الشيخة الأديبة والمربية العُمانية التي نبغت في شعرها

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

 

لعبت المرأة العمانية منذ أقدم العصور دورًا كبيرًا في مجالات الحياة المختلفة بالسلطنة، وكانت شريكا حقيقيا للرجل في بناء حضارة هذا البلد العريق، وبرزت نماذج عديدة من النساء العُمانيات في شتى المناحي السياسية والفكرية والاجتماعية.

 

وتعد الشيخة الأديبة والمربية الحكيمة عائشة بنت عيسى بن صالح الحارثية أحد النماذج المضيئة والعلامات البارزة للمرأة العمانية ودورها الريادي في المجتمع، وهي امتداد لسلسة طويلة، وقائمة متواصلة من النساء العمانيات اللّاتي برزن في شتّى المجالات، وأظهرن مدى التسامح الذي تميز به المجتمع العماني، وتقديره لدور المرأة بدليل ظهور العديد من العالمات، والأديبات، والسياسيات، والمدبّرات، والمهتمات بالعمل الخيري، وغيرهن ممّن تكتظ بهن القوائم، ولا يكاد مداد الحبر يكفي لسرد أسمائهن وإنجازاتهنّ المختلفة.

 

“أثير” تقترب من هذه الشخصيّة الفذّة وتعرض لمحات من سيرتها العطرة، وجوانب من عطائها الأدبي من خلال تلخيص ورقة عمل بعنوان “مجتمع المرأة العمانية قبلالنهضة المباركة (مجتمع القابل أنموذجا (” للباحثة الدكتورة بهية بنت سعيد بن جمعة العذوبية، وهي ورقة قدّمت ضمن أوراق عمل ندوة الحركة العلمية للمرأة العمانية التي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في أكتوبر 2018 بمناسبة الاحتفال بيوم المرأة العمانية، وتناولت الورقة في جزء منها شخصية الشيخة عائشة وحياتها وعطاءاتها الفكرية والأسرية والمجتمعية.

ولادتها ونشأتها

 

هي الشيخة الأديبة عائشة بنت عيسى بن صالح بن علي بن ناصر بن عيسى بن صالحبن عيسى الحارثية، ولدت في بلدة القابل بالشرقية في أغسطس 1945 م ، ونشأت فيبيت علم ورئاسة فجدها لأبيها الشيخ المحتسب العلامة صالح بن علي الحارثي أحدأقطاب العلم، لقب بذي الجناحين لجمعه بين رئاسة السيف والقلم ، وكان أعلم أهل زمانهبالحلال والحرام وعليه دارت الفتوى في وقته، وقد ترك عددا من الآثار العلمية منها كتابه”عين المصالح من أجوبة الشيخ صالح”، وكتاب “عين الرشاد في تفصيل الجهاد”  ، أماوالدها فهو الشيخ الفقيه عيسى بن صالح الحارثي اشتهر بالعلم والنجابة ورسوخ العقل،تقلد منصب المشيخة بعد وفاة والده، كما كان سندا قويا للإمامة التي أسسها العلامة نورالدين السالمي، ومثّل الإمام سالم بن راشد الخروصي ثم الإمام محمد بن عبدالله الخليلي في كثير من المباحثات مع السلطان تيمور بن فيصل منها توقيعه على اتفاقيةالسيب نيابة عن الإمام، وله مؤلفات عديدة منها كتابه” خلاصة الوسائل بترتيب المسائل”،ورسالة في الرد على من أنكر صلاة الضحى جماعة، ورسالة “الرد العزيز على قلائدالإبريز” وغيرها.

 ترعرعت في حصن القابل، ولها من الأخوة والاخوات؛ ستة من الذكور هم محمد وصالحوإبراهيم وناصر وعلي وعبدالله وهو شقيقها الوحيد الذي يكبرها بتسع سنوات، ومنالإناث فاطمة وأسماء وخديجة ورحمة وزينة، توفي والدها الشيخ عيسى ولها من العمرسبعة أشهر، وقد كف بصرها وهي لم تتجاوز الثلاث سنوات، وقد أجريت لها عملية واحدةإلا أنها لم تنجح وقد ترتب على ذلك فقدانها لبصرها، وقد تزوجت والدتها بعد وفاة والدهامن الشيخ حمد بن سليمان بن حميد الحارثي فتربت وعاشت في كنفه في بلدة المضيرب.

نشأتها العلمية

 درست الشيخة عائشة في مدرسة القرآن الكريم وهي في سن الرابعة، إلا أنها لم تواصلفيها فتعلمت لاحقا قراءة القرآن الكريم على يد معلمة في منزلها، وعلى الرغم من تعليمهاالأساسي فقط المعتمد على القراءة والكتابة البسيطة إلا أنها كانت على معرفه كبيرةبالحلال والحرام وكيفية التقرب من الله تعالى والأخلاقيات التي ينبغي للمسلم أن يتحلىبها.

زواجها

تزوجت الشيخة عائشة ولها من العمر حوالي 15 عاما من العلامة الشيخ سعيد بن حمدبن سليمان الحارثي رحمه الله أحد أبرز أعلام عمان وعلمائها، الذي له عدد من المؤلفاتوالبحوث في العلوم الدينية والفقهية، وفي الأدب ونظم الشعر من أبرزها كتاب “اللؤلؤالرطب في إبراز مستودعات القلب”، ” وزهر الربيع في السعي لإرضاء الجميع”، “وإزاحة الأغيان عن لغة أهل عمان” وغيرها، وقد رزقها الله بخمس بنات وولد وتقيم حاليافي ولاية بوشر بمحافظة مسقط أمد الله في عمرها.

أدبها وشعرها

بدأت القريحة الشعرية عند الأديبة الشاعرة الشيخة عائشة الحارثية قبل بلوغها سن العشرين، ولعلها استمدت سليقتها اللغوية وقريحتها الشعرية من بيئتها وأسرتها؛ فخالهاهو الشيخ الفقيه الأديب عبد الله بن علي بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي شاعرعمان الذي نشأ في أسرة عرفت بالعلم والأدب والصلاح وقد ترك عددا من المؤلفاتوالدواوين منها ديوان” وحي العبقرية”، وديوان” فارس الضاد”، وديوان “الخيال الزاخر”وغيرها.

كما تجمعت عوامل عديدة أسهمت في نبوغ شعرها بدأت من خلال سماعها للقصائد العربية والعمانية كقصائد أبي مسلم البهلاني والمتنبي، والقصائد التي يقرأها عليهاأخوها عبد الله مما أسهم في زيادة قريحتها اللغوية، والقصائد التي تقرأها لها والدتهاوزوجة خالها ثريا ومنها ديوان لشاعر شيعي كانت تحب الاستماعل قصائده، هذا فضلاعن تشجيع خالها الأديب الشاعر عبد الله الخليلي على قول الشعر وحثها على إظهارهللعامة وعدم الاكتفاء به لنفسها خصوصا وأن قصائدها كانت تهدف إلى إبراز قيمونصائح عايشتها في حياتها.

أما إلهامها لقول هذه القصائد فقد ارتبط بالمحيط الأسري وبالمجتمع وبالأحداثالخارجية التي كانت تحدث في عُمان وخارجها، ولذلك تنوع شعرها بين النظم في الكونوالتأمل ونصائح للأبناء والأحفاد واهتمام بالأحداث السياسية والاجتماعية والقصائدالوطنية، بالإضافة إلى الكتابات النثرية.

وفي إطار اهتمامها بالشعر وحبها له بدأت تتشكل لديها اتجاهات وأحاسيس قوية لقول الشعر، ومن أجل تطوير أشعارها كانت تعرض قصائدها على زوجها العلامة سعيد بن حمد الحارثي رحمه الله ليصوب الخطأ النحوي في أشعارها، ولعل ما يميزها قدرتهاعلى حفظ القصيدة في ذاكرتها ليأتي بعد ذلك أبناؤها ليتولوا مهمة تسجيلها وكتابتهالاحقا.

ويعد وقت الفجر من أهم الأوقات التي تجود بها قريحتها الشعرية، وما يميز قصائدها معانيها الواضحة وأساليبها الرقيقة وسلاسة أسلوبها وجزالة ألفاظها ودقة معانيها، وقدقالت في إحدى قصائدها:

قصائد قلتها لله أنويها… ودعوة لعباد الله أبغيها

أقول قولة معروف وأنشرها… لعلها أثرت في نفس قاريها

وعل سيئة عني تحط بها… أو رحمة لي من ربي أرجيها

وليس همي أبياتا أنظمها… وانما هدفي منها معانيها

ودائما ما تكون المواقف التي تمر بها الشيخة عائشة سببا في إلقائها لعدد كبير من قصائدها؛ فقصيدتها في تأمل الخلق كانت بسبب وجودها بالسيارة والتي رافقها نزوللزخات المطر فقالت في ذلك قصيدة طويلة منها:

سل الأرض من شق أنهارها … فأجرى وأنبت أشجارها

ومن أوجد الخلق فيها ومن … دحاها وأخرج أثمارها

ومن قدر الرزق فيها لمن … يدب عليها وأطيارها

ومن قصائدها الوطنية قصيدتها “عاشت عمان” التي قالت في مطلعها:

سيري على بركات الله يا بلدي … مرفوعة الرأس لا تخشين من أحدِ

ولا تروغك الأحداث إن كثرت … فأنت عن مسرح الأحداث في بعدِ

وبالتالي يمكن القول إن الحياة التي عاشتها الأديبة الشاعرة الشيخة عائشة الحارثيةبكل حيثياتها بدءًا بطفولتها وحياتها في القابل والمضيرب وفقدها لوالدها وبصرها وهيفي سن صغيرة، ثم زواجها من الشيخ العلامة سعيد الحارثي وهي في سن الخامسةعشرة، وانتقالها إلى مسقط وما مرت به من أحداث ومواقف أسهمت أيما إسهام فيتكوين سليقتها اللغوية وعذوبة أشعارها وألفاظها، لذلك كانت أشعارها تجسيدًا للواقعالذي مرت به وعايشته، فكل قصيدة عبارة عن حدث وموقف تدفعنا إلى التأمل والتفكر فيكل مفردة من مفرداتها ومعانيها.

المرجع

1-  العذوبية، بهية بنت سعيد. مجتمع المرأة العمانية قبل النهضة المباركة (مجتمعالقابل أنموذجا)، ورقة عمل مقدمة إلى ندوة الحركة العلمية للمرأة العمانية، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، مسقط، 14-15 أكتوبر 2018.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock