تحولات هيكلية شهدها سوق المركبات وقطع الغيار: فكيف نجحت الجهود في تحسّن أو استقرار مستويات أسعارها؟

تحولات هيكلية شهدها سوق المركبات وقطع الغيار: فكيف نجحت الجهود في تحسّن أو استقرار مستويات أسعارها؟
سوق المركبات
خاص – أثير
يشهد سوق المركبات وقطع الغيار في سلطنة عُمان مرحلة متقدمة من إعادة التنظيم الهيكلي، ضمن مقاربة حكومية شاملة استهدفت معالجة التشوهات السعرية، وتعزيز كفاءة السوق، وتقليص الفجوات مع أسواق دول الخليج العربي عبر تدخلات تنظيمية واقتصادية متدرجة ركزت على جذور الاختلالات.
وتأتي التحولات في إطار نهج مؤسسي تقوده وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، انطلق من تحليل لبنية سوق المركبات وديناميكياته، شمل مقارنة مستويات الأسعار بين سلطنة عُمان وعدد من دول مجلس التعاون، ودراسة العوامل المؤثرة في التسعير، وفي مقدمتها هيكل الوكالات التجارية، وسلاسل التوريد، وكلفة الشحن، والاعتبارات التنظيمية والاقتصادية المرتبطة بتوزيع القوة التنافسية داخل السوق.
وأسهمت هذه المقاربة في تنفيذ الغالبية العظمى من التدخلات المستهدفة، حيث جرى استكمال 15 توصية من أصل 17، بنسبة إنجاز قاربت 88 بالمائة، مع بقاء عدد محدود من التوصيات في إطار المتابعة، دون تسجيل أي توصيات متعثرة أو غير قابلة للتنفيذ، مما يعكس كفاءة التنسيق وسرعة الاستجابة المؤسسية.
حول هذا الجانب، أكد أحمد بن سالم الراسبي، مدير عام مركز حماية المنافسة ومنع الاحتكار في وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار لـ “أثير” بأن المرحلة المقبلة ستركّز على ترسيخ ما تحقق من إصلاحات، من خلال تعزيز أدوات الرصد والتحليل الاستباقي لتحركات السوق، بما يمكّن من التدخل المبكر لمعالجة أي ممارسات قد تؤثر على توازن المنافسة.
وأشار إلى أن الوزارة تعمل على تطوير منظومة رقمية متكاملة لمتابعة الأسعار وسلوكيات السوق، تتيح تحليل البيانات بصورة لحظية، بما يعزز كفاءة اتخاذ القرار، ويرفع مستوى الشفافية، ويُمكّن المستهلك من الاطلاع على معلومات أكثر دقة حول الأسعار والخدمات.
وأوضح الراسبي أن أحد المرتكزات الأساسية في المرحلة القادمة يتمثل في تعزيز الوعي التنافسي لدى المؤسسات التجارية، من خلال برامج توعوية وإرشادية تستهدف رفع الامتثال للقوانين والتشريعات ذات الصلة، وترسيخ ممارسات السوق العادلة، بما يحد من المخالفات قبل وقوعها.
وأضاف: أن الوزارة ماضية في مراجعة وتحديث الأطر التنظيمية بصورة دورية، بما يواكب تطورات السوق والمتغيرات الاقتصادية، ويضمن الحفاظ على بيئة استثمارية جاذبة قائمة على التنافسية والكفاءة.
ولفت إلى أن التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص سيظل عنصرًا محوريًا في استدامة هذه الجهود، مؤكدًا أهمية الشراكة في تحقيق التوازن بين حماية المستهلك وتعزيز نمو القطاع، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويعزز مكانة سلطنة عُمان كمركز إقليمي تنافسي في قطاع المركبات والخدمات المرتبطة به.
وفي الجانب القانوني، شكّل تنظيم منظومة الوكالات التجارية أحد أبرز مسارات الإصلاح، من خلال توسيع الصلاحيات التنظيمية، وتفعيل النصوص القانونية ذات الصلة بالحد من الهيمنة والممارسات الاحتكارية، وتنظيم منح الوكالات وفق ضوابط واضحة تراعي مبادئ المنافسة العادلة وحرية السوق، وأسهم ذلك في إعادة التوازن للعلاقات التعاقدية داخل السوق، والحد من أي ممارسات قد تؤدي إلى تضييق الخيارات أو فرض أسعار غير مبررة على المستهلك.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد ركّزت الجهود على معالجة عناصر التكلفة، لا سيما المرتبطة بالشحن والاستيراد، عبر تنشيط دور الموانئ العُمانية وتعزيز الشراكات مع شركات الشحن العالمية، بما رفع كفاءة سلاسل التوريد، وعزّز موقع سلطنة عُمان كمركز لوجستي داعم لتنافسية الأسواق، وأسهم ذلك في تقليص الفجوة السعرية مقارنة ببعض أسواق المنطقة، وتحسين مرونة الإمداد.
كما جرى دعم تنويع المعروض في السوق عبر تشجيع دخول علامات تجارية جديدة، إلى جانب تعزيز حضور المركبات الكهربائية من خلال اعتماد مواصفاتها وتوفير تسهيلات تنظيمية وتشغيلية، بما ينسجم مع مستهدفات الاستدامة البيئية والتحول في أنماط الاستهلاك، ويوفر خيارات أوسع أمام المستهلكين ويعيد توزيع القوة التنافسية داخل السوق.
وعلى صعيد التمويل، اتسمت المعالجات بطابع انتقائي متوازن، ركّز على دعم الأنشطة ذات القيمة المضافة، خصوصا في مجالات خدمات الصيانة والأنشطة المرتبطة بالقطاع، إلى جانب توجيه جزء من المحافظ الائتمانية لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، في إطار تنظيم مصرفي يخصص ما نسبته 5 بالمائة من إجمالي محافظ الإقراض لهذا الغرض، بما يحفّز الدخول الاستثماري دون الإخلال باستقرار النظام المالي.
وفي جانب حماية المستهلك، تكاملت السياسات التنظيمية مع الأدوار الرقابية، من خلال تكثيف متابعة الأسواق، وإجراء مقارنات دورية للأسعار، وتحليل عوامل التكلفة وهوامش الربح، بما يعزّز شفافية السوق، ويحد من الممارسات التي قد تخلّ بتوازن العرض والطلب أو تؤدي إلى تضخيم الأسعار.
وقد أدت هذه المعالجات المتكاملة إلى تحسن أو استقرار في مستويات أسعار المركبات وقطع الغيار في سلطنة عُمان، سواء من حيث المتوسطات السعرية أو مؤشرات التباين مقارنة ببعض دول الخليج العربي، في انعكاس مباشر للأثر التراكمي للإصلاحات التنظيمية والاقتصادية، وتكامل الأدوار بين الجهات الحكومية وغير الحكومية ذات العلاقة، التي بلغ عددها 9 جهات عملت ضمن مسار تنسيقي واحد.
وتم رصد عدد من المؤسسات التجارية التي رفعت بعض أسعار المركبات أو قطع الغيار وتم اتخاذ الإجراءات الرادعة القانونية بحقها، وتشير المؤشرات إلى أن سوق المركبات في السلطنة بات يُدار كمنظومة اقتصادية متكاملة، تتقاطع فيها السياسات التجارية والتشريعية واللوجستية والتمويلية، بما يعزز جاذبية القطاع للاستثمار، ويرفع جودة الخدمات، ويحسّن كفاءة التسعير، في انسجام مع مستهدفات التنويع الاقتصادي ورؤية عُمان 2040، وبما ينعكس إيجابًا على جودة حياة المستهلك واستدامة السوق على المدى المتوسط والبعيد.

شارك هذا الخبر