من بينها عُمانية: شركات تمنح موظفيها أسهمًا مجانية؛ فهل هي رفاهية إدارية أم استثمار ذكي؟

من بينها عُمانية: شركات تمنح موظفيها أسهمًا مجانية؛ فهل هي رفاهية إدارية أم استثمار ذكي؟
برامج تملّك الموظفين للأسهم
خاص - أثير
بدأت شركات عالمية ومنها شركات عُمانية، في السنوات الماضية تتجه إلى نموذج مختلف في إدارة الموارد البشرية، يقوم على تحويل الموظف من مجرد متلقٍ للراتب إلى شريك يمتلك جزءًا من الشركة نفسها.
هذا النموذج، المعروف عالميًا باسم “برامج تملّك الموظفين للأسهم” (ESOP)، لم يعد مقتصرًا على الشركات التقنية العملاقة أو المؤسسات المالية الكبرى، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز أدوات التحفيز المؤسسي وبناء الولاء الوظيفي طويل الأمد.
الفكرة تبدو بسيطة ظاهريًا: منح الموظف أسهمًا مجانية، أو إتاحة تملّكها بشروط تفضيلية، كمكافأة على الأداء والاستمرارية، لكن على أرض الواقع، فإن هذه الخطوة تعكس تحولًا أعمق في فلسفة الإدارة الحديثة؛ إذ لم تعد بعض الشركات ترى الموظف كعنصر تشغيلي فقط، بل كطرف أساسي في صناعة النمو والربحية والاستقرار.
تريليونات الدولارات وملايين الموظفين
بحسب بيانات “المركز الوطني الأمريكي لملكية الموظفين” (NCEO)، يوجد اليوم أكثر من 6600 برنامج لتملّك الموظفين للأسهم في الولايات المتحدة وحدها، تشمل ما يزيد على 15 مليون موظف، بأصول تتجاوز قيمتها 2.1 تريليون دولار.
ولا تقتصر الفكرة على خطط الأسهم التقليدية، إذ تشير تقديرات أخرى إلى أن نحو 11 مليون موظف إضافي يشاركون في برامج تعويضات قائمة على الأسهم، مثل خيارات شراء الأسهم والمكافآت المرتبطة بالقيمة السوقية للشركات.
هذه الأرقام تعكس حجم التحول الذي حدث في علاقة الشركات بموظفيها، خصوصًا في الاقتصادات المتقدمة، حيث أصبحت “الملكية الجزئية” جزءًا من ثقافة العمل الحديثة.
لماذا تمنح الشركات أسهمًا لموظفيها؟
ترى كثير من الشركات أن الرواتب وحدها لم تعد كافية للحفاظ على الكفاءات، خاصة في القطاعات التي تعتمد على المهارات التخصصية والخبرات النادرة.
ومن هنا، ظهرت برامج الأسهم كأداة تحقق أكثر من هدف في الوقت نفسه:
* تحفيز الموظفين على المدى الطويل.
* تقليل معدلات الاستقالات والتنقل الوظيفي.
* تعزيز الشعور بالانتماء والمسؤولية.
* رفع الإنتاجية وربط الموظف مباشرة بنجاح الشركة.
وتشير دراسة صادرة عن Deloitte إلى أن الشركات التي تعتمد برامج تملّك الموظفين للأسهم تسجل تحسنًا في الإنتاجية يتراوح بين 4% و5% خلال السنة الأولى من تطبيق البرنامج، كما تحقق نموًا وظيفيًا أعلى بنسبة 25% خلال 10 سنوات مقارنة بالشركات التقليدية.
كما توصلت أبحاث منشورة عبر NBER إلى أن برامج “الرأسمالية المشتركة”، التي تشمل الأسهم والمكافآت المرتبطة بالأرباح، ترتبط بارتفاع مستويات الولاء الوظيفي، وانخفاض معدلات ترك العمل، وزيادة الجهد والإنتاجية داخل المؤسسات.
وفي دراسة حديثة نُشرت عام 2026، وجد باحثون أن معدلات الاستقالة ترتفع بشكل واضح بعد انتهاء فترات استحقاق الأسهم، ما يكشف التأثير المباشر لهذه البرامج في إبقاء الموظفين داخل الشركات لفترات أطول.
من “موظف” إلى “شريك”
التحول الأهم في هذه التجربة ليس ماليًا فقط، بل نفسي وإداري أيضًا، فحين يمتلك الموظف جزءًا من الشركة، فإنه لا ينظر إلى نجاح المؤسسة باعتباره “أرباحًا للإدارة”، بل مكسبًا شخصيًا ينعكس عليه مباشرة. كل توسع، أو ارتفاع في الأرباح، أو نمو في القيمة السوقية، قد يعني زيادة في قيمة ما يملكه، ولهذا؛ تصف بعض الشركات موظفيها بـ”الشركاء” بدلًا من “العاملين”.
ومن أشهر النماذج العالمية، تجربة Starbucks، التي أطلقت منذ التسعينيات برنامج “Bean Stock”، ومنحت الأسهم حتى للعاملين الجزئيين داخل المقاهي، في خطوة هدفت إلى تعزيز مفهوم الشراكة والانتماء المؤسسي.
كما تعتمد Microsoft برامج واسعة للمكافآت والأسهم المرتبطة بالأداء، ضمن استراتيجيتها للحفاظ على المواهب في سوق التقنية شديد التنافسية.
وفي السنوات الأخيرة، أصبحت NVIDIA من أبرز الأمثلة الحديثة على تأثير هذه البرامج، خصوصًا بعد الطفرة الهائلة التي شهدتها الشركة مع صعود الذكاء الاصطناعي.
ووفق تقارير اقتصادية حديثة، فإن كثيرًا من موظفي الشركة حققوا عوائد مالية ضخمة نتيجة ارتفاع قيمة الأسهم الممنوحة لهم، فيما انخفض معدل دوران الموظفين في الشركة إلى نحو 2.5% فقط بحلول 2025، مقارنة بـ5.3% في 2023، كما أشارت التقارير إلى أن 40% من موظفي الشركة يعملون فيها منذ أكثر من خمس سنوات.
وفي مؤشر آخر على توسع هذا التوجه، أظهرت بيانات متداولة استنادًا إلى تقارير الشركات الأمريكية الكبرى أن شركات التقنية دفعت لموظفيها ما يقارب 104 مليارات دولار على شكل تعويضات قائمة على الأسهم خلال عام واحد فقط، بزيادة تقارب 150% مقارنة بعام 2019.
التجربة العُمانية والعربية
في سلطنة عُمان، بدأت بعض الشركات تطبيق هذا النهج ضمن برامج الحوافز الوظيفية، في خطوة تعكس تحولًا تدريجيًا في ثقافة إدارة الموارد البشرية.
ومن أبرز الأمثلة، ما حصل عام 2014م في حدث يُعد الأول من نوعه آنذاك في القطاع الخاص، إذ أعلنت مجموعة اليوسف القابضة عام 2014م عن منح موظفي شركة “ترك عُمان” نحو 3 ملايين سهم مجانية بقيمة تجاوزت مليونًا و50 ألف ريال عُماني، للموظفين البالغ عددهم 420 عمانيا اضافة الى عدد من الوافدين. وبحسب الإعلان آنذاك، فإنه من المقرر أن تتنازل مجموعة اليوسف بالتنازل عن هذه الأسهم مجانًا من خلال آلية جديدة تقوم من خلالها مجموعة اليوسف بتأسيس شركة جديدة بمسمى (شركة مزايا ترك عمان ش.م.ع.م) كشركة مساهمة مقفلة يمتلكها كافة موظفي مجموعة ترك عمان والشركات التابعة لها.
كما أعلنت الكابلات العُمانية في شهر مايو الجاري، عن تجديد برنامج حوافز الموظفين وتملّك الأسهم، ضمن توجه يربط الموظفين بأداء الشركة ونتائجها المستقبلية.
وكان هذا البرنامج قد أًطلق قبل 4 أعوام يتيح للموظفين المؤهلين تحويل جزء من مكافآتهم أو كاملها إلى أسهم في الشركة،. وحصل الموظفون المشاركون على نسبة من مستحقاتهم المالية بما يعادل قيمة أسهم محددة يتم احتسابها سنويًا وعلى أساس فردي وفقًا لقيمة المكافآت المستحقة لهم.
ورغم أن هذه التجارب لا تزال محدودة مقارنة بالأسواق العالمية، إلا أنها عكست بداية تحول مهم في مفهوم العلاقة بين المؤسسة والموظف داخل السوق العُماني.
وتُعد شركة أرامكو السعودية من أبرز النماذج العربية المرتبطة بثقافة “الموظف المساهم”، إذ أتاحت خلال مراحل مختلفة برامج ادخار واستثمار وأسهم مرتبطة بمزايا العاملين، بالتوازي مع طرحها التاريخي للاكتتاب العام الذي جذب اهتمامًا واسعًا داخل المملكة وخارجها.
وفي قطاع التكنولوجيا المالية، اعتمدت شركات عربية ناشئة في السعودية والإمارات ومصر برامج “Stock Options” كجزء من حزم التوظيف، خصوصًا مع محدودية قدرة بعض الشركات الناشئة على منافسة الرواتب الضخمة التي تقدمها الشركات العالمية، لتصبح الأسهم وسيلة لتعويض ذلك ومنح الموظف فرصة للاستفادة من أي نمو مستقبلي أو طرح محتمل للشركة.
أما في مصر، فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في استخدام برامج الحوافز القائمة على الأسهم داخل الشركات الناشئة، خصوصًا بعد النمو الكبير لقطاع التكنولوجيا وريادة الأعمال.
وفي الكويت وقطر والبحرين، بدأت بعض المؤسسات المالية والشركات الاستثمارية كذلك تطبيق برامج تحفيزية مرتبطة بالأرباح أو الأسهم لكبار التنفيذيين والموظفين ذوي الأداء المرتفع، ضمن إستراتيجيات الاحتفاظ بالكفاءات في القطاعات عالية التنافسية.
برأيك: هل هي رفاهية إدارية أم استثمار ذكي؟
المصادر:
* إحصائيات عالمية
* المركز الوطني الأمريكي لملكية الموظفين (NCEO)
* دراسة Deloitte حول أثر برامج الأسهم على الإنتاجية والولاء الوظيفي
* المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية NBER
* جريدة الرؤية وموقع أرقام

شارك هذا الخبر