خاص - أثير
شهد قطاع المشروبات الغازية في سلطنة عمان تحولات دراماتيكية في خارطة الاستيراد بين عامي 2022 و2025م. تعكس الأرقام، عن هذا القطاع أثر المتغيرات الجيوسياسية وحملات المقاطعة التي أعادت رسم المشهد بالكامل.
في هذا المشهد، قفزت دول إلى الصدارة المطلقة، في سيناريو اقتصادي فريد تقوده رغبة المستهلك العماني ومواقفه التي أعادت ترتيب أولويات الرفوف في المتاجر العمانية.
وهنا تبرز ”أثير“ بجهدها الاستقصائي في رصد حركة الأسواق، معتمدة المنهج التحليلي المقارن للربط بين الأرقام والمؤشرات اللوجستية، لفهم مسببات التحول الجذري في السوق بعيداً عن مجرد الوصف، وذلك عبر أرقام حصلت عليها من المركز الوطني للإحصاء والمعلومات.
إعادة تشكيل الحصص السوقية ومراكز القوى
عند تتبع مسار الواردات نلاحظ تأثير موجة المقاطعة، فمع استمرارها وتوسعها، ”ارتفعت الكميات المستوردة من 36.2 مليون كجم في عام 2022، بقيمة 6.9 ملايين ريال عُماني، إلى نحو 66 مليون كجم في عام 2025 بقيمة 15.9 مليون ريال، مسجلة نموًا بنحو 82% في الكمية و130% في القيمة. كما بلغت الكميات في عام 2024 نحو 71.3 مليون كجم بقيمة 16.2 مليون ريال، بزيادة تقارب 97% في الكمية و135% في القيمة مقارنة بعام 2022.
من المملكة العربية السعودية، نجد قصة ”عودة“ تاريخية؛ فبعد أن بدأت في عام 2022م بقيمة استيراد بلغت 885 ألف ريال عماني، سجلت تراجعًا في 2023م لتصل إلى 767 ألف ريال بنسبة انخفاض بلغت %13 ، ومع انفجار موجة المقاطعة في نهاية 2023م شهد عام 2024 تحولًا جذريًا حيث قفزت القيمة إلى 9 ملايين و531 ألف ريال، محققة نسبة نمو كبيرة بلغت %1141، قبل أن تستقر في 2025م عند صدارة مطلقة بقيمة 10 ملايين و146 ألف ريال.
خلف هذه الملايين من الريالات، تكمن لغة أخرى هي لعة الأوزان التي تكشف حجم القدرة اللوجستية لسد حاجة السوق، فقد انتقلت السعودية من توريد حوالي 4 ملايين كيلوجرام في 2022م إلى ضخ كميات مهولة بلغت 40 مليونا و158 ألف كيلوجرام في 2025م، هذا التدفق يشير إلى اعتماد السوق بشكل متزايد على سلاسل الإمداد البرية المباشرة، والتي استجابت للمتغيرات الاستهلاكية المرتبطة بحملات المقاطعة، مما جعل المنتجات البديلة خياراً ثابتاً في سلة الاستهلاك المحلي.
وتُعد دولة الإمارات العربية المتحدة ثاني أكثر الدول تصديرًا إلى سلطنة عُمان، ففي عام 2025م صدرت 19.1 مليون كجم من المشروبات الغازية بقيمة 4,3 مليون ريال عُماني، تليها إيران بقرابة 3 ملايين كجم، ثم الأردن بـ 1,2 مليون كجم، والكويت بـ 1,1 مليون كجم من المشروبات الغازية.
إيران و ميزة السعر الأقل في السوق العماني
وفي خضم هذا الصراع على الحصص السوقية، تبرز إيران كطرف يمتلك إستراتيجية ”السعر الأقل“ دون منازع، فمن خلال تحليل تكلفة الكيلوجرام الواحد في عام 2025م نكتشف أن المنتج الإيراني يدخل السوق العماني بمتوسط سعر يبلغ 181 بيسة فقط للكيلوجرام، وهو رقم يجعله الأرخص على الإطلاق مقارنة بالمنتج الإماراتي الذي يبلغ سعره 229 بيسة، والمنتج السعودي الذي يبلغ 252 بيسة، ورغم الفارق السعري لصالح إيران، إلا أن استمرار نمو الطلب على المنتجات السعودية يشير إلى تفضيل المستهلك لبعض العلامات التجارية بعينها. وفي ذات السياق، سجلت دول أخرى تراجعاً ملحوظاً كالكويت 227 ألف ريال ولبنان 84 ألف ريال في عام 2025، مما يعكس تركز المنافسة بين الموردين الأقرب جغرافياً.
متى تكتمل دائرة الإنتاج؟
تؤكد الأرقام والتحليلات اللوجستية أن سوق المشروبات في عمان شهد تغيراً هيكلياً؛ وقد لعب التحول إعادة صياغة جذرية لبوصلة الاستيراد نحو خيارات إقليمية. ولكن، وأمام هذه الملايين التي تُنفق لاستيراد أكثر من 64 مليون كيلوجرام من المشروبات سنوياً، يبرز السؤال الملح: إلى متى سنظل نعتمد على ما وراء الحدود لتأمين احتياجاتنا الاستهلاكية؟
إن الوعي الذي أبداه المستهلك العماني وقدرته على تغيير خارطة السوق في وقت قياسي، يجب أن يقابلها حراك صناعي مواز. ففي ظل الاستثمارات الضخمة والبنية التحتية المتطورة التي تشهدها السلطنة، حان الوقت لترجمة هذا الوعي إلى إنتاج ”منتج عماني“ رائد ينافس في الجودة والسعر.
إن الفرصة اليوم مواتية أكثر من أي وقت مضى لتعزيز الصناعة الوطنية، لنتجاوز مرحلة البحث عن البديل إلى مرحلة قيادة القطاع، وتحويل عمان من سوق مستورد إلى مركز إنتاج يمتلك سيادته التصنيعية بامتياز.





