خاص - أثير
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، يعود الحديث مجددًا عن أحد أخطر السيناريوهات التي قد تهز الاقتصاد العالمي: إغلاق المضايق البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، وذلك في أعقاب القيود المتزايدة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وبين هذين الممرين، تمر نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، ما يجعل أي تعطّل فيهما تهديدًا مباشرًا لاستقرار الأسواق الدولية.
باب المندب.. بوابة البحر الأحمر
يقع مضيق باب المندب بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ويُعد نقطة وصل حيوية بين البحر الأحمر وخليج عدن، وبالتالي بين أوروبا وآسيا عبر قناة السويس، ويعتبر أحد أهم شرايين التجارة العالمية، حيث تمر من خلاله كميات ضخمة من النفط والغاز والسلع، حيث تشير تقديرات صادرة عن U.S. Energy Information Administration، فإن نحو 6 إلى 6.5 ملايين برميل نفط يوميًا تمر عبر باب المندب، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، كما يمثل هذا الرقم ما يقارب 10% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، وهو ما يعكس حساسية هذا الممر لأي اضطرابات أمنية أو عسكرية.
أهمية مضيق هرمز.. الشريان الأكبر
في المقابل، يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات النفطية في العالم، حيث تمر عبره نحو 20 إلى 21 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب ثلث تجارة النفط البحرية عالميًا، حيث يشكّل المنفذ الرئيسي لصادرات النفط من دول الخليج، بما في ذلك السعودية والعراق والإمارات والكويت.
هذا التداخل بين المضيقين يجعل من أي تصعيد في أحدهما عامل ضغط مباشر على الآخر، حيث قد تضطر السفن إلى تغيير مساراتها، ما يضاعف من تكاليف النقل ويزيد من المخاطر.
الغاز أيضًا.. بُعد لا يقل أهمية
ولا يقتصر الدور الحيوي للممرات البحرية على النفط فقط، بل يمتد إلى الغاز الطبيعي، الذي أصبح عنصرًا أساسيًا في مزيج الطاقة العالمي، خصوصًا في أوروبا وآسيا، حيث يمر جزء من شحنات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق باب المندب ضمن مسارها من الخليج إلى الأسواق الأوروبية عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ما يمنح هذا الممر أهمية إضافية تتجاوز كونه طريقًا لتجارة النفط فقط.
غير أن هذه التدفقات تظل محدودة مقارنة بـ مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الرئيسي عالميًا لصادرات الغاز المسال، حيث تتركز فيه النسبة الأكبر من الشحنات القادمة من الدول المنتجة في الخليج، وفي مقدمتها قطر، وبحسب بيانات International Gas Union وتقارير BP، فإن نحو ربع تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا تمر عبر مضيق هرمز.
وفي ظل التراجع والقيود التي تشهدها حركة الملاحة في مضيق هرمز، تبرز أهمية باب المندب بشكل أكبر، ليس كممر رئيسي للغاز، بل كجزء حساس من سلسلة الإمداد قد يؤدي أي اضطراب فيه إلى مضاعفة الضغوط على أسواق الطاقة، وارتفاع الأسعار، خاصة في ظل محدودية البدائل وسرعة تأثر الإمدادات بالاضطرابات الجيوسياسية.
وفي حال تعطل هذا الممر، قد تواجه الأسواق، خصوصًا الأوروبية، نقصًا في الإمدادات وارتفاعًا في الأسعار، في ظل محدودية البدائل السريعة، ما يعزز من تأثير أي أزمة في المضايق البحرية على أمن الطاقة العالمي بمفهومه الشامل، وليس النفطي فقط.
ماذا يحدث إذا أغلق باب المندب؟
إغلاق باب المندب لا يعني فقط تعطل حركة السفن في البحر الأحمر، بل يمتد تأثيره إلى سلاسل الإمداد العالمية بأكملها، في هذا السيناريو، ستضطر ناقلات النفط القادمة من الخليج والمتجهة إلى أوروبا إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، ما يزيد من زمن الرحلة بنحو 10 إلى 15 يومًا، ويرفع تكاليف الشحن بشكل كبير.
كما أن هذا التحوّل سيؤدي إلى تقليص الإمدادات المتاحة في الأسواق الأوروبية، وبالتالي دفع الأسعار نحو الارتفاع، حيث تشير تحليلات مؤسسات مثل International Energy Agency إلى أن أي اضطراب في الممرات البحرية الحساسة قد يؤدي إلى قفزات حادة في أسعار النفط خلال فترة قصيرة، كما أن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في تزامن إغلاق باب المندب مع اضطرابات أو إغلاق في مضيق هرمز، ففي هذه الحالة، لن تكون المشكلة مجرد تغيير مسارات الشحن، بل فقدان جزء كبير من الإمدادات العالمية.
تداعيات أوسع على الاقتصاد العالمي
لن تقتصر آثار هذا السيناريو على أسعار النفط فقط، إذ تشير تحليلات صادرة عن مؤسسات مالية عالمية مثل JPMorgan Chase وGoldman Sachs إلى أن الأسعار قد تقفز إلى مستويات تقارب 200 دولار للبرميل في السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا، بل ستمتد التداعيات إلى الاقتصاد العالمي ككل، فارتفاع أسعار الطاقة سينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل، ما يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم عالميًا، خاصة في الدول المستوردة للطاقة.
كما ستتأثر حركة التجارة عبر قناة السويس، التي تعتمد بشكل رئيسي على مرور السفن عبر باب المندب، ما قد يؤدي إلى تراجع إيرادات القناة، وتعطّل سلاسل التوريد، خصوصًا في قطاعات مثل الغذاء والتصنيع.
بين الجغرافيا والسياسة
تكمن خطورة باب المندب وهرمز في أنهما ليسا مجرد ممرات مائية، بل نقاط تقاطع بين الجغرافيا والسياسة، فالتوترات الإقليمية، سواء في اليمن أو الخليج، تنعكس مباشرة على أمن هذه المضايق، ما يجعلها في قلب معادلة الاستقرار العالمي.
وفي ظل استمرار الأزمات وتزايد القيود على حركة الملاحة في مضيق هرمز، يبقى العالم أمام اختبار حقيقي لقدرة أسواق الطاقة على الصمود، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان مضيق باب المندب قد يصبح بدوره نقطة اختناق جديدة في حال تفاقم التوترات، وهل تستطيع الأسواق امتصاص صدمة محتملة في هذين الشريانين الحيويين، أم أن العالم يقف بالفعل على أعتاب أزمة طاقة قد تعيد رسم ملامح الاقتصاد الدولي.
المصادر:
إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)
وكالة الطاقة الدولية (IEA)
التقرير الإحصائي لشركة بريتيش بتروليوم (BP Statistical Review)
الاتحاد الدولي للغاز (IGU)
البنك الدولي
إس آند بي جلوبال كوموديتي إنسايتس (S&P Global Commodity Insights)
غولدمان ساكس (Goldman Sachs)
جي بي مورغان (JPMorgan Chase)
رويترز (Reuters)
بلومبيرغ (Bloomberg)
الاتحاد الدولي للغاز (International Gas Union – IGU)
التقرير الإحصائي لشركة بريتيش بتروليوم (BP Statistical Review)





