أحمد الهنائي يكتب: نعم أنا حزين

في مقال منشور عام 2019، يقدم أحمد الهنائي الحزن مساحة للمكاشفة ومراجعة النفس والقرارات، ويرى أن الخلوة قد تقود إلى تصحيح المبدأ وتقويم السلوك واستنهاض الهمة.

أحمد الهنائي يكتب: نعم أنا حزين
أحمد الهنائي يكتب: نعم أنا حزين
أحمد الهنائي يكتب: نعم أنا حزين
أحمد الهنائي يكتب: نعم أنا حزين

عندما ينفرد الإنسان بنفسه في لحظة حزنٍ أو اعتكافة صمت، يندفع المحيطون به -عادة- في سعيٍ حثيث إلى إخراجه من عزلته تلك، محاولين كسر جموده وانكفائه على نفسه، حتى يغادرها إلى ما يرسم البسمة على شفاهه وإن كانت متكلفة.

وربما تكمن أبهى صور الحرية للبشر أن يختاروا لحظتهم الخاصة في أن يخلدوا لمناجاة دواخلهم، واستنطاق همومهم، واستنزال منغّصات حياتهم في بُرهة حدادٍ صارخة داخل أعماق أفئدتهم.. يركنون بكل قوتهم لتفعيل الحديث المفعم بالنزيف الذي لا يتوقف، ولو لساعةٍ من زمان.

في تلكم المحادثة والتجاذب الوجداني السحيق، يتجلّى التفاعل الذي يريد المرء أن لا ينسلخ منه ردحا من حياته، إذ إنها تمثل جزءا من الصوت الإلهي الذي أودعه الله في ضميره، ليقوم قيامته في تصحيح المسار وتوجيهه. ومن غير لحظة الحزن القاسية يمكنها تحريك الساكن وإحداث القوة الهائلة في النفس؟!

حديث النفس في أعظم الحالات الشعورية وأكثرها نبلا -أي الحزن- سانحة مناسبة لمراجعة القرارات والمآلات والأسباب التي جعلت هذا الكائن على شفير الهاوية أو التأخر والفشل وما يماثله من واقعٍ على اختلاف درجات سوئه، قُربا نحو النقص الكامل أو تماهيا مع الدنو من المثالية المرهقة، كل ذلك تفعله لحظات الصمت الدامعة في المكاشفة والمباينة والمصاهرة عبر هواجس وظنون ونبوءات.

في انزوائك المطلق في باحة الحزن، تكتشف شخصيتك الصادقة جدا، دون مواربةٍ أو انتحال. ثمة وجه حقيقي خالٍ من الأقنعة المتلونة؛ أنت أنت، ذلك أنك لا تخادع أحدا وقتئذ؛ فعلام يجتهد الأحبة في حرمانك لحظة تعرّفك إلى حقيقتك الواضحة كشمس يوليو مسقط الناصعة؟

أثناء تلك الانطفاءة المقدسة، تتكشف لك قناعة لاسعة في أن بعض التفاؤل هو في حقيقته مجرد آمال تفيض بالسراب، تتراءى لك في مخيلةٍ رتيبة، بما يجعل من التسويف وقودا يزيدها وهجا على وجهٍ من الخبال، أو هي مجرد حبالٍ موصدة بحبائل الأماني المخاتلة.

من لطف الله أن أجرى فينا قدرا من رِقّةٍ تمكنا من ممارسة خطاب حازم مع أنّاتنا المتفجرة متى نشاء، فنحن بذلك نمارس إنسانيتنا في هذا العالم المشحون بالمادة.

إن كانت تلك الخلوة ستقود صاحبها إلى تقويم سلوك أو تصحيح مبدأ أو يقظة ضمير وانتفاضة همّة، فأهلا بها.
وعلى هذا المنوال، وبحثا عن الأسئلة المتوجعة، فإني على رأي ألكستدر بوشكين فأنا حزين وطريقي ممل، علَّ لحظةً خاصة تثير بأعماقي كوامن الإحساس نحو التغيير.


شارك هذا الخبر