دراسة أُجرِيت في مسقط تُجيب: هل “السُمنة” تتجوّل عبر خدمات توصيل الطعام؟

دراسة أُجرِيت في مسقط تُجيب: هل “السُمنة” تتجوّل عبر خدمات توصيل الطعام؟
السمنة
خاص- أثير
شهد الطلب العالمي على خدمات توصيل الطعام عبر الإنترنت (OFDS) ارتفاعًا ملحوظًا، وفي سلطنة عُمان انطلقت هذه الخدمات قبل عامين من جائحة كورونا، لتزداد شعبيتها لاحقًا كخيار آمن ومريح عبر منصات مخصصة؛ لذلك أجرى باحثون من سلطنة عُمان دراسة علمية تبحث في “مدى انتشار استخدام خدمات توصيل الطعام عبر الإنترنت وعلاقتها بالقياسات الأنثروبومترية في مسقط، عمان: دراسة مقطعية”، حيث هذه الدراسة التي أُجريت في محافظة مسقط إلى تقييم مدى اعتماد المجتمع العُماني على تطبيقات التوصيل واستكشاف ارتباطها بزيادة الوزن والسمنة.
ويأتي هذا التحول الرقمي في وقت تضاعفت فيه معدلات السمنة عالميًا، بينما تشير الإحصاءات المحلية في سلطنة عُمان إلى أن 35.2% من العمانيين يعانون السمنة، مع انتشار أكبر بين الإناث، لذا كان أحد أهداف هذه الدراسة الأولى من نوعها في السلطنة تقييم مدى انتشار هذه الخدمات في محافظة مسقط واستكشاف علاقتها بزيادة الوزن بناءً على قياسات مؤشر كتلة الجسم (BMI)، خصوصًا مع تزايد المخاوف من ارتباط الوجبات السريعة بارتفاع السعرات ومقاومة الأنسولين.
أجرى هذه الدراسة 9 باحثين في عام 2023م في ستة مراكز صحية في محافظة مسقط، على عينة تضم 467 مشاركًا، وتم نشرها في Preventive Medicine Reports في عام 2025م، وتنشر “أثير” ملخصًا لأهم نتائجها.
شارك في هذه الدراسة 467 شخصًا، بمتوسط عمر 32.5 عام، مع أغلبية من الإناث 67.2%، وكشفت النتائج عن معدل انتشار مرتفع جدًا لاستخدام خدمات توصيل الطعام بنسبة 76.9%، وبيّن التحليل الإحصائي ارتباطًا وثيقًا بين استخدام هذه الخدمات وفئات الشباب، والعزّاب، وذوي المستويات التعليمية العالية، والأشخاص الذين يفتقرون للنشاط البدني أو الذين لا يعانون أمراضًا مزمنة، وفي نتيجة مهمة لم تجد الدراسة علاقة ذات دلالة إحصائية بين استخدام تطبيقات التوصيل وزيادة الوزن أو السمنة ($P = 0.109$) بناءً على قياسات مؤشر كتلة الجسم.
تحليل نتائج الدراسة
وتظهر النتائج التي توصل إليها الباحثون أن مستخدمي خدمات توصيل الطعام في مسقط هم غالبًا من الفئات الأصغر سنًا (بمتوسط عمر 31 عامًا)، والعُزّاب بنسبة استهلاك تصل إلى 85.5%، وذوي المستوى التعليمي العالي (خصوصًا طلبة الجامعات بنسبة 84.9%)، ومن المثير للاهتمام أن الدخل المادي، والجنس، والحالة التوظيفية لم تكن عوامل فارقة في استخدام الخدمة. كما يبرز العيش المفرد كدافع رئيسي للطلب، مع تفضيل وجبة العشاء والحلويات، بمعدل مرتين أسبوعيًا وإنفاق متوسط قدره 11.14 ريال عماني.
وكشفت الدراسة عن معدل انتشار مرتفع لاستخدام خدمات توصيل الطعام بين العمانيين، وهو ما يتوافق مع الدراسات الإقليمية والعالمية التي تشير إلى طفرة هائلة في عدد المستخدمين حول العالم، حيث ارتفع من حوالي 806 ملايين في عام 2018م ليصل إلى أكثر من 2.1 مليار في عام 2024م، وتثير هذه الزيادة مخاوف صحية نظرًا لأن أغلب الوجبات المطلوبة غير صحية، حيث طلب أكثر من ثلثي المشاركين في هذه الدراسة “الحلويات” بصورة متكررة، وهو ما يتماشى مع نتائج دراسات دولية في مدن مثل شيكاغو وملبورن التي أكدت غلبة الخيارات غير الصحية في هذه التطبيقات.
ما دوافع الاستخدام؟
يعد فهم دوافع الاستخدام ركيزة أساسية للتدخلات الصحية العامة المستقبيلة؛ حيث برز “العيش بمفردك” في هذه الدراسة كأكثر العوامل تأثيرًا في قرار الطلب عبر الإنترنت، ويعد غالبية المشاركين هذه الخدمات وسيلة سهلة ومريحة للوصول إلى الطعام، بينما تشير دراسات أخرى إلى أن المظهر والسعر هما المحركان الأساسيان لاختيار الطعام، في حين يمثل الطعم والتكلفة العوائق الرئيسية أمام طلب الخيارات الصحية.
وأظهرت النتائج أيضًا أن الفئات الشابة هي الأكثر استخدامًا لهذه الخدمات، وهو ما يعزوه البحث إلى كونهم غالبًا من العزاب، وطلاب الجامعات الذين يعيشون بعيدًا عن عائلاتهم؛ ما يجعلهم يفضلون الطرق السريعة للحصول على الوجبات. كما يرتبط الاستخدام بالتحصيل العلمي العالي وافتقار بعض الشباب لمهارات الطبخ أو الدافع لإعداد الطعام بأنفسهم، ويلاحظ أيضًا أن الأشخاص الأصحاء (بدون أمراض مزمنة) أكثر استخدامًا لهذه التطبيقات، ربما لأن الشباب أقل اهتمامًا بعاداتهم الغذائية مقارنة بالمصابين بأمراض مزمنة الذين يكونون عادةً أكثر حذرًا ويقظة في خياراتهم.
وعلى خلاف المتوقع، لم تجد الدراسة ارتباطًا قويًا بين استخدام خدمات التوصيل وزيادة الوزن أو السمنة، وهو ما يناقض بعض الدراسات السابقة، ويرجح الباحثون أن هذا الاختلاف يعود إلى أن أغلبية المشاركين في هذه الدراسة أظهروا مستوى “جيدًا إلى مقبول” من التحكم في طلباتهم الغذائية؛ ما أسهم في عدم تأثر مؤشر كتلة الجسم (BMI) بصورة مباشرة بنمط الاستخدام الحالي.
قيود الدراسة
من حيث المنهجية والتحيز الإحصائي، يحد التصميم المقطعي للدراسة من القدرة على إثبات علاقة سببية مباشرة بين استخدام خدمات التوصيل والسمنة؛ ما يستدعي الحاجة لدراسات طولية مستقبلية. كما أن الاعتماد على البيانات المبلّغ عنها ذاتيًا يفتح المجال لتحيز “الرغبة الاجتماعية”، حيث قد يقلل المشاركون من ذكر سلوكياتهم غير الصحية، بالإضافة إلى احتمال وجود تحيز في “الذاكرة” يؤثر على دقة تفاصيل التكرار وأنواع الوجبات.
كذلك، اقتصر اختيار المشاركين على المراكز الصحية في محافظة مسقط فقط؛ ما قد يحد من إمكانية تعميم النتائج على المجتمع العماني ككل، خصوصًا في المناطق الريفية التي قد تختلف فيها السلوكيات والانماط الثقافية، والمستويات الاقتصادية والقدرة على الوصول للخدمة عن المناطق الحضرية.
وتتأثر علاقة التوصيل بالسمنة بعوامل متداخلة كديموغرافية المستخدم وتصميم المنصة؛ ما يتطلب دراسة أعمق لخيارات الأفراد، وتبرز الحاجة لدمج النتائج في السياسات الصحية، كاستثمار التطبيقات في التوعية الغذائية وشمول فئات سكانية أكثر تنوعًا في الأبحاث القادمة.
التوصيات
يرى الباحثون بأنه لتعزيز العادات الغذائية السليمة، يجب توجيه حملات التثقيف الصحي لمختلف الفئات المجتمعية مع التركيز على العواقب الصحية طويلة الأمد للخيارات غير الصحية. كما ينبغي تطوير تطبيقات توصيل الطعام لتشمل بيانات تفصيلية عن السعرات الحرارية والعناصر الغذائية لكل وجبة، وتفعيل تنبيهات مخصصة للمستخدمين، ويتوجب على صناع القرار التعاون مع مطوري التطبيقات لإضافة أدوات تروج للوجبات المتوازنة. بالإضافة إلى ذلك، أوصت الدراسة بإنشاء نظام مراقبة مستمر لأنماط استهلاك الوجبات السريعة، وتوسيع نطاق الأبحاث المستقبلية لتشمل المناطق الريفية والحضرية في جميع المحافظات العمانية لضمان شمولية السياسات الصحية.

شارك هذا الخبر