القوة القاهرة في زمن الحروب: كيف تعيد الأزمات الجيوسياسية تشكيل عقود الطاقة؟

القوة القاهرة في زمن الحروب: كيف تعيد الأزمات الجيوسياسية تشكيل عقود الطاقة؟
القوة القاهرة
أثير - ريما الشيخ
في ظل ما يشهده العالم من تقلبات جيوسياسية متسارعة أثرت بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية، برز مفهوم “القوة القاهرة” كأحد أهم الأدوات القانونية لحماية الأطراف في العقود الكبرى.
إذ شهد قطاع الطاقة في المنطقة إعلانات متتالية عن حالة القوة القاهرة في ظل التصعيد العسكري المصاحب للحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وما تبعها من أحداث، حيث أعلنت شركة قطر للطاقة تفعيل القوة القاهرة على إمدادات الغاز الطبيعي المسال بعد وقف الإنتاج إثر هجمات استهدفت منشآت الطاقة في رأس لفان ومسيعيد، كما أعلنت مؤسسة البترول الكويتية تفعيل الحالة ذاتها بسبب التهديدات الأمنية التي تعيق تصدير النفط عبر مضيق هرمز، وفي البحرين، أعلنت شركة بابكو إنرجيز القوة القاهرة على بعض عملياتها بعد استهداف إحدى وحدات مصفاة بابكو للتكرير.
هذا وأعلنت شركة أوكيو للتجارة في سلطنة عُمان القوة القاهرة على بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى شركة بتروبنغلا البنغلاديشية وفقًا لما أعلنته وكالة رويترز، نتيجة اضطرابات الإمدادات المرتبطة بإنتاج قطر للطاقة، ما أدى إلى تقليص الشحنات الموردة حاليًا إلى شحنة واحدة شهريًا. لاحقًا، نشرت أوكيو توضيحًا بأن هذا الإجراء ينحصر في عقد تجاري محدد لشركة “أوكيو للمتاجرة” والمتعلق بتوريد الغاز من إحدى الدول المتأثرة بالاضطرابات الحالية، إلى شركة “بتروبنغالا” في بنغلاديش.
ولمعرفة الإطار القانوني لمفهوم القوة القاهرة والآثار الناتجة عنه، حاورت “أثير” المحامي خليفة الرحبي، نائب رئيس مجلس إدارة جمعية المحامين العُمانية.
المفهوم القانوني للقوة القاهرة ونطاق تطبيقها
قال خليفة الرحبي بأن القوة القاهرة تُعرف في المفهوم القانوني بأنها حادث استثنائي غير متوقع، ولا يمكن دفعه أو تلافي آثاره بأي حال من الأحوال، وهو الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى جعل تنفيذ الالتزام التعاقدي مستحيلاً أو شديد التعذر على الطرف المدين، وفي إطار القانون العماني، وبالتوافق مع أغلب الأنظمة القانونية المقارنة، تُصنف القوة القاهرة كسبب أجنبي يعفي المدين من المسئولية القانونية تماماً، شريطة أن يثبت أن عدم تنفيذ الالتزام كان نتيجة مباشرة لهذا الحدث الخارج عن السيطرة.
وأضاف: يتم الاستناد إلى القوة القاهرة عادة في العقود عند وقوع أحداث تخرج تماماً عن إرادة الأطراف المتعاقدة، ومن أمثلة ذلك: الحروب والنزاعات المسلحة، إغلاق الموانئ أو الممرات البحرية الحيوية، العقوبات الاقتصادية الدولية، الكوارث الطبيعية الكبرى، بالإضافة إلى القرارات السيادية للدول التي تمنع تنفيذ العقد.
وفي قطاعات استراتيجية مثل قطاع الطاقة والشحن البحري، تدرج بنود القوة القاهرة صراحة وبشكل تفصيلي في العقود طويلة الأجل، مثل عقود توريد النفط والغاز وعقود النقل البحري واللوجستيات.
الشروط القانونية الواجب توفرها للاعتداد بالقوة القاهرة
حتى يعتد بالحدث قانونياً كقوة قاهرة ويترتب عليه آثاره في إعفاء الأطراف، يجب أن تتوفر فيه أربعة شروط أساسية لا غنى عنها:
-أن يكون الحدث خارجاً عن إرادة الطرفين: بمعنى أنه لا يمكن نسبة هذا الحدث إلى خطأ أو تقصير من أحد المتعاقدين، بل هو أمر مفروض عليهما من الخارج.
-عدم التوقع وقت التعاقد: يجب أن يكون الحدث مفاجئاً؛ فإذا كان الحدث متوقعاً أو مألوفاً في النشاط التجاري وقت إبرام العقد، فلا يجوز الاستناد إليه كقوة قاهرة.
-عدم القابلية للدفع أو التلافي: أي أنه لا يمكن تجنب آثار الحدث حتى لو بذل الطرف المعني عناية الشخص الحريص، فليس هناك وسيلة تقنية أو عملية لمنع وقوع الضرر.
-استحالة التنفيذ: يجب أن يجعل الحدث تنفيذ الالتزام مستحيلاً أو شديد الصعوبة، ولا يكفي هنا مجرد زيادة التكاليف المالية على الطرف المنفذ لاعتباره قوة قاهرة.
وعادة ما تتضمن عقود الطاقة والنقل الدولية قائمة مفصلة ومحددة بالأحداث التي يتفق الطرفان مسبقًا على اعتبارها قوة قاهرة، مثل إغلاق الممرات البحرية أو اندلاع الحروب.
إجراءات الإخطار الرسمي والفرق بينها وبين “الظروف الطارئة”
أوضح المحامي لـ “أثير” بأن الممارسات القانونية والتجارية الدولية تؤكد أن إعلان القوة القاهرة يتطلب إخطار الطرف الآخر رسمياً وبسرعة، ففي الغالب تشترط العقود التجارية الدولية إخطار الطرف الآخر فور وقوع الحدث مباشرة، ويكون ذلك عبر إشعار رسمي مكتوب يتم إرساله خلال مدة محددة بدقة في العقد، وتتراوح هذه المدة غالباً ما بين سبعة إلى ثلاثين يوماً.
ويهدف هذا الإخطار إلى تمكين الطرف الآخر من اتخاذ التدابير البديلة الممكنة للحد من خسائره وتقييم ما إذا كان العقد سيستمر أم سيتم تعليقه. كما يتم في بعض العقود الدولية إلزام الطرف المتضرر بتقديم أدلة ملموسة تثبت وقوع الحدث، مثل القرارات الحكومية الرسمية أو وثائق تثبت إغلاق الموانئ أو فرض عقوبات دولية.
ومن الضروري التفرقة بين” القوة القاهرة“ وبين مفهوم” الظروف الطارئة“، حيث إن الفرق بينهما جوهري في القانون، فالقوة القاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً وتؤدي عادة إلى إعفاء المدين من المسؤولية أو تعليق الالتزام بالكامل.
أما الظروف الطارئة، فهي لا تجعل التنفيذ مستحيلاً، لكنها تجعله مرهقاً ومكلفاً بصورة غير عادية للطرف المدين. وفي حالة الظروف الطارئة، يجوز للأطراف إعادة التفاوض أو تعديل الالتزامات لإعادة التوازن الاقتصادي للعقد، وهو مفهوم حيوي جداً في عقود الطاقة طويلة الأجل التي قد تتأثر بارتفاع الأسعار المفاجئ أو تغير الظروف الاقتصادية العالمية.
الآثار القانونية وتداعياتها على سلاسل الإمداد
أشار الرحبي خلال حديثه مع ”أثير“ بأنه يترتب على إعلان القوة القاهرة في العقود التجارية عدة آثار قانونية محورية، أهمها تعليق تنفيذ الالتزام التعاقدي بشكل مؤقت، والإعفاء من التعويضات الناتجة عن التأخير أو عدم التنفيذ، كما يمنح إعلان القوة القاهرة إمكانية إنهاء العقد كلياً إذا استمرت الحالة لفترة زمنية طويلة تتجاوز المتفق عليه. وفي عقود النفط والغاز والشحن، قد يؤدي ذلك إلى وقف عمليات التوريد، وإعادة توجيه الشحنات، وتعديل جداول التسليم المتفق عليها.
أما من الناحية الاقتصادية، فإن إعلان القوة القاهرة قد يؤدي إلى تعطل سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، وتأخير تسليم الشحنات الحيوية، مما يسبب اضطراباً في أسواق الطاقة؛ ولهذا السبب، فإن أي توتر جيوسياسي يقع في الممرات البحرية الاستراتيجية ينعكس بشكل مباشر وفوري على حركة التجارة الدولية.
حقوق الطرف المتضرر ودور الحروب كقوة قاهرة
أوضح المحامي خليفة الرحبي بأنه عند إعلان القوة القاهرة، لا يفقد الطرف الآخر في العقد حقوقه بالكامل، بل يملك خيارات قانونية متعددة، منها طلب إثبات واقعة القوة القاهرة بوضوح، وتعليق التزاماته المقابلة أيضاً، كما يحق له البحث عن مورد بديل وطلب إنهاء العقد إذا طال أمد التعطل، واللجوء للتحكيم أو القضاء إذا تبين أن الإعلان عن القوة القاهرة غير مبرر قانونياً أو تم استخدامه كذريعة للتهرب من الالتزامات.
وفيما يخص النزاعات، تعتبر الحروب أو الأزمات الجيوسياسية في كثير من الحالات من أبرز صور القوة القاهرة، خاصة إذا تسببت في إغلاق الموانئ، فرض عقوبات دولية، أو تعطيل الملاحة البحرية ومنع عمليات التصدير والاستيراد، ومع ذلك تظل القاعدة القانونية الصارمة هي أن مجرد وجود أزمة سياسية لا يكفي وحده لإعلان القوة القاهرة، بل يجب إثبات أن هذه الأزمة جعلت تنفيذ الالتزام مستحيلاً فعلياً من الناحية الواقعية، وهي مسائل غالباً ما تفصل فيها هيئات التحكيم التجاري الدولي.
وفي ختام حديثه مع ”أثير“ أكد المحامي خليفة الرحبي بأن القوة القاهرة أصبحت اليوم من أهم المفاهيم القانونية في العقود التجارية، خاصة في قطاعات الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد، نظراً لما يشهده العالم من توترات جيوسياسية، ومع تزايد المخاطر في الممرات البحرية وأسواق الطاقة، أصبحت صياغة بنود القوة القاهرة في العقود الدولية عنصرًا حاسمًا لحماية مصالح الأطراف وضمان استقرار واستمرارية التجارة الدولية.

شارك هذا الخبر