هرمز: قراءة الحدث، أم العقل الذي يديره؟

هرمز: قراءة الحدث، أم العقل الذي يديره؟
هرمز: قراءة الحدث، أم العقل الذي يديره؟
أثير - د. بسّام أبو عبد الله
لم يكن إغلاق إيران لمضيق هرمز، وما تبعه من رد أمريكي عبر حصار الموانئ الإيرانية، مجرد تطور عسكري أو أزمة إقليمية عابرة، بل لحظة كاشفة لطبيعة التحول العميق في التفكير الإستراتيجي الأمريكي، كما تعكسه وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 في عهد إدارة دونالد ترامب، فهذه الوثيقة لا تكتفي بتحديد التهديدات، بل تعيد تعريف مفهوم الأمن القومي ذاته، وتنقل الولايات المتحدة من منطق “إدارة الاستقرار” إلى “إدارة الصراع” ضمن منافسة مفتوحة بين القوى الكبرى.
تقوم هذه الإستراتيجية الأمريكية الجديدة على فكرة مركزية تقول: أن العالم لم يعد نظامًا يمكن ضبطه، بل ساحة تنافس دائم، وبالتالي لم تعد واشنطن ترى الأزمات -كأزمة هرمز- تهديدًا يجب احتواؤه فقط، بل فرصة لإعادة تشكيل التوازنات، فإغلاق المضيق هنا لا يُقرأ كمشكلة نفطية، بل كجزء من صراع أوسع على النفوذ، الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية مع الصين، وروسيا، ولنحاول هنا أن نرى الصورة بشكل أوسع قليلا “بعيدا” عن الاستقطابات الايديولوجية في منطقتنا.
تمثل إيران نقطة ارتكاز حيوية ضمن مشروع مبادرة الحزام والطريق، وذلك لعدة أسباب: فهي عقدة ربط برّية-بحرية، لأنها تقع في موقع يربط شرق آسيا (الصين) وآسيا الوسطى، الشرق الأوسط، وأوروبا، ما يجعلها ممرًا أساسيًا لتقليل الاعتماد على الطرق البحرية الخاضعة للنفوذ الأمريكي، وإذا أضفنا لذلك أن الصين أكبر مستورد للطاقة في العالم، وإيران مصدر مهم للنفط والغاز، وشريك يمكن التعامل معه خارج المنظومة الغربية كجزء من إستراتيجية بكين لتأمين الطاقة بعيدًا عن الضغوط الأمريكية، نرى من كل ذلك أن إيران تشكل حلقة مهمة لكسر “طوق الاحتواء” الذي تعمل عليه واشنطن من خلال السيطرة البحرية في المحيطين الهندي والهادئ، الأمر الذي يجعل الصورة أوضح لنا، ويفسر لماذا وقعت بكين اتفاقية إستراتيجية مع إيران لمدة ٢٥ عاما" تشمل استثمارات في البنية التحتية، وتعاون في مجال الطاقة، مع حضور اقتصادي طويل الأمد.
أما بالنسبة إلى روسيا، فأهمية إيران تختلف قليلًا، لكنها لا تقل إستراتيجية فهي ممر نحو المياه الدافئة أي الخليج العربي وصولا" للمحيط الهندي، وهو ما تحلم به روسيا تاريخيًا أي الوصول إلى البحار المفتوحة، كما أن إيران عنصر أساسي في الممر الدولي للنقل شمال –جنوب، الذي يربط: روسيا وبحر قزوين وإيران والهند.
هذا الممر يقلل المدة الزمنية للنقل إلى ١٥- ٢٠ يوما“، بينما الشحن عبر قناة السويس يحتاج ما بين ٣٠ - ٤٥ يوما“، ما يعني تخفيضا" للزمن والتكاليف، وتقليلا" للاعتماد على الممرات الخاضعة للرقابة الغربية، وهو ما يقدم لروسيا خيارا" فيه مرونة أكبر في التجارة، والتبادل مع آسيا والشرق الأوسط، وعلاوة على كل ذلك تشترك إيران وروسيا في قضايا مشتركة مثل رفض الهيمنة الأمريكية والتعرض للعقوبات، والتنسيق في الملفات الإقليمية، والتنسيق بشأن الأسعار وتوجيه أسواق الطاقة (النفط والغاز ) ومواجهة الضغوط الغربية، والتعاون العسكري.
إن النظرة السابقة تكشف لنا أن إيران نقطة تقاطع، والتقاء بين المشروعين الصيني والروسي ما يخلق:
نوعاً من التكامل (وليس التنافس) بين بكين وموسكو داخل إيران ، وهي ليست مجرد حليف، بل: عقدة جغرافية تربط آسيا بأوروبا، وبوابة طاقة أساسية، وأداة توازن في مواجهة الغرب ، كجزء من بنية نظام دولي بديل قيد التشكل، ولهذا، فإن أي تصعيد في الخليج -مثل إغلاق مضيق هرمز- لا يمكن فهمه دون إدراك أن:
إيران تقف في قلب مشروعين عالميين، لا على هامش صراع إقليمي.
في وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الامريكي، تُصنّف الصين كـ“خصم حضاري” وتهديد وجودي طويل الأمد، ومن هذا المنظور، فإن إغلاق هرمز يضرب مباشرة أحد أهم نقاط ضعف بكين: اعتمادها الكبير على الطاقة القادمة من الخليج، لكن الأهم أن واشنطن ترى في هذه الأزمة فرصة لـ: استنزاف الصين خارج محيطها الجغرافي، واختبار قدرتها على حماية مصالحها العالمية، وتعطيل مشروعها الإستراتيجي (الحزام والطريق)، أي أن الأزمة تتحول هنا إلى أداة ضمن منافسة عالمية شاملة، لا مجرد نزاع إقليمي، فالمواجهة مع إيران لم تعد هدفًا بحد ذاته، بل جزءًا من إدارة التوازنات في مواجهة الصين وروسيا، مع فارق مهم أن الإستراتيجية الأمريكية تنظر إلى روسيا كقوة تعطيلية، عسكرية–طاقوية، لكنها ليست منافسًا حضاريًا شاملًا كالصين.
وسط هذا المشهد المعقّد، تبرز عمان كنموذج مختلف.
فالسياسة الخارجية العمانية، القائمة على التوازن والحياد والوساطة، تكتسب أهمية مضاعفة في ظل: التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، وتعقيد التنافس الدولي والحاجة إلى قنوات تواصل موثوقة، وهو ما برز في مفاوضات جنيف التي قادها وزير الخارجية العماني وأفشلها نتنياهو الذي أقنع ترامب بخطته لاسقاط النظام وهو ما ظهر لاحقا “أنه مجرد مشروع وهمي فرض تداعيات خطيرة على العالم أجمع”.
تكشف أزمة مضيق هرمز، في ضوء الإستراتيجية الأمريكية الجديدة، عن ملامح نظام دولي قيد التشكل:
صراع بين قوى كبرى لا أزمات معزولة، مع تراجع الالتزامات الثابتة، وتصاعد دور الاقتصاد والطاقة والمعلومات كساحات صراع، وتحالفات مرنة تحكمها المصالح لا القيم، وفي هذا العالم، لم يعد السؤال: من يملك القوة فقط؟ بل: من يستطيع إدارة موقعه داخل شبكة معقدة من الصراعات دون أن يتحول إلى ساحة لها.
ما يجري حتى الآن هو تعبير عملي عن عقيدة إستراتيجية أمريكية جديدة للأمن القومي ترى العالم كساحة تنافس دائم، وتعيد تعريف الأمن القومي ليشمل الطاقة، والممرات البحرية، والهوية، والتكنولوجيا.
ومن هنا، فإن فهم هذه اللحظة لا يمر فقط عبر متابعة الحدث، بل عبر قراءة العقل الذي يديره.

شارك هذا الخبر