أثير- الركابي حسن يعقوب
خاضت أمريكا حربها ضد إيران لتصطاد فيلا لكنها في نهاية المطاف اصطادت فأرًا. والفيل الذي كانت أمريكا ترامب تريد اصطياده، هو التغيير الجذري للنظام الإيراني واستبداله بنظام آخر على النقيض منه، ويكون متوافقٍا مع المعايير الأمريكية مراعياٍ للمصالح الإسرائيلية وحارسٍا لها بالمنطقة، لكنها فشلت في ذلك كما هو معلوم.
وأما الفأر الذي اصطادته فهو “الاتفاق”، الذي هو في حقيقته أقرب إلى الصفقة منه لاتفاق بالمعنى الحقيقي. وهو يركز بصورة أكبر على معالجة “عَرَض” الأزمة الذي هو أصلاً تم التوصل إليه بضغط مباشر من آثاره وتداعياته المتمثلة في إغلاق مضيق هرمز وما ترتب عليه من نتائج سالبة على الاقتصاد العالمي.
وأكثر من ذلك، فإن هذا الاتفاق المقترح ومن خلال بنوده الـ 14 لن يكون على أية حال بأفضل من اتفاق 2016 الذي توصلت إليه إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مع إيران، والذي أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب لاحقاً التحلل منه في الثامن من مايو 2018 ، ووصفه ترامب بأنه الأسوأ والأكثر غباءً في التاريخ، مما سيدخل ادارة ترامب في حرج بالغ ليس فقط أمام خصومها الديمقراطيين ، وإنما أمام الرأي العام الأمريكي.
ووفقا لما ذكره موقع أكسيوس، فإنه من بين البنود الواردة في المقترح تعهد إيران بوقف مؤقت لتخصيب اليورانيوم لمدة 20 عامًا بحسب طلب أمريكا ، بينما تقترح إيران أن تكون 5 أعوام ، وترجّح مصادر أكسيوس أن يتم التوافق على فترة ما بين 12 إلى 15 عاما.
بالمقابل ترفع أمريكا عقوباتها على إيران وتفك تجميد أرصدتها المالية التي تقدر بمليارات الدولارات.
وبناءً على ذلك يرفع الجانبان القيود المفروضة على المرور عبر مضيق هرمز، ويتم إعلان نهاية الحرب في المنطقة والدخول في المفاوضات في فترة 30 يومًا بغرض الوصول لاتفاق تفصيلي لفتح المضيق والحد من البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات الأمريكية على أن ترفع القيود الإيرانية على الملاحة عبر المضيق، والحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية خلال فترة الـ 30 يوما.
وينص مقترح الاتفاق في ذيله، على قدرة القوات الأمريكية على إعادة فرض حصارها على الموانئ الإيرانية واستئناف العمليات العسكرية في حال انهيار المفاوضات.
ومن المدهش أنه كان من الممكن التوصل إلى اتفاق أفضل من هذا وأقل تعقيدا فيما لو تحلى الجانب الأمريكي بالصبر في جولة جنيف التي رعتها سلطنة عُمان وعدم لجوئه لقلب الطاولة ومهاجمة إيران، وما ترتب على هذا المسلك الأمريكي من تداعيات شملت آثارها السالبة كل الإقليم وامتدت لتشمل بقية دول العالم بسبب توقف حركة النقل التجاري وتدفقات النفط مما نتج عنه أزمة طاقة عالمية ليس من السهل معالجتها في وقت وجيز.
وفي الحقيقة، إدارة ترامب وجدت نفسها محاصرة وتحت ضغط عنصر الوقت بما لا يمكنها من تحمل كلفة الاستمرار في الحصار فانتخابات التجديد النصفي للكونغرس تقترب وكذلك زيارة ترامب للصين أصبحت وشيكة، وهو يريد أن تتم الزيارة وقد طوى ملف الحرب مع إيران ليكون في وضع تفاوضي أفضل مع الصين، وحتى لا تستخدم الصين قضية الحرب والحصار وإغلاق المضيق ورقة ضغط على أمريكا .
لذلك، تريد إدارة ترامب القول بأنها قد حققت أهدافها من الحرب وحرمان إيران من أي دعم سياسي أو عسكري صيني محتمل، هذا فضلا عن محاولة إبعاد شبح الفيتو الصيني في مشروع القرار الذي تتبناه واشنطن والذي يدعو لتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على إغلاق إيران لمضيق هرمز .
إن الدرس المستفاد من هذه الحرب بالنسبة لدول المنطقة وخاصة دول الخليج، هو أن تحقيق الأمن والاستقرار في هذه الرقعة الحيوية والمهمة من العالم يتطلب تضافر الجهود وتكامل الأدوار وأن حماية أمن المنطقة يقوم على عاتق دوله بصفة أساسية، من خلال المزاوجة بين القوة الخشنة، والقوة الناعمة، فالأولى لا غنى عنها أبدا في عالم أصبح يؤمن بالقوة المادية، في ظل تزايد أطماع كثير من القوى الإقليمية والدولية في خيرات وموارد ومقدرات دول المنطقة، مما يستوجب بناء منظومة دفاعية فعالة وحديثة، والقوة الناعمة هي الأخرى ضرورية وتتكامل مع القوة الخشنة، فبناء علاقات على أسس الاحترام وحُسن الجوار وتبادل المصالح والمنافع وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، واعتماد الوسائل الدبلوماسية في حل النزاعات وادارة الخلافات بالحكمة والرغبة في التعايش مع الآخر رغم الاختلافات كل أولئك مما يحفظ لدول المنطقة أمنها واستقرارها ويمكنها من الاضطلاع بدورها الاقتصادي الحيوي تجاه العالم ويحفظ لها ولشعوبها مستوى رفيع من الرفاهية ويجعلها أكثر قدرة على العطاء.




