أسمال آدم : الانسان العاري في القصيدة العربية المعاصرة
أو محمد الهادي الجزيريّ في ( نامت على ساقي الغزالة )
حسن مجَّاد
أكاديميّ من العراق
إلى صديقين
الأوّل خطفته البنادق
والآخر بعيد أبعد من الشرية !
وإلى ( ماجدة الرومي ) طبعاً
قال النووي : ( قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “وَإِنِّي أَنَا النَّذِير الْعُرْيَان “،قَالَ الْعُلَمَاء : أَصْله أَنَّ الرَّجُل إِذَا أَرَادَ إِنْذَار قَوْمه وَإِعْلامهمْ بِمَا يُوجِبُ الْمَخَافَة نَزَعَ ثَوْبه،وَأَشَارَ بِهِ إِلَيْهِمْ إِذَا كَانَ بَعِيدًا مِنْهُمْ لِيُخْبِرَهُمْ بِمَا دَهَمَهُمْ،وَأَكْثَر مَا يَفْعَلُ هَذَا رَبِيئَة الْقَوْم )
كلنا نستذكر الطرفة البنيوية للسيد فيكتور شكلوفسكي وهو يؤسس بمنطقه الشكلانيّ جمالية تشيخوف العظيم في (نزع الألفة) و(التغريب)،حين رأى أنَّ بطل تشيخوف مثل رجل ظن بزوجته الخيانة،فراح يهم بقتلها،وطفق هارباً إلى المحل،واحتار وقتها أيَّ نوع من المسدسات سيشتري،هل يقتلها؟،هل يقتل نفسه؟،هل يبدد سذاجته فيقتل نفسه ويقتلها ؟،وبينما هو كذلك وهو منشغل بالأحاديث سينسى،فيشترى شبكة ليصطاد الطيور البرية !! .
شكلوفسكي أراد بطرفته تلك أن يظهر عمق (الضحك المبكي)،وخلاصة التراجيدي كوميدي في عالم تشيخوف الأدبيّ ،بإظهار أبطاله وهم منسحقون عبر فكرة هامشية او هواجس رثة ؛ لأنَّ الفن الحقيقيّ – كما يراه – ينحو نحو نزعة الألفة عما مألوف في الحياة اليومية وإكسابها بعداً تغريبياً ،يعيد لها حيويتها وعمقها اللامرئيّ،والجزيري يقترب من هذه الرؤية التغرييبة عبر قلب الصورة وشحن الأفكار بطاقة من الدلالة السيكولوجيّة،ويمنح النص موقفاً شائخاً بين الحس المأساوي والفكاهة المرة في آلان ذاته،وهنا مكتنز خصوصيته الشعرية على اختلاف في تعديل الرؤية ومستوياتها ، لأنَّ (تاريخ الضحك) في الآداب الأوربيّة أو العربيّة مختلف بحسب اختلاف السياق التاريخي وعلاقته بالسلطة ومن ثم بنوع من التقاليد الاجتماعية التي تفرز أنماط الرذائل والفضائل .
والجزيري يقدّم في شعره خلاصة لمختنق الانسان العاري وهو يعي شقاءه وضيق دربه بعد ان تسلق على ظهر أحلامه أطفال الساسة وحمير العاهرات المأخوذين بالشرف العائليّ !
( ما رأيك أن نكتب ؟
طبعاً ليس الشعر
فذاك الفن العالي لا يتسلقه حمالو الأثقال
حمير الزوجات وأحصنة الأطفال
لم لا نكتب شكوى للإنسان
في شكل عتاب ودي واخوي وحميم
نتذمر فيه بلطفٍ من ضيق الانسان ) نامت على ساقي الغزالة : 45 .
يجعل (الجزيري) من بيته في (تربة البايات) ،وهي أضرحة ملكيّة للبايات الحسينيين، مركزاً لرؤية (مطمورة روما) كما كانت تسمى (تونس) قديماً ، ويعيش في هذا الزقاق التونسي القديم على شفا القبور السلطانية وحدائق المدينة الواسعة :
( ينمو على مهل حبيبي
ابنة الجيران ترقبه وتنمو
والهوى ينمو
نهاراً في مربع تربة البايات
حذو الله والموتى
وليلاً تحت فانوس الزقاق
أمام شباكي
لن أسلم للظلام العاشقين
ولن يعاين دمعتي أحدٌ
وإن كنت الحزين ) 40 .
ومن هنا يتزاوج المكان القديم بما آل إليه من خرائب،ويصبح الزمن والإحساس بانقضاء العمر رحلة عصية في سبر غور الانسان العربيّ وخراب روحه وعطله وخروجه من التاريخ،وما يبقى له سوى أسماله البالية ؛ ليؤكد عقمه الروحي وخواءه الفكري ،ليكتشف نداء صوته القديم الذي تفجر من أعماق آدم الأول حتى خرس وأصابته الهزيمة ، فتعرى في الهواء رافعاً أسمال العصور ،ينذر بها من تبقى على قيد الحياة .
تتشكل طوبوغرافيا عالم الجزيري من بيت يقع على تخوم (قبور السلاطين) وعلى حافات (حدائق البهجة) إلى ما أبعد من ذلك اتساعاً في رؤية تونس برمتها ، وقد أصبحت عالماً خانقاً بعد انهيار الوطن الكبير ذلك الذي شهد أفول عصر ، يقول في مجموعته الشعريّة (لا شيء في مكانه)
( ما أضيق مجراي
كم من نهرٍ يتململ في أنبوب ؟
كم في مطمورة روما من أيوب ؟
لكِ شكوى السيد من خدم السلطان
وثمار الجرح الموهوب
لك مايختلس الطفل لقطته من مائدة الغيلان
لك بسمة رب الأسرة تحت التعذيب
لكِ ما أخفيه أنا الراقص في حفلات الأهل …الأعداء :
ضيق حذائي
حظي الأعرج
وجوربيَ المثقوب ! ) 8 -9 .
يصور شعر محمد الهادي الجزيريّ محنة (الانسان العاري) في عصر مابعد انهيار الاتحاد السوفيتي ودخول العراق إلى الكويت ، ورعب (حواشي السلطة) في إذلال الفرد وسحقه في زيه العسكري والبيروقراطي الشاحب .
وإذا كانت فكرة (الانسان العاري) ترتبط بـ(الولادة الأولى للإنسان) كشفاً عن خلوه من الخطايا والذنوب بمعناها الديني والقيميّ،وتعبيراً عن التناقض الروحي للرغبة واصطراع النوازع ،الا انه أصبح شيئاً فشيئاً ،بحسب تحولات المجتمع من القروية إلى الصناعية،محاطاً بكمال التستر واختلاق الملابس والديكور والأثاث والأقنعة ،وابتكرت الحضارة في مسارها الطويل سبلاً شتى لإكساء الجسد بوصفه رمزاً للدناءة،ولكن (الانسان العاري) الحديث تولد مرة أخرى بفعل شراسة الأجهزة القمعية في الترقب والتنصت وكتم الأفواه ، ومعرفة دخائل النفوس ما ظهر منها وما بطن :
( نحن أخوة يوسف
لم نلق شيئا
سوى خوفنا ومقص الرقيب ) لا شيء في مكانه : 18 .
ولن يبقى أمام انسان الجزيري سوى الشعور بالغربة القاتلة والانزواء عن الطرق العامة وصالات العرض الكبيرة ، فينسى وترث ثيابه :
( احزن فما معنا أحدٌ
ها نحن بين براثين الخمسين
لكأنا اللاشيء
قد نُنسى هنا في كهف غربتنا الحديثة
لا رنين لهاتفٍ
لا ضيفَ يطرق بابنا الغافي
ولا ساعي البريد
سنرثُّ كالثوب القديم ) نامت على ساقي الغزالة : 81 .
تكمن خصوصية تجربة محمد الهادي الجزيريّ الشعريّة في ذلك الانطواء الخلاّق للمعادلة الجمالية الصعبة بين الحس التراجيديّ في الشعريّة المعاصرة وروح التهكم الساخرة في مقطعاته الشعريّة،لا على نحو تقاليد التراجيكوميديّ في الدراما المعاصرة؛لأنَّ الجزيريّ شاعرٌ غنائيٌّ يرى التناقض الخفي في النسيج الاجتماعيّ،ويعمل على اقتناص الوجه الأكثر شراسة لتصدع الذات وانكسارها بشكل ملهاوي مثير للضحك والشفقة في الوقت نفسه عبر تدوير للحكاية ونقض لأصولها :
( طيفها عالقٌ بي
وأهلي كذلك والشهداء
ولا حول لي في بلاد الرياح
ثم إني لعلي غبي
اكتب الشعر في غابة منذ كنتُ صبي
والرغيف الحقير أدّق على بابه كلّ يومٍ
بإلحاحِ كلبٍ وصبر نبي ) : 33 .
ومن هنا،يمكن لنا أن نقرأ تجربته الشعريّة في ضوء مرجعياتها الجماليّة والرؤيوية ،فهو شاعر يمتلك صوته الشعريّ ،تشيع في نصوصه النبرة الغاضبة وروح التمرد تعبيراً عن انتمائه الى ما يُعرفُ بــ(تيار الرفض) بمستوياته المتعددة التي تبدأ من خيار الموقف في التمرد الاجتماعي والسياسي ومن ثم التمرد الفكريّ او التمرد الميتافيزقي؛إذ تظهر في نصوصه الأفكار وخصوبتها وعنفوانها ومشاكستها الحادة للظواهر والسلوك ، وهو ينقض أصل ميلاده الأول :
( طافح بالصدى
قيل عني الكثير
قيل إني سرقتُ من الله تفاحةً
فنفاني إلى وطني
وقتلتُ أخي لأفوز بأختي
فجاء الغراب
يعلمني كيف أهمل في حفرة بدني
قيل ماقيل عني
ولا أتذكر الا القليل القليل
انما جنتي الأرض وهي الجحيم) نامت على ساقي الغزالة: 88 .
ويتجسد الرفض الميتافيزيقي في علاقة الانسان بالكون والرب وبمصيره المؤجل من جهة ،وبمبدأ قوة الاختيار وضرورة الحرية من جهة أخرى ؛ لأنَّ الخروج على سلطة الألوهية هو بحث عن علة الوجود خارج السياق التاريخي نفسه ، ومن هنا نلمح العنف في الفكرة والعزلة القاتلة التي سيحياها آدم المعاصر وهو مكبلٌ بإرادة قدرية بعد ان روّضته الحكومات والسلطات على أن يصبح فرداً صالحاً في ( الدنيا – الحلبة ) !
ولكن الأفكار لا تأتي عارية ،بل تجيء ضمن نمو من فيض الشعور الوجداني ، ووعي بالخيبة المرة والهزيمة ، فتتحول إلى نسيج قصصيّ ،و تنمو ضمن شبكة من العلاقات الداخلية والبناء العضوي ،ولا تفرض عليها فرضاً،وتتولد ذاتيا وتنتظم على مستويات من الظهور والخفاء،وعلى وفق ذلك،فإنَّ الجزيريّ يمنح الحقيقة الشعرية تهكماً سياسياًَ،من دون أن تسقط نصوصه في الشعاراتية المبتذلة او النبرة الإيديولوجية الصاخبة،لكأنه يضمر روح الدعابة وتقاليدها من أرستوفانيس إلى مولير،ويستجلي الحس المأساويّ والشعور المر بالموت في أعمق تجلياته الجمالية في ديوان المراثي العربيّة .
ومن خلال هذه المعادلة الصعبة والانطواء الخلاق بين وجهي الحياة والموت بصورتيهما الملهاوية يصبح بإمكاننا أن نؤشرَ المظاهرَ الأسلوبية والأصداء البعيدة لأصوات مثلت تيار ما بعد الهزيمة على نحو خاص عند (مظفر النواب،وأمل دنقل)،ولكن ذلك التيار الشعريّ حاول أن يستلهم المزاوجة في الموقف الشعري،على تناقضهما،بين الإيمان بالأمة وهي تشهد انهيارها الأخير من جهة،ورفض سياسية الانفتاح واكساب تجربتهم بعداً وجوديا في الصعلكة السياسية والفكرية من جهة أخرى،ومن هنا تحولت الأرض إلى صحارى شاسعة في عالم الجزيري الشعريّ بسبب من استبداد السلطة وضيق الأجواء بدءاً من أزقة ( تربة البايات ) وصولاً إلى شوارع المدن العربية العارية ،وأصبح الانسان مطروداً ومنعزلاً وخائباً في غرفته الحجرية،نراه يفتتح مجموعته الشعريّة ( نامت على ساقي الغزالة ) بما يقوله معبراً عن توحده مع العالم :
( مفتوحة أوراقي البيضاء والمغدّرةْ
وغرفتي أغنية من حجر وأبجدية
تطفو على سطح المدينة العتيقة
ذي عزلتي الضاجة بي وهي الحقيقة
تلبست بيَ اللغة
واحتشدت فيّ الخليقة ْ )
نقرأ شعر الجزيريّ وهو يعبر عن نهايات القرن العربيّ،والانهيار المفجع لـ(الأوطان الرومانطيقيّة) التي بنيت على أسس من الأفكار الكبرى والوعود الكاذبة،ونشهد رعب الصورة للإنسان التي التهمته الحروب والحصارات والمنافي فأصبح قرداً ومسخاً،وصار المناضل السياسيّ نبياً على هيأة ذئب بشريّ :
( ما أصدق الذئاب ما أفصحها
وهي تحاور الغزالة المثيرة المثارة
يا لتناحر الجذور في غياهب التراب
لافتكاك لقمة التراب
في انتظار نجدة السحب
ما أوضح الغابات اسمنتية حديثة
وملحمية عريقة
ودولة مارقة للحيوان والنبات والصراع والشغب ) نامت على ساقي الغزالة: 17 .
والجزيريّ وهو يقدّم معادلاته الرمزية لصورة الإنسان عبر تمثيلات بيئة رعوية صحراوية ( غزالة – ذئب)،يعبر عن بؤس الواقع الاجتماعيّ والتصدع الاقتصادي للفئات المهمشة؛ليضع بناء جمالياً للقبح معبراً عن بلاغة المقموعين الباحثين عن حرية الكلمة وملح الأرغفة بمكابدات صراعهم مع الوجود والطبيعة، الوجود بانهياره قيمه الانسانية،والطبيعة بوحشيتها ورعبها وبشاعتها؛ولذلك نلمح في نصوصه هيمنة اسلوبية لصورتي ( الذئب) و( الغزالة )
– ( كم عوى الذئب المعربد في دمي ) : 7
( سيان عندي فأنا الذئب النبيّ ) 12 .
( أعلم أنك تستيقظين على مهلٍ
تمنحين مزيداً من الوقت لليل
حتى يراجع طقس الغزالة في نومها الوثني ) : 28 .
( طافح بالفرح
السقيفة مظلمة
والغزالة تشربني من فمي
أمها لم تزل في العمل
وأبي …في الجحيم
الغزالة تندس فيّ تماماً
لكي لا ترى أمّها أو أبي أو شبح
وأنا طافح بالفرح )
ولكنَّ غزالة الجزيريّ تختلف عن غزالة البياتيّ في (عين الشمس)،وذئبه يختلف عن ذئب أمل دنقل على الرغم من نبرة الرفض الفكري والميتافيزقيّ ؛ولهذا يجيء عند دنقل نقضاً لفكرة ( سفر التكوين ) في نشأة الخلق ولكنها معدلة في أنَّ التعب الذي لازم الانسان هو تعب قدريّ بسبب من العناء في مواجهة الفناء الروحي والمادي ؛ لهذا نجد دنقل يقول في واحدة من اهم قصائده :
(من يفترس الحمل الجائع
غير الذئب الشبعان؟
ارتاح الرب الخالق في اليوم السابع
لكن .. لم يسترح الانسان )
يأتي (ذئب) دنقل معبراً عن التناقض الطبقي لـ(فئة المنتفعين الجدد) التي هيأتها مناخات مابعد الهزيمة وسياسة الانفتاح،على حين تبدو (غزالة البياتي) جزءاً من الولع الصوفي في الإرث العرفانيّ لتحولات العاشق في أسفار محي الدين بن عربيّ ، فهو بعد ان حمل قاسيون على ظهره مثل غزالة برية يقول :
(كلمني السيد والعاشق والمملوك
والبرق والسحابة
والقطب والمريد
وصاحب الجلالة
أهدي إليّ بعد أن كاشفني غزالة
لكنني أطلقتها تعدو وراء النور في مدائن الأعماق
فاصطادها الأغراب وهي في مراعي الوطن المفقود
فسلخوها قبل أن تذبح أو تموت
وصنعوا من جلدها ربابة ووترًا لعود)
إنَّ الكشف عن أبعاد الصورة الفنية ومرجعياتها الفكريّة في تجربة الجزيريّ تتيح لنا أن نقف عند أصول الرؤية الفنية وتحولات المنظور للإنسان الحجريّ وعلاقته بالمدن وضفافها الصحراوية،إذ على الرغم من أنَّ صورة الذئب في الشعريّة العربيّة من الشنفرى والمرقش الأكبر صعوداً نحو حميد بن ثور الهلاليّ و الفرزدق وعبوراً نحو البحتريّ والشريف الرضيّ،ووصولاً إلى قاسم حداد والبياتي وآخرين قد فُسّرت تفسيرات رمزية وميثولوجية وسايكولوجيّة بحسب علاقة الفكر وما يفرزه من معطيات وجدانية وشعورية لترويض شراسة الوجود الإنساني في البيئات الصحراوية والحضرية ومابعد الصناعية،فإنها بكلّ الأبعاد والتحولات،على اختلاف في التشكيل الفني،تعبر عن وحشة الانسان واستئناسه وهروبه من العالم مرة أو تمرده عليه مرة أخرى، إلى الحد الذي دفع اللص الفاتك في وحشته الخالية الأحيمر السعديّ إلى الاستئناس بالذئب عن الانسان الغريب :
عَوى الذِئبُ فَاِستَأنَستُ بِالذِئبِ إِذا عَوى …. وَصَوَّتَ إِنسانٌ فَكِدتُ أَطيرُ
ولعلنا ،ونحن هنا بصدد تمثيلات صورة الذئب الانسان ( وحدة وعزلة وهروباً )، نستذكر ذئب هرمان هسة في (ذئب البوادي) وهو يصور (أزمة هاري هالر العجوز) في رواية تعد الأكثر عنفاً وإيلاماً في تصوير الذات الأوربية في تصدعها وتآكل روحها على أعتاب صعود النازية والفاشية وتدميرهما للإنسان الموعود الذي يرث الأرض ويمسك الآلة،وتنتهي إلى أنَّ الانسان عليه أن يتقن فن اللعبة وأن يواجه كلّ القبح بالضحك،وفي قصيدة الجزيري (قصيدة اللعب) تعبيراً واضحاً عن الفكرة (الانسان القرد العاري) الذي حُوّل بسبب من سياسيات القمع والإرهاب باسم الحرية والكرامة إلى مهرج في حلبة :
( فعلتُ ما استطعتُ
واجهتُ راوغت تصديت تفاديت
ككل من في الحلبة
بهرت وانبهرت
وها أنا في الجولة الثانية والخمسين
أقر أني تعبت
لكنني لن أخذل الطفل الذي فيّ
ولن اعتذر عما فعلت )
ومن هنا ، تتضح لنا (صورة الذئب) و(الغزالة) في شعر الهادي الجزيريّ ،إذ يستلهم الفكرة التوراتية وتعديلاتها القرآنية لـ(قتل الأخ) واستدلال موته بـ(ذئب مفترى عليه)،ولكنه يعمل على تفكيك الصورة الأولى عبر منطق الرفض السياسيّ للمصالحة مع مقتضيات الضرورة،و يبرئ أخوته مما لحق يوسف النبي المدلل،تعبيراً عن تنازع القوى الاجتماعيّة وتمرد الأخوة المزارعين لـ(سلطة الأب)، نجد ذلك واضحاً في مجموعته السابقة ( لا شيء في مكانه )
( نحن أخوة يوسف
لم نلقَ في الجب شيئاً
سوى خوفنا ومقص الرقيب
ظلمتنا الحكاية والببغاوات والمؤمنون مقابل أجرٍ
ويوسف … منذ ادعى ما ادعاه
لنقسم بالأشقياء الذين اقتفوا أثر الأشقياء وتاهوا
ونقسم بالأغنيات التي لم تصل
وعيون زليخاتنا :
إنَّ هذا الرجل
ليس في وسعه أن يرى كوكبا واحداً ، فهو أعمى
وإن كان قرة عين ابيه
فتلك خياراتنا
نحن أبناء أحزاننا ، اغنياء بأحلامنا والعناد
أدلاء طير وعباد حرية
وهو قط أبيه المدلل
لا يتخطى سياج الحديقة والعتبة
لا يرى ما نراه
ولا يربك البيت بالأسئلة ) لا شيء في مكانه : 18 – 19 .
يتجاوز الجزيري مأزق يوسف الفلسطينيّ المغيب المتسامي كما عند درويش في ( أنا يوسف يا أبي ) ، ويمضي بعيداً عن (أمل دنقل) في (كلمات سبارتكوس الأخيرة) في تمجيده لقوة الشيطان
( المجد للشيطان .. معبود الرياح
من قال ” لا ” في وجه من قالوا ” نعم “
من علّم الإنسان تمزيق العدم
من قال ” لا ” .. فلم يمت ,
وظلّ روحا أبديّة الألم ! )
وهو رفض لـ(المجد لله في العلى)؛لأنَّ محنة الخلاص الإنساني ستكون على يد (الانسان الوديع الطيب ) كما يرى دنقل :
( و الودعاء الطيّبون
هم الذين يرثون الأرض في نهاية المدى )
ومن هنا تتشكل الصورة (الذئب في زيه البشري) و(الملاك الطيب الوديع في المنزل الكئيب) في شعر الجزيريّ عبر محاكاة ساخرة وقلب للنصوص الدينية المؤسسة لـ(قتل الأخ) وابتكار (حضارة الدم) منذ غراب قايين إلى ذئب يوسف الذي يموء مثل قطة ويزعم أنّه الذئب !
( وعن أي ذئب يدور الحديث
أ ثمة ذئب سواه ؟!
وإن كان لا يتجاوز ظل أبيه
فتلك طريقته في اقتناص الحياة
إنه الذئب في شكله المنزلي الكئيب
كم يموء ويحسب أنه يعوى
وكم يتمسح بالداليات
ويعجز أن يتسلقهن
فكيف ادعى ما ادعاه ؟ ) لا شيء في مكانه : 21 .
كانت صورة (الذئب) في مجموعته السابقة (لا شيء في مكانه) رفضاً للرمز الدينيّ وإعادة نظر في الأخوة الأعداء،ولكنها في مجموعته (نامت على ساقى الغزالة) تبدو على نحو من ( طردية معاصرة ) تمتزج فيها (الغزالة القدسية) بالجسد المتناهي في السمو والتعالي عبر ثنائية (الأيروس والثاناتوس )وهو يتمثل التراث الشعريّ والفسلفي ؛ لتنصهر في تجربته تعبيراً عن مقاومة الانسان للعزل والكبت ،ولربما قد تبدو فجاجة سايكولجية للجسد ومفاتنه وعوالمه ،وهي مقصودة بطبيعة الحال كما في قصيدته (ليس لي ما أضيف) التي وان لم تخلُ من النبرة الدرويشية في البناء الموسيقى وتحولاته ولوازمها الإيقاعية ، فإنَّ ما ظل خفياً عن القراءة الأولى،هو أنَّ الجزيريّ يستدعي بنداء قصيّ وبعيد ( مرثية مالك بن الريب ) وهو يخاطب أصحابه :
أقـول لأصحابـي : ارفعونـي فإنـه ….. يَقِـرُّ بِعَيْنِـي أن سُهَيْـلٌ بَـدَا لِـيـاَ
فيا صاحبي رَحْلِي ، دَنَا الموت فانزلا ……. بِرَابِيَـةٍ ، إنــي مُقِـيـمٌ لَيالـيـاَ
وقُوْمَا إذا ما استُلَّ روحـي ، فَهَيِّئَـا …… ليَ السـدر والأكفـان عنـد فنائيـا
وَخُطَّـا بأطـراف الأَسِنَّـة مَضْجَعِـي …. ورُدَّا علـى عَيْنَـيّ فَضْـلَ رِدَائِـيـاَ
خُذَانـي فَجُرَانـي بِبُـرْدِي إليكـمـا …. فقد كان قبـل اليـوم صَعْبـاً قِيَادِيـاَ
ولا تَنْسَيَـا عَهْـدي خليلـيَّ بَعْدَمـا …. تَقَطَّـعُ أَوْصَالِـي وتَبْلَـى عِظَامِـيـاَ
يقولـون لا تَبْعُـدْ وهـم يَدْفُنُونَنِـي …. وأيْـنَ مكـانُ البُـعْـدِ إلا مَكَانِـيـاَ
غَدَاةَ غَدٍ يا لَهْفَ نَفْسِـي علـى غَـدٍ …. إذا أَدْلَجُوا عَنِّي ، وأصبحـت ثَاوِيـاَ
والجزيري يستلهم الطقس الجنائزي لرثاء الذات ويتشبث بأذيال أصدقائه وهو جثة منطرحة تحت شبابيك غرفتها النائية ،تعبيراً عن الانحدار العميق للروح وشرخ الذات من أجل لقاء عابر لم يتم في دروب الدنيا الضيقة ،وها هو يرى نفسه جثة محنطة، ليس له ما يضيف إلى هذا الفراغ ،و على الرغم من اختلاف في القصيدتين على مستوى الاتجاه الفكري والمحمول الرمزي ،فإنَّ المرتكز بينهما ،وان كان ضيئلاً ، يكمن في تجاوب الاصداء البعيدة ، و اقتناص اللحظة الأخيرة للحياة ،وذلك ما يوفر لنا سبب التداعي الحر على مستوى اللغة والمضمون الإنساني العميق
( ارفعوني إلى ليلها قمرا وإلى صبحها أغنيةْ
ارفعوني إليها وقولوا لها:
مشجب نادر نحتته الصروفُ
له شكل طفل شريد
ولكنّه خشب، لا يؤثّر فيه الوقوفُ
ثلاثون مرّت به
وهو منتصب تحت شرفتك العاليةْ
فضعيه بقرب السرير ونامي
عليك الأمان
وعليه القميص الرهيفُ
ليس لي ما أضيف )
تأتي قصيدة (الجزيري ) مركبة بين الحسيّ الشهوانيّ والإحساس بأفول الأوطان وغروب الذات ، وهي مزاوجة خلاقة منحت النص انتقالاً من رثاء الذات إلى رثاء الديار والبكاء عليها، لا على وفق تقاليد الموروث العربيّ في مراثي الربع والأطلال المندرسة فحسب،بل في تصوير العمق المأساوي لـ( خسوف القمر) بكل دلالاته الميثولوجية والفلكلورية عبر ثنائية (خسوف الجسد) و( خسوف البلد ) وهو يكشف صراع الرغبة في ضوء ( مبدأ اللذة ) الفرويديّ بين (الرغبة في الحياة) و (مواجهة الموت) بالجسد والعري تعبيراً عن رفض قوى القهر والظلام والإبادة ، فالجسد العاري الأنثوي جاء بوصفه جزءاً من ذكريات الطفولة المعنّفة من الكبت والحرمان ،ويقع على نقيضها المضاد ( صورة البلد المفقود ) ؛ لتكتمل الصورة العدمية لـ( خسوف الانسان العاري ) !
( ليس لي ما أضيف
سوى طعنة الانهيار الأخير
إلى جسد خربٍ هدّمته السيوفُ
فممّا العجبْ
كم تصدّع من قمر في سماء العربْ
واحتواه الخسوفُ )
ولعلّ ما يؤكد لنا هذا المنحى التأويليّ ، هي رحلة البحث عن الضدين على تناقضهما الحاد ،والرغبة في إيجاد نوع من التوافق في البحث عن الضائع من العمر واللذة المفرطة
( وها قد نفد الوهم
وأوشكنا أن نرحل من هذا التيه
إلى ضيق القبر
ولم تأت البطة بنت السلطان ) : 76 .
ومن هذه وتلك تترشح ( القصة – الرحلة ) في مجمل تجربة الجزيري الشعريّة ، إذ إنَّ بعض قصائده مركبة تركيباً قصصياً في البحث ،وتعد قصيدته ( نامت على ساقي الغزالة ) مفتاح المجموعة الشعريّة ،ومدارها التأويلي، فهي قد بنيت على أسس من ( تقاليد الطريدة) ، تذكرنا بطرديات قليلة ونادرة في الشعريّة العربية المعاصرة، لعلّ أهما ما كتبه أحمد عبد المعطي حجازي ،وعبد الوهاب البياتي،ومحمد عفيفي مطر،وهي تسفر عن روح الصراع مع الوجود وانقضاء العمر بلا كأس اللذة والانتصار المخيف .
وإذا كانت (الطرديات) في الموروث العربيّ تعبر عن رحلة اللهو للتخفيف من عناء الحروب،وتصوير لحظة التربص بالفريسة على اختلاف في (قصائد الفرسان) أو (الموثبات) التي تشكل صورة بطولية في المعارك وتستحث على الإقدام في نيل شرف الشهادة ، فإننا لا نعدم من وجود صورة للصياد الخائب كما في طردية الحطيئة مثلاً .
وعلى ضوء من ذلك ، لايمكن لنا أن نقرأ ( نامت على ساقي الغزالة ) بعيداً عن شعرية الطرديات المعاصرة ، لنكتشف قدرة الإضافة الخلاقة في تجربته ، ومتغيراته الأسلوبية ومرجعياتها الفكرية ، إذ تجيء طردية أحمد عبد المعطي حجازي مصورة لحظة الصياد الخائب في اصطياد القطا، وهو يهديها إلى (عبد الرحمن منيف) الذي كتب رواية (حين تركنا الجسر) عن رحلة زكي النداوي وكلبه في محاولة شاقة لاصطياد (البطة الملكة) ولكنه يظل خاسراً في النهاية ،ويختتم حجازي قصيدته قائلاً:
(صوَّبتُ نحوهُ، نهاري كُلَّهُ،
ولمْ أَصِدْ
عدوتُ بين الماء والغيمةِ،
بين الحلم واليقظةِ،
مسلوب الرشَدْ
ومُذ ْ خرجتُ من بلادي .. لم أَعُدْ! )
وقصيدة حجازي تعبر هي الأخرى عن أجواء نكسة حزيران والهزيمة الذريعة التي مني بها الشعب العربيّ ، ولكننا حين ننتقل إلى طردية محمد عفيفي مطر التي نشرت في اكتوبر عام 1992 في مجلة الكرمل،فإننا نعثر على صورة(الشاعر الصياد) وهو يجر خيبته بعد التصدع العظيم للنهايات التراجيدية التي لحقت الانسان العربيّ بفعل حرب الخليج الثانية
( أنت أيها الشاعر -المنتشي بالخرائب والذكريات-
…..
تعقد أحبولة من مجازات فصحاك
تنصب أفخاخ شعرك عل الطرائد تأتيك طيعة من
فجاج السموات والأرض بين انتظار وصمت
قصيدك محتدم في حطام المنارات والسفن المتفككة )
إلى أن يصل معترفاً بخسرانه :
( ولا صيد لي في صباح الخليقة هذا – سوى
غمغمات الدويّ وثرثرة البحر )
و ( أينا صيد هذه الظهيرة ؟ !
شمس تُسنن حربتها في الجبين
ورمل يجرجني في نداءاته )
يكمن غرابة ( طردية عفيفي ) في أنها تصور بشكل حاد محنة الانسان القروي الأوّل وهو يعود الى قريته الأولى ( رملة الأنجب ) ولم يحصد من رحلته سوى الكلمة والذكرى .
إلا أنَّ الجزيريّ يعمل مرة أخرى إلى ترويض الجسد المشتهى بوصفه طريدة عبر معادل موضوعي لـ( رمز الغزالة المقدسة )
( يا محمد تشهد الدرب الظلامُ البردُ
والكلمات تشهد
أننا كنّا معاً نسري بها نحو القصيدة
كي تظل غزالة قدسية حتّى الأبد
ونصير نوراً خالداً في وجهها السامي
وحبراً آمناً في مقلتيها ) : 11 .
وتظلُّ ( الغزالة الشاردة ) مثل حلم لم يجده وظلّ طيفاً يقبع في أقاصي الذاكرة وخرابها .
تبقى ( تجربة الجزيريّ )، وهو يصوّر الانهيار العربيّ بعيداً عن التحذلق اللغويّ او الصناعة البيانية التي تفقد حرارتها ومشاكستها و حدة صدقها ، واحدة من أهم التجارب الشعريّة المعاصرة التي تؤكد مستقبل الكلمة في التعبير عن واقع عربي متفسخ ، ومقاومة القبح بالجمال الأرضيّ !