السفير الهندي في السلطنة يكتب لـ “أثير”: العلاقات العمانية الهندية شراكة إستراتيجية حديثة تمتد جذورها عبر التاريخ

بقلم سعادة مونو ماهاوار، سفير الهند في السلطنة
ترجمة : ريـمـا الشـيخ

أعلنت الهند مؤخرًا حصول جلالة السلطان الراحل قابوس بن سعيد –طيب الله ثراه- على جائزة غاندي للسلام، وفي هذه الجائزة إشارة إلى إجلال الهند البالغ لهذا القائد الملهم والسياسي المحنك، كما أنها انعكاس واضح إلى مدى قوة العلاقة بين الهند وعمان ومتانتها.

وقد امتدت العلاقات بين الهند وعُمان في التاريخ لآلاف السنين، وليس هو مجرد رقم يُقال في سياق استرسال الحديث، بل هو حقيقة تاريخية موثقة في الأوراق والاستنتاجات المبنية على البحث والمسوحات والقطع الأثرية الموجودة في متاحف البلدين.

ففي عام 2011، استضافت جامعة السلطان قابوس ندوة بعنوان “عُمان والهند آفاق وحضارة”، وقد تضمن هذا الحدث مجموعة من الأوراق البحثية التي تناولت بالتحليل هذا الجانب بقدر كبير من التفصيل، ومنذُ أمد ليس بالبعيد، في أغسطس 2019، ألقى الدكتور جمال الموسوي، مدير عام المتحف الوطني العماني حينها (الأمين العام للمتحف حاليا)، محاضرة عن المجلس الهندي للشؤون العالمية، وهو أقدم مجمع فكري في الهند للسياسات الخراجية، واستحضر فيها العلاقات البحرية القديمة بين الهند وعُمان في سياق فني متحفي، وتؤكد تلك الدلائل وجود التجارة والترحال بين البلدين إلى ما يمتد في التاريخ إلى حضارة وادي السند، كما أن سلطنة عُمان تضم في يومنا هذا عددًا من العائلات التي سافرت إلى عُمان من الهند قبل مئات السنين.

وقد تطورت هذه العلاقة العريقة في عهد السلطان قابوس – طيب الله ثراه- حيث امتدت من العلاقات التجارية إلى التعاون الأمني والدفاعي والاستثماري والصحي والتعليمي، حيث يكاد يصل هذا التعاون إلى جميع جوانب الحياة، كما ازدادت العلاقة بين الشعبين قوة ومتانة، إذ يعمل الوافدون الهنود يدًا بيد مع مضيفيهم العمانيين مما دفع عُمان إلى أن تُصبح أمة مزدهرة وحديثة.

وقد نفذت الشركات الهندية العديد من الاستثمارات البارزة في عُمان لتحقيق التكامل الاقتصادي وذلك من خلال إيجاد عمل جديد في إطار الإجراء والتنفيذ، كما أجرت الشركات العمانية العديد من الاستثمارات الضخمة كذلك، وقد أولى جلالة السلطان الراحل اهتمامًا خاصًا لتطوير هذه العلاقة، حيث كان بمثابة المهندس للعلاقة الاستراتيجية بين عُمان والهند ، وكان يطمح إلى أن تصل هذه العلاقة إلى أكثر وأعظم مما وصلت إليه، حيث صرح في لقاء له مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي في مسقط عام 2018م أن سقف العلاقات بين الهند وعُمان لا حدود له.

وتستمر هذه الرغبة إلى مزيد من تطوير العلاقات في عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق – ابقاه الله – ، حيث أعاد جلالته التأكيد على هذا المعنى في مكالماته الهاتفية ورسائله المتبادلة مع رئيس الوزراء مودي، ولم تعُق جائحة كورونا قافلة التطور بين البلدين، بل أكدت هذه الجائحة مدى مرونة هذه الشراكة، فلم تتأثر سلاسل التوريد بين الهند وعُمان خلال ذروة الإغلاق بسبب كورونا، واستمرت دون أي عوائق، واستطاعت السلطنة أن تستورد الطعام وغيره من العناصر الأساسية من الهند، وقد بذلت السلطات المعنية كل الجهود الميسرة لسفر مواطني البلدين.

ونحن في غاية الامتنان لحكومة عُمان لاعتنائهم البالغ بالعمالة الهندية في هذه الأوقات الحالكة، وفي الوقت الراهن يعمل البلدان يدًا بيد لمواجهة التحديات الاقتصادية والصحية الناجمة عن الجائحة، فالوزارات وكبار المسؤولين على تواصل وثيق، وقد دعمت الهند مساعي عُمان بتقديم 100,000 جرعة من لقاح فايروس كورونا المصنوع في الهند، كما يعمل متخصصو الرعاية الصحية الهنود باتصال وثيق مع نظرائهم العمانيين في الخطوط الأولى لمواجهة فيروس كورونا.

وتستمر رحلات الطيران بروية وفقًا لاتفاقية ” air-bubble” بين البلدين، وقد بدأ تقديم خدمات الشحن المباشر بين موانئ عُمان والهند، إضافة إلى ما أُعلن عنه من قرارات تخص الاستمثارات الجديدة.

وأتوقع نمو العلاقات العمانية الهندية بسرعة بعد اجتياز هذه الجائحة، حيث يُمكن اعتبار الهند بمثابة شريك قوي وموثوق لعمان في جميع جوانب الأولويات الأساسية المحددة في رؤية 2040، وستكون الهند هي السوق الصريح، حيث تنشد عُمان تطوير قطاع التعدين لديها، وستُصبح الهند الشريك الطبيعي في قطاعين أساسيين، هما السياحة وتكنولوجيا المعلومات، التي من شأنها خلق عدد كبير من فرص العمل الجديدة.

ويُعد السياح الهنود من أكثر السياح إنفاقًا، كما تُعد الهند أحد أسرع الأسواق الخارجية نموًا في العالم، ورغم التجاور الجغرافي والمناظر الطبيعية الخلابة، إلا أن نصيب سلطنة عمان من السياحة الخراجية للهند يُعد ضئيلًا إلى حد كبير. وقدرات الهند في مجالات تكنولوجيا المعلومات والابتكار معروفة إلى حد كبير، حيث أظهر تقرير حديث لشركة نازكوم-زينوف أن الهند قد حصدت المركز الثاني بعد الولايات المتحدة الأمريكية في عدد الشركات أحادية القرن (12) في عام 2020.

وهناك العديد من المجالات الأخرى التي يُمكن للبلدين التعاون فيها بنحو وثيق، مثل مجالات الطاقة والرعاية الصحية والتعليم وتطوير المهارات وغيرها. ولا شك أن نصيب الأسد من النمو الاقتصادي في المستقبل ستشهده أراضي قارة آسيا، وستكون الهند أحد أهم محركات النمو العالمي.

وبالنظر إلى التقارب الجغرافي والروابط الوثيقة بين البلدين، فمن الممكن أن تستفيد عُمان من النمو الهندي، كما أن الهند تنظر إلى السلطنة باعتبراها شريكا مهما في مسيرتها نحو الاكتفاء الذاتي، ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الفرص يحتاج إلى إجراءات سريعة وجهود مستمرة.

ويتبادر إلى الذهن في هذا الإطار التساؤل حول كيفية سير العلاقة بين عمان والهند ؟

أستطيع أن أرد على هذا التساؤل أن مناط ذلك القيم المشتركة وأرضية المصالح المشتركة، فكلا البلدين يُعدان من أقوى أنصار السلام والتناغم، فنحن نسعى إلى توطيد الصداقات مع الجميع دون عداء من أحد، وبالنظر إلى التجاور البحري بين البلدين، لدينا مصالح مشتركة للحفاظ على الأمن والسلام في المحيط الهندي ومنطقة المحيط الهادئ الهندي.

وللبلدين من عوامل التكامل القوية ما يُشكل أرضية صلبة لنمو وتوسعة نطاق الروابط الاقتصادية، ولا شك أن العلاقات الشعبية المفعمة بالحياة بين البلدين هي ما مهد الطريق لتكوين أرضية صلبة وقوية لنمو العلاقات بين البلدين، ونحن في حاجة إلى تعزيز وتقوية روابط الصداقة القائمة أكثر وأكثر بين الشعبين، ويلزم أن يكون ذلك ويظل دائمًا أحد أهم أولويات الحكومتين.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى