معالجات قانونية ضرورية لمساعدة المتأثرين ماليًا بسبب كورونا

أثير- المحامي صلاح بن خليفة المقبالي

لقد ألقت أزمة كورونا كوفيد ١٩ كرونا بظلالها على العالم بأسره، وشلّت جميع مناحي الحياة عن بكرة أبيها، وسببت توقف حركة الطيران والمطارات، وأغلقت شركات، و مؤسسات، وتوقف عمال عن أعمالهم، وأغلقت المدارس، ومنعت الحركة، وشلّت الحركة الاقتصادية، مما كبد الجميع خسائر مالية كبيرة بدون استثناء. ومنها شركات كبرى ما كان متوقعًا أن تعلن إفلاسها، ولكن الخطب كبير، وكثير من العمال قد سرّحوا من أعمالهم وانقطعت أرزاقهم، ومنهم رواد أعمال كانوا معتمدين على تجارتهم الصغيرة، فأًغلِقت متاجرهم.

وما كانت السلطنة بمنأى عن غيرها من دول العالم، فقد أصدر مولانا جلالة السلطان المعظم -حفظه الله أوامره- بتشكيل لجنة عليا لمعالجة آثار جائحة كورونا ركزت على الجانب المباشر وهو الصحي و الاقتصادي و الاجتماعي. ومن خلال استقرائنا لحالات كثير من الشباب و الفتيات من أبناء هذا الوطن العزيز، ممن انقطعت أرزاقهم أو تعثرت تجارتهم، و تأثروا ماديا بالأزمة، و صاروا غير قادرين على تأدية التزاماتهم، فإن واجبنا الحقوقي و القانوني يحتم علينا أن نسلط الضوء على المعاناة الإنسانية لهذه الفئة المتضررة.

و نرى أن هناك جانبا مهما من الجوانب التي ينبغي علينا إظهارها لمن يهمه الأمر ألا هو الجانب التشريعي والقانوني.

لقد تعرضنا سابقا لموضوع القوة القاهرة في قانون المعاملات المدنية الصادر في المرسوم السلطاني رقم ٢٩ / ٢٠١٣م، لكن هذا الظرف استثنائي بسبب أنه من الحوادث النازلة والمستجدة فإن المشرع القانوني لم يحط هذه الأزمة بكل جوانبها، و المقالات والفتاوى القانونية التي صدرت من بعض القانونيين إنما هي محض اجتهاد من قائليها، لأنه لم يصدر من السلطات المختصة ما يفيد تعديل تلك القوانين والإجراءات المدنية أو الجزائية في القانون العماني، بسبب جائحة كورونا الطارئة، ونتوقع أن تكون هناك اجتهادات وأحكام متفاوتة ومتباينة من أصحاب الفضيلة القضاة في أحكامهم القادمة، و في المقابل ستكون هناك أحكام اعتيادية كما نص عليها القانون في دساتيره، ذلك لأن هناك قاعدة قانونية تحاصر القاضي في حكمه وهي ( لا اجتهاد مع نص) فلا يستطيع القاضي أن يخرج عن النصوص والمواد القانونية غالبا ومن باب أولى فإن الموظف الذي يقيد الشكوى أو الدعوى لا يستطيع تجاوز قوانين الإجراءات سواء قوانين الإجراءات الجزائية إذا كانت شكوى بمركز شرطة متعلقة بشيكات بدون رصيد أو قوانين الإجراءات المدنية والتجارية إذا كانت مطالبة مالية بمحكمة مدنية.
إن القانون مواده جامدة لا حياة فيها والذي يحييها الفقيه القانوني المسؤول. القانون لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم و لا يفكر، وإن الذي يفكر هو المسؤول. ولكن إذا قيد المسؤول بالنص فماذا عسى أن يفعل إلا تطبيق الإجراءات القانونية بحذافيرها ويحكم بالنص كما هو دون مراعاة لظروف خاصة.
وحتى نوضح ذلك بعمق فإنه في مسألة القوة القاهرة التي هي سبب لفض العقد وبالتالي إسقاط الأجرة.. لو نظرنا إلى الواقع ، هل القوة القاهرة التي تناولها قانون المعاملات المدنية باقتضاب، هل هي متمثلة في الأجرة فقط؟ أم أنها في الحقيقة تتعدى ذلك إلى ما هو أوسع وأشمل؟! تتعدى إلى التأثير على الالتزام التعاقدي بين الأطراف الطبيعيين والاعتباريين، سواء في الإيجارات أو الديون الحالة أو أقساط المدارس أو الالتزامات التعاقدية أو رواتب العمال أو أقساط السيارات وغيرها، وبسبب ارتباطات الحياة التي هي في دائرة مرتبطة ببعضها البعض، فإن الشيكات المرتجعة يترتب عليها شكوى جزائية، ولهذا فإننا نرى أن قانون الجزاء العماني و قانون الإجراءات الجزائية جديران بمعالجة آثار القوة القاهرة والتطرق إليها، نقول ذلك لأننا نحن معشر المحامين والقانونيين على تعامل مباشر مع هذه القضايا التي نتعرض لها ولا نجد لها حلولا إلا بما نصت عليه القوانين، فقانون الإجراءات الجزائية، لم يصدر في نصوصه ما يشير إلى القوة القاهرة، ولم يصدر فيه تغيير منذ بداية الأزمة وكذلك قانون الجزاء العماني، لم يصدر ما يدل على أن الشيكات المرتجعة منفي عنها الجرم بسبب القوة القاهرة. وحيث إن رواد الأعمال مستأجري المحلات المتأثرة لم يوقعوا عقود إيجار فقط حتى نكتفي بقانون المعاملات المدنية ، بل وقعوا شيكات وسلموها المستأجر لكن محلاتهم توقفت عن العمل، وانقطع مصدار دخلهم المالي، إذًا هناك قضية جزائية لا يختص بها قانون المعاملات المدنية، فالسيناريو الذي يحصل أن المؤجر يدخل الشيك إلى البنك ثم يختم عليه بالارتجاع بدون رصيد ثم يتوجه إلى مركز الشرطة ليقيّد شكوى على جنحة إصدار شيك بدون رصيد، ثم يأتي محرر الشيك إلى مركز الشرطة كمتهم، ويحتاج إلى كفيل شخصي ليكفله وإلى كفالة مالية أيضا ثم يتحول الملف إلى الادعاء العام ثم المحكمة ممثلة بالدائرة الجزائية، ويصدر الحكم عليه بالإدانة والسجن والغرامة وإلزام بالحق المدني،، هنا لا نتكلم عن الحالة النفسية والذهنية للمبتلى بمثل هذه القضايا لأن الوضع شارح لنفسه،، لكن نتكلم عن معالجة هذه المعضلة القانونية بشكل عاجل حفاظا على هؤلاء الناس من الدخول في أتون قضايا لا قبل لهم بها، وقس على ذلك ما شئت من تحرير الشيكات لأقساط سيارات أو التزامات مالية أخرى.
ومما يجدر ذكره أيضا معاناة المسرحين من أعمالهم والتزاماتهم، فالمسرح من عمله ينزل عليه خبر تسريحه من عمله نزولا هائلا صعبا على نفسه، خاصة إذا كان عليه قرض بنكي أو التزامات مالية كديون، فتجتمع عليه مصائب مركبة على رأسه، فلا هو قادر على توفير متطلبات أسرته وعياله ولا هو قادر على دفع التزامات ديونه، فيرفع عليه الدائن أو البنك دعوى مطالبة مالية وما هي إلا أسابيع معدودة ويصدر الحكم بالإلزام، حيث إن قانون الإجراءات المدنية والتجارية لا يسعف القاضي بإمهال المسرّح من عمله المتعثر ولا يسمح بإعطائه فرصة أو تسوية المديونية من جانب المحكمة أو توقيف الأقساط لحين حصول المسرح من عمله على فرصة عمل، و إنما يحكم بالإلزام وفقا للقانون، وبعد الحكم يفتح البنك أو طالب التنفيذ ملف تنفيذ ضد المحكوم ويطلب السير في إجراءات التنفيذ والتي يكون آخرها الحبس، فيحبس المسرح من عمله أو المتعثر ماليا ويدخل السجن بسبب عدم وفائه للدين، هذا هو الواقع.. وهذا الذي نطالب بتعديله نحو الأفضل والأصلح.

وحسب قوانين الإجراءات المدنية والتجارية فإنه لا تتيح لقاضي التنفيذ إبرام تسوية دون الرجوع وموافقة طالب التنفيذ، والحاصل والواقع أن الدائن وطالب التنفيذ إذا ما تمت مشاورته من قاضي التنفيذ فإنه يريد المبلغ دفعة واحدة حتى وإن كان المدين غير قادر على الدفع دفعة واحدة، فينبغي معالجة هذه المعضلة و إتاحة المجال للقاضي ليقوم بتقسيط المبلغ، بدلا من حبس المدين غير القادر، و حرمانه من حريته، و حرمانه من أطفاله و أسرته، بل وحرمانه من السعي في الأرض وطلب الرزق. إن هذه المشكلة باتت تشكل هاجسا اجتماعيا ونفسيا لكثير من المدينين المتعثرين.
وإنه مع الأسف يواجه المواطنون والمواطنات ورواد الأعمال من هذه الفئة المتعثرة هذا المصير المؤسف وهو السجن بسبب الديون التي يعجزون عن سدادها.

ومن خلال هذا السرد فإننا نختصر ملاحظاتنا من خلال الوقائع القضائية على التالي:
-تعديل بعض قوانين الإجراءات الجزائية وقانون الجزاء العماني فيما يخص الشيكات بدون رصيد.
– معالجة قانون الإجراءات المدنية والتجارية وإتاحة المجال للمحاكم لتقسيط ديون الناس وإمهالهم حسب ظروفهم وتجسيد مبدأ الرحمة والإنسانية وإعمال الأمر الإلهي محل التنفيذ في قوله تعالى: ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة).

إن هذا الوضوع عميق جدا، وأتطلع وأتأمل كمحامٍ حريص على وطنه إلى أن نساعد إخواننا وأخواتنا المتعثرين ماليا وعدم الزج بهم في السجون بسبب قانون وضعي يمكن تعديله.
وإنني أناشد أن يرفع موضوع المعالجة التشريعية والقانونية لديون المتعثرين ماليًا إلى مولانا صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- ونحن متأكدون أنه لو وصل الموضوع إلى جلالته فإنه سيتفضل بما يراه مناسبا للوطن وينقذ المدينين المتعثرين وسوف تتم معالجة قانونية سريعة لمراعاة ظروف الناس، وسيتم تقسيط ديونهم بدلا من سجنهم بسبب الديون.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock