خارج أسوار المدرسة: هل أصبحت ”الدروس الخصوصية“ نظاما تعليميا موازيا؟

خارج أسوار المدرسة: هل أصبحت ”الدروس الخصوصية“ نظاما تعليميا موازيا؟
الصف المدرسي
رصد - أثير
بينما تمضي سلطنة عمان بخطى نحو تحقيق رؤية 2040، واضعة التعليم في قلب رهانات المستقبل، يبرز على السطح تساؤل يفرض نفسه على الميدان التربوي: لماذا يهاجر طلبة الدبلوم العام أسوار المدرسة بحثًا عن المعرفة في ردهات الدروس الخصوصية؟ وهل تحولت هذه الدروس من سند تعليمي إلى ضرورة حتمية تثقل كاهل الأسر وتتحدى كفاءة النظام المدرسي؟
استشعاراً لأهمية هذه القضية التي تمس كيان الأسرة والمدرسة على حد سواء، تستعرض ”أثير“ دراسة سوسيولوجية معمقة للباحث خالد البكري بعنوان: ”واقع الدروس الخصوصية في المجتمع العماني“. تهدف هذه القراءة إلى تفكيك دوافع إقبال طلبة الدبلوم العام على هذه الدروس، وتحليل آثارها الممتدة، مع تقديم مقترحات عملية تتسق مع ”رؤية عُمان 2040“.
من الكتاتيب إلى الاستراتيجية الوطنية 2040، بنية النظام التعليمي وتحديات الممارسة
تستهل الدراسة فصولها باستعراض تاريخي لتحولات التعليم في السلطنة منذ عام 1970م؛ حيث انتقلت المنظومة من النمط التقليدي في المساجد والكتاتيب إلى نظام مدرسي حديث ومنتظم تحت إشراف حكومي دقيق، يشمل مراحل التعليم قبل المدرسي، والتعليم الأساسي، وما بعد الأساسي، بالإضافة إلى التعليم الخاص المعتمد على معايير دولية.
وفي سياق التطوير، تسلط الدراسة الضوء على ”الأسس العامة للتعليم 2040“، التي تسعى لبناء قدرات مؤسسية ونقل المسؤوليات تدريجياً للمدارس لتعزيز استقلاليتها. ورغم وجود ”الاستراتيجية الوطنية للتعليم 2040“ كخارطة طريق للجودة والمواءمة مع سوق العمل، إلا أن الدراسة ترصد تحدياً بنيوياً؛ حيث لا يزال التدريس يميل أحياناً نحو التلقين والتركيز على اجتياز الاختبارات، مما خلق فجوة في امتلاك مهارات التحليل والابتكار لدى الطالب.
المنهجية العلمية والخصائص الديمغرافية للعينة
اعتمد الباحث في دراسته على المنهج الوصفي التحليلي لملاءمته لطبيعة الظاهرة وفحصها بدقة لاستخراج التعميمات، حيث شمل مجتمع الدراسة فئتين رئيسيتين في محافظة جنوب الباطنة؛ تمثلت الأولى في أولياء أمور طلبة الدبلوم العام في أكبر مدرستين من كل ولاية، والثانية في معلمي المواد الأربع الأكثر طلباً للدروس الخصوصية وهي الرياضيات، اللغة الإنجليزية، الكيمياء، والفيزياء، نظراً لكون هذه السنة مفصلية في تحديد المسار الأكاديمي والمهني للطالب.
وكشفت الخصائص الديمغرافية للعينة عن غلبة فئة الأمهات بين المبحوثين من أولياء الأمور بنسبة بلغت 59.6%، وتركزت أعمار أغلب العينة في الفئة من 41 إلى 50 عاماً بنسبة 58.7%، كما أن معظمهم يعملون في القطاع الحكومي ويحملون شهادة الدبلوم العام بنسبة 54.6% أو البكالوريوس بنسبة 19.3%. أما فيما يخص المعلمين، فقد أظهرت النتائج أن النسبة الأكبر منهم والتي تبلغ 41.9% يمتلكون خبرة تعليمية تتراوح بين 14 و21 عاماً، مما يؤكد أن المدارس تخصص كوادرها الخبيرة لتدريس هذه المرحلة. ولضمان دقة البيانات، أثبتت الاختبارات الإحصائية تمتع الاستبانة بمعامل ثبات عالٍ جدا، حيث سجل 0.893 لأولياء الأمور و0.933 للمعلمين، مما يمنح النتائج تمثيلاً واقعياً قوياً للظاهرة.
لماذا يطرق الطلبة أبواب المعلم الخصوصي؟
في تفكيكها للدوافع التي جعلت من الدروس الخصوصية ظاهرة متجذرة، كشفت نتائج الدراسة الميدانية أن ”رغبة الطالب في تحقيق معدل عالٍ“ احتلت المرتبة الأولى بمتوسط حسابي قدره 4.64 لدى أولياء الأمور و4.51 لدى المعلمين، مما يعكس وعيا أسريا بأن التفوق الدراسي هو البوابة الوحيدة للالتحاق بالجامعات المتميزة والتخصصات المطلوبة في سوق العمل. ومن منظور سوسيولوجي أعمق، أرجعت الدراسة انتشار الظاهرة إلى عوامل وصفتها بأنها ”طاردة في البيئة المدرسية“، حيث برزت زيادة الكثافة العددية للطلبة في القاعة الدراسية كعامل معيق يمنع المعلم من تقديم الاهتمام الفردي، بالإضافة إلى كثرة الدروس في المنهج الواحد وضيق الوقت المخصص للحصة الذي يجبر المعلم على السرعة في الشرح. وهنا يظهر المعلم الخصوصي كـ”بديل وظيفي“ يوفر تمارين مكثفة وشرحا مبسطا يركز على أسئلة الامتحانات النهائية، مما يمنح الطلبة شعوراً بالاطمئنان النفسي قبل دخول قاعات الاختبار.
”الاتكالية“ وتراجع الثقة، الآثار التربوية والسلوكية
تحلل الدراسة الانعكاسات التربوية لهذه الظاهرة واصفةً إياها بأنها سلاح ذو حدين؛ فهي تسهم من جهة في زيادة الجوانب المعرفية ومنح الطالب حرية في مناقشة الدروس نظراً لقلة عدد المجموعة، لكنها في المقابل تضعف مهارة التعلم الذاتي بشكل خطير، حيث يتحول الطالب تدريجياً إلى ”كائن اتكالي“ ينتظر المعلومة جاهزة، وهو ما يضعف مهارات التفكير العليا لديه. أما على الصعيد السلوكي والنفسي، فقد بينت النتائج أن الاعتماد المفرط يقلل من اهتمام الطالب بالحصة المدرسية الرسمية ويجعله غير مبالٍ بشرح معلم المدرسة، مما يؤدي إلى تراجع الاتجاه التفاعلي داخل الفصل. كما أن هذه الدروس، رغم تعزيزها للثقة وقت الاختبار، قد تسبب توتراً ناتجاً عن ضغط الوقت وتراكم الواجبات بين المدرسة والدروس الخصوصية، مما يقلص من أوقات الراحة والتواصل الاجتماعي الطبيعي مع العائلة والأقران.
التكلفة الباهظة، طبقية تعليمية وعبء اقتصادي
تبرز الدراسة التكلفة الاجتماعية والاقتصادية الباهظة، حيث أجمع المشاركون على أن هذه الدروس تمثل عبئاً مادياً كبيراً على الأسرة العمانية، خاصة مع تخصيص ميزانيات إضافية من الاستهلاك الشهري. ومن الناحية السوسيولوجية، تؤدي هذه الظاهرة إلى نوع من ”عدم تكافؤ الفرص التعليمية“، إذ يصبح التفوق والقبول الجامعي محصوراً في الفئات القادرة مادياً، بينما تُحرم الأسر ذات الدخل المحدود من هذه الميزات التنافسية. كما كشفت الدراسة عن أثر يتمثل في تراجع الثقة بالمدرسة كمؤسسة تعليمية، حيث يرسل إقبال أولياء الأمور على البدائل الخارجية رسالة ضمنية بضعف كفاءة التعليم الحكومي. وأظهرت التحليلات الإحصائية فروقاً ذات دلالة في اتجاهات أولياء الأمور تعزى لمتغير ”الدخل الشهري“، حيث تميل الأسر ذات الدخل الأعلى لتبني مواقف أكثر إيجابية تجاهها كاستثمار، في حين لم تظهر فروق دالة بناءً على المسار التعليمي (علمي أو أدبي).
الحلول الاستراتيجية، كيف نستعيد ”هيبة“ الفصل الدراسي؟
تختتم الدراسة بربط النتائج الميدانية بمقترحات عملية تهدف للحد من الظاهرة وتعزيز دور المدرسة الرسمي، وتتلخص في ضرورة قيام الإدارات المدرسية والمعلمين بتقديم ملخصات تعليمية وافية وتدريب الطلبة بانتظام على حل أسئلة الامتحانات السابقة داخل الحصة، مما يسحب البساط من تحت المعلم الخصوصي. كما شددت الدراسة على أهمية معالجة العوامل الطاردة بتقليل كثافة الطلبة في القاعة الواحدة، ومراجعة المناهج لتتناسب مع القدرات العقلية والزمن المخصص للحصة، مع تفعيل برامج تقوية مدرسية مجانية ومنظمة. وتؤكد النتائج أن الحل الجذري يكمن في تعزيز الاستقلالية المالية والإدارية للمدارس وتجويد الأداء الشامل، بحيث يشعر ولي الأمر والطالب بالاكتفاء المعرفي داخل أسوار المؤسسة الرسمية، مما يعيد للمدرسة هيبتها ويحقق العدالة التعليمية المنشودة. وتخلص الدراسة في ختامها إلى أن التعليم المستدام هو الذي يرفع مكانة الفرد بناءً على جدارته الشخصية، مما يضمن تحقيق أهداف ”رؤية عُمان 2040“ في بناء أجيال وطنية منتجة وذات كفاءة قادرة على المنافسة عالمياً.

شارك هذا الخبر