ميناء صلالة يكشف عن أرباح تاريخية: النسبة تجاوزت 200٪ مع إستراتيجيات مرنة لمواجهة أزمات الملاحة

ميناء صلالة يكشف عن أرباح تاريخية: النسبة تجاوزت 200٪ مع إستراتيجيات مرنة لمواجهة أزمات الملاحة
مصدر الصورة: وكالة الأنباء العمانية
خاص-أثير
تابعت “أثير” اليوم الاجتماع المرئي الذي عقدته إدارة شركة صلالة لخدمات الموانئ (ميناء صلالة) لمناقشة البيانات المالية السنوية المنتهية في ديسمبر 2025م، واستعرض اللقاء، الذي شارك فيه محمد المعشني، الرئيس التنفيذي لشؤون الشركة، وبارت فانديجراف، المدير المالي، التحولات الكبرى التي شهدها الميناء العام الماضي وكيفية تعامله مع التحديات الجيوسياسية الراهنة في منطقة البحر الأحمر.
أداء مالي تاريخي وكفاءة في إدارة التكاليف
أوضحت الإدارة المالية أن عام 2025م مثّل نقطة تحول في السجل المالي للميناء؛ فقد سجلت الشركة صافي أرباح بلغ 7.3 مليون ريال عماني، مقارنة بـ 2.2 مليون ريال في عام 2024م، وهو ما يمثل نمواً هائلاً بنسبة 223%.
وكشفت البيانات أن الإيرادات الإجمالية قفزت بنسبة 28% لتصل إلى قرابة 90 مليون ريال عماني (تحديدا 89.3 مليون ريال). وبالتعمق في هيكل هذه الأرباح، يظهر أن الميناء نجح في معادلة صعبة؛ حيث ارتفعت التكاليف التشغيلية بنسبة 20% نتيجة التوسعات، لكنها ظلت تحت السيطرة بفضل كفاءة المكاتب الخلفية.
وفي ردٍ خاص لـ “أثير” حول تفاصيل القفزة الربحية التي حققتها الشركة، أوضحت الإدارة أن الانضباط المالي كان العامل الحاسم؛ وأن هذا الأداء التاريخي جاء نتيجة إستراتيجية دقيقة لموازنة التكاليف؛ فبينما نمت الإيرادات بقوة، لتصل إلى قرابة 90 مليون ريال عماني، تمكنت الإدارة من كبح جماح المصاريف الإدارية والعمومية (SG&A) لتقتصر زيادتها على 6% فقط، وهذا الفارق الشاسع بين نمو الإيرادات ونمو المصاريف يعكس قدرة الإدارة على إدارة العمليات الضخمة دون الانجراف وراء التضخم الإداري؛ ما عزز من هوامش الربحية (EBITDA) لتصل إلى31%، ومكن هذا التوازن المالي الميناء من امتصاص تكاليف التوسعات التشغيلية والديون الناتجة عن تحديث المعدات، وتحويل الزيادة في حجم العمليات مباشرة إلى أرباح صافية عززت من الموقف المالي للشركة.
الطفرة التشغيلية، صلالة كمركز قوة إقليمي
شهد عام 2025م دخول ترقيات محطة الحاويات (Terminal Upgrade) حيز التنفيذ الفعلي في الربع الأول، وهو ما أحدث نقلة نوعية في قدرات المناولة، ففي قطاع الحاويات، سجل الميناء زيادة بنسبة 31% في حجم الحاويات المناولة، لتصل إلى قرابة 4.3 مليون حاوية نمطية (TEU)، بزيادة قدرها مليون حاوية عن العام السابق، وفي البضائع العامة، حقق هذا القطاع نموًا بنسبة 17%، بإجمالي مناولة بلغت 26.4 مليون طن.
وأكد محمد المعشني بأن الميناء ما يزال الموظف الأكبر في محافظة ظفار بأكثر من 2500 موظف، مع خطط طموحة لتحويل الكوادر الوطنية إلى خبراء دوليين في القطاع اللوجستي.
التعامل مع الأزمات الجيوسياسية ومتغيرات البحر الأحمر
أوضح المدير المالي أن بداية عام 2026م كانت قوية جداً، لكن مع بدء أزمة الملاحة في مارس، واجه الميناء تحديًا لوجستيًا، وبما أن ميناء صلالة يعتمد بشكل كبير على المسافنة (Transshipment)، فإن توقف السفن عن إكمال مساراتها نحو البحر الأحمر أو الخليج العربي أدى إلى تكدس الحاويات في ساحات الميناء؛ ما أوجد ما يسمى بـ “عنق الزجاجة”.
وأكدت الإدارة أن الميناء يواصل أداء عملياته التشغيلية بكامل طاقته، مع استمرار حركة المناولة والخدمات اللوجستية بكفاءة وانسيابية، بما يعكس جاهزية الميناء العالية ودوره الحيوي في دعم حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
ويجري العمل حاليًا على إعادة هندسة مسارات الشحن العالمية لضمان تدفق الحاويات عبر مسارات بديلة، سواء عبر سفن التغذية الصغيرة للموانئ المجاورة أو عبر الشحن البري، حيث يتم التباحث مع كبار الشركاء مثل ميرسك (Maersk) وهاباج لويد (Hapag-Lloyd) لتحويل صلالة إلى نقطة انطلاق لشحنات البوابات (Gateway) عبر الشحن البري نحو دبي والسعودية، أو عبر سفن تغذية أصغر (Feeders) تصل إلى الموانئ الإقليمية.
وتتوقع الإدارة ظهور نتائج ملموسة لهذا التحول بدءا من شهر أبريل وما بعده.
استشراف المستقبل، تمديد الامتياز والاستثمار الرأسمالي
في تساؤل حول غياب توزيعات الأرباح الضخمة رغم النتائج القياسية، كشفت الإدارة عن إستراتيجية بعيدة المدى تتعلق بعقد الامتياز الذي ينتهي في عام 2028م. وفي مجال الاستثمار في المعدات، أوضحت الإدارة أنها لجأت لعقود “تأجير” للمعدات الجديدة (بقيمة تصل لـ 200 مليون دولار) لتجنب المخاطر قبل تجديد الامتياز، وبمجرد التوصل لاتفاق مع الحكومة لتمديد الامتياز (لمدة تتراوح عادة بين 20 إلى 30 سنة)، سيتجه الميناء لشراء هذه المعدات؛ ما سيعزز الميزانية العمومية ويفتح الباب لتوزيعات أرباح مستدامة. أما في السيادة التقنية، كشفت الشركة عن خطط لإدخال رافعات عملاقة بديلة للأصغر حجمًا، واستخدام “السيور الناقلة” (Conveyor Belts) في قطاع البضائع العامة لرفع الكفاءة وتقليل الاعتماد على الرافعات المتحركة. بالإضافة إلى رافعات عملاقة للتعامل مع أضخم السفن في العالم، مع الحفاظ على سعة تشغيلية تصل إلى 6.5 مليون حاوية نمطية، ما يضع صلالة في مصاف الموانئ الذكية عالميًا.
واختتم الاجتماع بالتأكيد على أن المركز المالي المتين للميناء، والمدعوم بنسبة سيولة تبلغ 1.83، يضعه في موقف قوي لمواصلة النمو وتحقيق قيمة مضافة للمساهمين والاقتصاد الوطني، رغم حالة عدم اليقين التي تفرضها الأزمات الإقليمية.
وتؤكد المعطيات التي رصدتها “أثير” أن ميناء صلالة أصبح نظامًا بيئيًا متكاملًا يربط المنطقة الحرة بالمطار بالبحر، ويعد النجاح في تحقيق أرباح تاريخية بنسبة 223% في ظل ظروف عالمية مضطربة شهادة على قوة الرؤية الإدارية العمانية.
ويثبت التحول الذي يشهده الميناء اليوم، من التركيز على المسافنة التقليدية إلى ابتكار حلول البوابات والربط البري أن سلطنة عمان تمتلك المفاتيح اللوجستية التي تجعلها حلقة وصل لا غنى عنها في التجارة الدولية، وهو ما ينسجم تمامًا مع مستهدفات النمو الاقتصادي الرقمي واللوجستي التي تسعى السلطنة إلى تحقيقها.

شارك هذا الخبر