أثير - محمد الدغيشي
يمر قطاع الكهرباء في سلطنة عُمان بمرحلة تحول استراتيجي تتجاوز مجرد إدارة مخاطر الانقطاعات الفنية والطبيعية، لتمتد إلى إعادة تشكيل البنية الأساسية للقطاع كليًا. وبينما أدرج “سجل المخاطر الوطنية” اضطرابات الشبكة ضمن أولوياته لضمان الجاهزية، اتجهت هيئة تنظيم الخدمات العامة نحو إقرار مبادرات لحماية حقوق المستهلك كالتعويض المباشر، بالتوازي مع التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة. وتكتمل هذه المنظومة بالاستثمار في مشاريع الربط الكهربائي الممتدة من الشبكة الخليجية الإقليمية وصولًا إلى الربط المحلي لجزيرة مصيرة، بما يعزز أمن الطاقة واستدامتها.
تأتي هذه التحركات على خلفية ما شهدته بعض الولايات في سلطنة عُمان خلال سبتمبر 2025 من انقطاع في خدمات الكهرباء، والذي أوضحت هيئة تنظيم الخدمات العامة حينها أن سببه خروج إحدى محطات الإنتاج من الشبكة بشكل مفاجئ مما أدى إلى تذبذبها، نافية أن يكون الانقطاع ناتجا عن هجوم سيبراني. هذه الواقعة وغيرها، دفعت “سجل المخاطر الوطنية” إلى تخصيص بند مستقل لهذا النوع من المخاطر، معرفًا إياه بأنه ناتج عن الأعطال الفنية أو العوامل الطبيعية كالعواصف والرياح الشديدة، وما يترتب عليه من توقف إمدادات الكهرباء عن المنازل والمنشآت الحيوية لفترات متفاوتة، مع آثار اقتصادية واجتماعية سلبية.
ويحدد السجل تداعيات محتملة للانقطاع، تشمل صعوبة التواصل والإنترنت، واضطراب الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية، وتعطل الأجهزة والخدمات الإلكترونية، وإرباك حركة المرور، وتعطل المستشفيات والخدمات الصحية. وفي المقابل، لقد رصد السجل جملة من إجراءات التأهب الحكومي، أبرزها منظومة وطنية للإنذار المبكر، وتطوير شبكات الكهرباء وتعزيز مرونتها، ومنظومة وطنية لإدارة الحالات الطارئة، وضمان تنفيذ الصيانة الدورية وخطط الاستجابة الطارئة.
من إدارة المخاطر إلى التعويض المباشر والطاقة المتجددة
إذا كان سجل المخاطر الوطنية يمثل الجانب الاحترازي في التعامل مع الكهرباء، فإن هيئة تنظيم الخدمات العامة انتقلت إلى خطوة أبعد نحو تحسين جودة الخدمة ذاتها، عبر أربع مبادرات أعلنت عنها خلال لقائها الإعلامي السنوي في 2024. أبرزها “مبادرة التعويض المباشر لمشتركي خدمة الكهرباء”، التي تتيح للمشترك الحصول على تعويض تلقائي في حال لم تلتزم الشركات المشغلة بمعايير ضمان مستويات جودة الخدمة المعتمدة، ويُخصم مبلغ التعويض مباشرة من فاتورة الكهرباء.
وفي الجانب الإنتاجي، فقد أعلنت الهيئة لاحقًا عن خمس محطات جديدة لطاقة الرياح، وهي: ظفار 2 بسعة 132 ميجاواط، وسدح بسعة 99 ميجاواط، والدقم بسعة 270 ميجاواط، ومحوت بسعة 400 ميجاواط، وجعلان بني بو علي بسعة 105 ميجاواط، بهدف رفع نسبة إسهام الطاقة المتجددة إلى 30% من إجمالي إنتاج الكهرباء بحلول 2030، والسعي إلى تحقيق الحياد الصفري في 2050. كما تضمنت المبادرات مشروع البيع المباشر في سوق الكهرباء، الذي يتيح للمحطات المنتهية عقودها التعاقد مباشرة مع كبار المستهلكين، إلى جانب مشروع محطات المعالجة المنزلية لمياه الصرف الصحي.
هل يعزز الربط الإقليمي استقرار الشبكة العُمانية؟
في سياق مواز لتطوير الإنتاج المحلي، اتجهت سلطنة عُمان نحو تعزيز ربط شبكتها الكهربائية بالمحيط الخليجي. فقد وقّعت هيئة الربط الكهربائي الخليجي وصندوق قطر للتنمية اتفاقية تمويل بقيمة 38.5 مليون ريال عُماني لمشروع الربط المباشر بين الشبكة الخليجية وسلطنة عُمان، من إجمالي تكلفة تتجاوز 269.2 مليون ريال عُماني. ويشمل المشروع خطين كهربائيين بجهد 400 كيلوفولت يربطان محطة السلع في الإمارات بمحطة عبري في محافظة الظاهرة، بطول إجمالي 530 كيلومترا، ومحطتي نقل مجهزتين بأنظمة تحكم وحماية متقدمة، توفران قدرة نقل إجمالية تصل إلى 1700 ميغاواط.
ووفق مسؤولي هيئة الربط الكهربائي الخليجي، فإن الشبكة الخليجية المشتركة، منذ بدء تشغيلها عام 2009، نجحت في تقديم أكثر من 2800 حالة دعم لحظي لشبكات الدول الأعضاء لتجنيبها الانقطاعات. ومن المتوقع أن يدخل مشروع الربط مع سلطنة عُمان الخدمة في النصف الأول من عام 2027، ليسهم في تقليل الحاجة إلى بناء محطات توليد جديدة، وتعزيز قدرة الشبكة على استيعاب الطاقة المتجددة، إلى جانب خفض التكاليف التشغيلية والانبعاثات الكربونية.
جزيرة مصيرة: من محطات الديزل إلى الشبكة الوطنية
على المستوى المحلي، شكّل مشروع ربط جزيرة مصيرة بشبكة نقل الكهرباء الرئيسة، الذي وُضع حجر أساسه في محافظة جنوب الشرقية، نموذجًا لأثر توسعة الشبكة على المجتمعات المحلية. وأوضح وزير الطاقة والمعادن أن المشروع يتضمن ما لا يقل عن 94 كيلومترًا من شبكات نقل الكهرباء، ومن المتوقع أن يستغرق تنفيذه 24 شهرًا، بهدف رفع الطاقة الاستيعابية للكهرباء والتخلص من الاعتماد على الديزل في الجزيرة، وخفض الانبعاثات الكربونية بأكثر من 80 ألف طن سنويًا.
ويعتمد المشروع على إنشاء محطة كهرباء بجهد 132/33 كيلوفولت، وكابل بحري بطول 25 كيلومترا، وخطوط أرضية وهوائية تربط بين محطة محوت ومحطة مصيرة، بتكلفة إجمالية تقارب 72 مليون ريال عُماني. وأعرب ممثلو المجتمع المحلي في جزيرة مصيرة عن تفاؤلهم بأن يفتح المشروع مجالات استثمارية وسياحية جديدة في الجزيرة، فضلا عن كون الشركة العُمانية لنقل الكهرباء تدير أيضا خطوط الربط بين سلطنة عُمان وشبكة الربط الخليجي بجهد 220 كيلوفولت، ضمن شبكة نقل تغطي معظم محافظات السلطنة شمالًا وجنوبًا بجهد 132 كيلوفولت فما فوق.
بين سجل يرصد مخاطر الانقطاع، ومبادرات تعوّض المشترك وتوسّع مصادر الطاقة النظيفة، ومشاريع ربط تمتد من الخليج إلى جزيرة مصيرة، يبدو قطاع الكهرباء في عُمان في مرحلة تحول متزامن بين إدارة المخاطر وتوسعة البنية الأساسية، بما ينعكس تدريجيا على موثوقية الخدمة الواصلة إلى المنازل والمنشآت.





