمته مذكرات أميرة عربية خطت فيه بالألمانية كل الأحداث المتعلقة بالقصر والعائلة منذ طفولتها وحتى لحظات هروبها ووفاة زوجها ومعاناتها ومحاولتها العودة مجددا إلى زنجبار ، وقد كتبته بتفاصيل عميقة نستقطع من خلاله سيرة هروبها إلى ذلك العالم المجهول برفقة من أحبته وتزوجته هناك في ألمانيا .

تقول السيدة سالمة بمذكراتها :

” في خلال تلك الأيام الحالكة الحافلة بالكيد والشجار بين أفراد عائلتنا – بعد وفاة أبيها السلطان – أسعدني الحظ بالتعرف على شاب ألماني كان ممثلا لأحد المحال التجارية الألمانية في زنجبار، وهو الذي كتب له أن يكون زوجي في قابل الأيام ..ولأن الكثير من القصص الكاذبة واللغو الباطل قد روي عن هذا الموضوع فأرى من الأفضل أن أوجز حقيقة هذه القصة في هذا المكان .

تمتع الأوربيون في زنجبار في أثناء حكم أخي ماجد بمركز اجتماعي لم يكن لهم من قبل ، فكانوا يحلون ضيوفا معزّزين مكرّمين على أخي في قصره أو مزرعته ،وقد أقمنا أنا وأختي خولة علاقات طيبة مع بعض العائلات الأوربية في زنجبار تتجلى في تبادل المجاملات والزيارات قدر ما تسمح به عادات البلد وتقاليدها ، وكانت زيارة السيدات الأوربيات تقتصر علي وعلى أختي خولة من دون نساء القصر .

وقد تعرّفت على زوج المستقبل بعد عودتي من بوبوبو ، فقد كانت الدار التي سكنتها مجاورة لداره، وكان سطح داره أوطأ من سطح داري، وكنت غالبا ما أرقب من نافذتي حفلاته الرجالية الباذخة التي كان يتعمد اقامتها في الأماكن التي يقع عليها ناظري لعلمه برغبتي في الإطلاع على هذه الإحتفالات الغربية، وسرعان ما شاع في البلد خبر صداقتنا التي تطوّرت في النهاية إلى حب متبادل ، فسمع بها أخي ماجد ،ولم يحرك ساكنا، وكل ما تقوله الإشاعات في هذا الصدد عن عدائه لي أو سجني فهو خيال لا أساس له من الصحة .

وكان طبيعيا لي أن أحاول الخروج من البلاد سرا طالما يستحيل زواجي فيها، وقد فشلت محاولتي الأولى، ثم تهيأت لي الفرصة الثانية بفضل المسز(س) زوجة الدكتور والقنصل الانكليزي التي نقلتني في احدى الليالي بزورق المستر (ب) ربان الباخرة الحربية البريطانية هاي فابر التي كانت جاهزة للحركة ، وما أن صرت على ظهرها حتى غادرت الميناء على التو ، واتجهت نحو الشمال إذ أوصلتني إلى هدفي المقصود وهو ميناء عدن .

وفي عدن نزلت بضيافة عائلة اسبانية تعرّفت عليها في زنجبار وظللت أنتظر بفارغ الصبر قدوم زوجي الذي لم يلحق بي إلا بعد عدة أشهر قضاها في زنجبار لتصفية أعماله في شركته ، وفي فترة الإنتظار هذه أخذت أتلقى تعاليم الدين المسيحي ، وما أن وصل زوجي حتى تم تعميدي بإسم اميلي روث في الكنيسة الإنكليزية في عدن ، وتبعته في الحال مراسم الزواج طبقا للشعائر الإنكليكانية.

ثم سافرت وزوجي إلى وطنه هامبرج حيث استقبلنا والده وأهله بترحاب حار، وفي الحال حملت نفسي لى التكيف على العيش في المحيط الأجنبي الجديد ، وبدأت بكل لهفة وحماس أتعلم كل ما يمكن ليساعدني في حياتي المستقبلية، وكان زوجي العزيز يراقب بكل متعة وسرور مراحل تقدمي في هذا المجال، فقد كان يهمه بوجه خاص أن يرى انطباعاتي بالنسبة للحياة الأوربية وقد سجلت وانطباعاتي في مذكرات خاصة أرجو أن اتمكن من نشرها يوما ما.

لكن حياتنا السعيدة الهانئة لم تستمر إلا فترة قصيرة، فلم يمض على استقرارنا في هامبرج إلا ثلاث سنوات وبعض السنة حتى أصيب زوجي العزيز الحبيب بحادث خطر أثناء قفزه من عربة الترام، وبعد ثلاثة أيام قضاها في ألم مبرح وافاه الأجل المحتوم.

هكذا قدّر لي أن أبقى وحيدة في هذا البلد الكبير الغريب، ومعي ثلاثة أطفال لم يتجاوز عمر أصغرهم الثلاثة شهور ، وقد فكّرت في العودة إلى وطني، ولكنّ القدر شاء أن يلاحقني بالفواجع، فقد توفي بعد شهرين أخي ماجد الذي عوّدني منذ الصغر على العطف والحنان حتى بلغ في حلمه انه لم يستنكر هروبي من زنجبار.

وقد أعطى برهانا حساسا على عواطفه الأخوية الفياضة إذ أرسل لي قبل وفاته مركبا محملا بأنواع الهدايا لتسلّم لي في هامبرج، ولكنني مع الأسف لم أستلم شيئا منها ، وقد علمت بعد سنوات أن المركب وصل الميناء فعلا، ولكن أوامر ماجد لم تنفذ.

وهنا يجب أن أقر ايضا أنه بعد رحيلي المفاجئ من زنجبار لم يضايق زوجي بل تركه في حريته حتى أنجز أعماله وصفاها وغادر البلاد لاحقا بي إلى عدن .

أمضيت ، بعد هذا، سنتين في هامبرج لم يفارقني فيها سوء الحظ، وقد فقدت مقدارا كبيرا من ثروتي بسبب أخطاء بعض الناس الذين وثقت بهم وأحسست بالنفرة من هذا المكان الذي شهد الكثير من أيام سعادتي، وزاد في ألمي المعاملة السيئة التي عاملني بها الألمان في هامبرج.

ولهذا انتقلت إلى قرية (دريسدن) حيث أستقبلت بأطيب عواطف الصداقة في كل مكان، وفي تاريخ متأخر تبينت رغبتي في السكن بهذه المدينة الجميلة الصغيرة (رودول ستات ) وهنا أيضا قوبلت بأصدق عواطف الوداد والإخلاص خلال اقامتي من قبل الأمير الذي عمل كل ما يستطيع ليجعل اقامتي هانئة سعيدة ، وقد تحسنت صحتي في رودول ستات، فقررت أن تكون برلين مقري ليستطيع أولادي متابعة دراستهم فيها، وهنا أيضا وجدت أصدقاء كثيرين ادخلوا على حياتي البهجة والسرور، وقد أظهرت العائلة المالكة نفسها اهتماما ساميا بي سأبقى أذكره لها بكل وفاء وعرفان … “.

 

هذه قصة الأميرة سالمة أو إميلي روث التي استمرت معاناتها حتى وفاتها وذلك بفشلها الرجوع إلى زنجبار بعد عدة محاولات نتيجة العداء الذي يكنه السلطان برغش اتجاهها رغم وصولها إلى زنجبار للإستقرار فيها ، ولكنها لم تحظ بالترحيب إلا من المحبين لها من العرب والهندوس والبانيان وبعض من أهل زنجبار ولكن كل ذلك لم يدم طويلا ، فالسلطان برغش قام بطردها ، إذعلقت قائلة في ختام مذكراتها وهي تصف لوعة فراق موطنها مرة أخرى :

” ..ولكن ساعة العودة والرحيل قد آنت وكانت ساعة أليمة مليئة بالغصة ،والألم بالنسبة لي ،وبالنسبة لأصدقائي القلائل الذي آلمهم الوداع ،كما آلمني وبرح بهم البين كما برح بي، وأرى أن خير ما أختم به هذا الفصل وهذا الكتاب كله هو نشر بعض رسائل وداعهم شعرا ونثرا في لغتنا العربية الجميلة، أو في اللغة السواحلية :

– أيها النازحون عنا في سفينتكم عودوا إلينا فمكانكم مهجة القلب ومقلة العين .

ـ لو كنت أعلم قبل البين عزمكم على النوى .. لسار فؤادي خلفكم تبعا وصارت عيوني للحبيب هدية وصارت روحي له فداء .

ـ ايها السفين النازح رويدا تمنيت أن أكون طيرا فأطير حواليك ولكن كيف يطير الطير وقد هاض منه الجناح .

ـ الهي يارب العالمين اجمعنا ثانية قبل الممات أو دع أرواحنا تلتقي في جنات سمائك .

 

المرجع : مذكرات أميرة عربية بقلم السيدة سالمة بن سعيد بن سلطان سلطان مسقط وزنجبار ، ترجمة عبدالمجيد حسيب القيسي ، الطبعة التاسعة 2006م .

 

شارك هذا الخبر