خاص - أثير
بعد أكثر من عقدين من إدراجها في بورصة مسقط، تتجه شركة الأسماك العمانية إلى تغيير شكلها القانوني من شركة مساهمة عامة إلى شركة مساهمة مغلقة، في خطوة تعكس ضغوطًا مالية وتشغيلية متراكمة، وتثير تساؤلات حول مستقبلها واستمراريتها.
ففي 8 مارس الماضي، أعلن مجلس إدارة الشركة اعتماد هذا التوجه، مع تكليف رئيس المجلس بمتابعة الإجراءات اللازمة، على أن تُعرض الخطة على الجمعية العامة غير العادية، التي يُنتظر انعقادها نهاية الشهر الجاري، إلى جانب بحث سبل الحصول على الدعم المالي من حملة أسهم الشركة.
ويأتي هذا التحول بعد نحو 24 عامًا من إدراج الشركة في السوق، منذ عام 2002، ما يعكس حجم التغيرات التي طرأت على وضعها المالي والتشغيلي خلال السنوات الأخيرة.
تأسست الشركة بمرسوم سلطاني عام 1987م، الذي نص على إنشاء شركة مساهمة عمانية باسم “شركة الأسماك العمانية” تدمج فيها شركة الأسماك الوطنية العمانية، وحدد المرسوم غاية الشركة المتمثلة في استغلال واستثمار الثروة السمكية والأحياء المائية في المياه العمانية ولها في سبيل ذلك القيام بأعمال الصيد والشراء والتجهيز والتصنيع والتجميد والتغليف والتسويق، وكذلك إنشاء ومباشرة أوجه الصناعات الأخرى المرتبطة بالأنشطة السمكية وذلك مع مراعاة عدم الإضرار بمصالح الصيادين الحرفيين العمانيين.
ونص المرسوم على أن يكون رأسمال الشركة 10 ملايين ريال عماني مقسم إلى مليون سهم. وفي عام 2002م، أصبحت الشركة مدرجة في سوق مسقط للأوراق المالية آنذاك -بورصة مسقط حاليًا. ويصل رأسمالها حاليًا إلى 20 مليون ريال عماني، وسعر السهم 24 بيسة، وذلك في آخر تداول في بورصة مسقط يوم الخميس 9 أبريل 2026م.
تحديات متراكمة
كشفت السنوات الأخيرة عن تحديات عميقة، فبحسب تقرير مجلس الإدارة لعام 2025، واجهت الشركة عدة تحديات، أبرزها:
• تراكم مخزون كبير خلال عامي 2023 و2024، بما في ذلك مخزون منتهي الصلاحية تم بيعه بهوامش منخفضة عام 2025م.
• زيادة حدة المنافسة في السوق
• مشاكل التدفق النقدي التي حدّت من القدرة الشرائية للشركة للأسماك
• إغلاق البحر الأحمر نتيجة الأوضاع الجيوسياسية، مما أدى إلى إطالة فترات الشحن والتأثير سلبًا على دورة التحويل النقدي
أحد أبرز المؤشرات على عمق الأزمة جاء من مدقق الحسابات، الذي أصدر تقريره بـ “رأي سلبي” على القوائم المالية للشركة ورأى المدقق أنه، بناءً على الوضع الحالي للميزانية العمومية، لا تستوفي الشركة مبدأ الاستمرارية حيث يُستبعد أن تتمكن من مواصلة عملياتها خلال الاثني عشر شهرًا القادمة دون دعم إضافي في رأس المال العامل.
ويمثّل هذا الرأي أحد أخطر الإشارات في التقارير المالية، إذ لا يقتصر أثره على الصورة المحاسبية للشركة، بل يمتد إلى علاقتها مع المقرضين والممولين، وهو ما رأى مجلس الإدارة بأنه في حال اعتماده ودون وجود التزامات واضحة من المساهمين في الجمعية العمومية السنوية والجمعية العمومية غير العادية، سيكون له تأثير كبير على الشركة، خاصة فيما يتعلق بالمقرضين الحاليين، الذين قد يقومون بتجميد التسهيلات الائتمانية وفرض قيود على أي تمويل مستقبلي، وسيؤدي ذلك في النهاية إلى نسف الجهود التي بذلها مجلس الإدارة لإعادة هيكلة وتحسين أداء الشركة، وقد يفضي في نهاية المطاف إلى إنهاء أعمال الشركة.
تآكل رأس المال
في تقريرها السنوي لعام 2025م، أشارت إلى تحقيق خسائر بعد الضريبة تصل لـ 3.4 مليون ريال عماني عام 2024م، وبلغت الخسائر المتراكمة آنذاك 20.2 مليون ريال عُماني، مما أدى -كما ورد في التقرير- إلى تآكل رأس مال الشركة بالكامل.
وفي عام 2024م، تم تعيين مستشار للتحول، الذي قدم خطة وافق عليها مجلس الإدارة لفترة 5 سنوات. مع ذلك، استمرت الشركة في تحقيق خسائر، والتي بلغت عام 2025 أكثر من 2.3 مليون ريال عُماني، وتصل الخسائر المتراكمة إلى 22.2 مليون ريال عماني. ولم تتمكن الشركة في عام 2025م من تحقيق خطة التحول/الأعمال التي وافق عليها المساهمون، حيث سجلت عجزًا كبيرًا في إيراداتها المدرجة في الموازنة نتيجة للقيود المفروضة على رأس المال العامل، ولم تلتزم الشركة بتعهدات الدين المتفق عليها مع شركة التمويل وفقًا لاتفاقيات تسهيلات الائتمان.
نموذج تشغيلي محدث
في مواجهة هذه التحديات، شرعت الشركة في تنفيذ عدد من الإجراءات لإعادة هيكلة عملياتها، شملت:
• إلغاء بعض المناصب التنفيذية العليا مما أسهم في تعزيز الكفاءة التشغيلية، وتسريع عملية اتخاذ القرار، وتحقيق وفورات ملموسة في التكاليف.
• اعتماد نموذج تشغيلي محدث، لتعظيم كفاءة الأصول وتعزيز استدامة المشتريات، ومن أبرز المبادرات التي تضمنتها إعطاء الأولوية لشراء ومعالجة الأسماك الطازجة داخليًا لزيادة القيمة المضافة مع ضعف تجارة الأسماك المجمدة على فترات نقص الإمدادات الموسمية، وإعادة ضبط محفظة المنتجات عبر زيادة محفظة المنتجات عبر زيادة حصة الأنواع القاعية ذات الهوامش الأعلى.
وخلال عام 2025م، تم إغلاق فروع مصيرة والأشخرة وصوقرة عند ضعف الموسم، وتم تنفيذ أعمال الصيانة اللازمة لتجيهزها لبداية الموسم وذروته، كما تمكنت الشركة من تخفيض مصاريفها العمومية والإدارية بحوالي 438 مليون ريال عُماني، لتصل إلى 1,091 مليون ريال بعد أن كانت 1,529 مليون ريال عماني، بانخفاض نسبته 28%، مما يعكس تركيز الإدارة على ضبط التكاليف وتحسين كفاءة العمليات.
اتفاقيات
شهد عام 2025م أيضًا عدد من الرخص الجديدة والاتفاقيات:
- حصلت الشركة على رخصة صيد جديدة بحصة سنوية تبلغ 10,000 طن متري، واعتبرت أن ذلك يعكس ثقة الحكومة في قدرات الشركة التشغيلية وتوجهها الاستراتيجي، وتجري الإدارة حاليًا مفاوضات مع مشغلي السفن لبدء الاستفادة من هذه الرخصة.
- أبرمت اتفاقيات إستراتيجية طويلة الأمد، من بينها عقد تصدير مع شريك صيني لتوريد 160 حاوية سنويًا من الأسماك القاعية بقيمة تتراوح بين 4 إلى 5 ملايين ﷼ عُماني، واتفاقية لتوريد 360 حاوية سنويًا من الأسماك السطحية الصغيرة.
قضية قانونية
في مارس 2023م، أعلنت الشركة عن رفع دعوى قضائية لدى المحكمة التجارية ضد عدد من أعضاء الإدارة التنفيذية السابقين، لأسباب قالت عنها الشركة أنها تتعلق بمخالفات لأحكام المنافسة غير المشروعة، وفي حال صدور الحكم لصاحب الشركة، فسيترتب عليه حصولها على تعويضات مالية.
وفي يناير 2025م، أعلنت عن صدور حكم من المحكمة الابتدائية التجارية بمسقط متضمنًا رد الدعوى لعدم الاختصاص النوعي، وقدمت الشركة إثر ذلك استئناف الحكم. وفي يناير 2026م، قبلت محكمة الاستئناف استئناف الشركة، وأحالته إلى المحكمة الابتدائية للنظر فيها بهيئة مغايرة.
لماذا التحول إلى شركة مغلقة؟
لم تًفصح الشركة عن سبب هذا التوجه، لكن يبدو أنه يعكس محاولة لإعادة ترتيب أوضاع الشركة، ومنحها مرونة أكبر في اتخاذ قرارات إعادة الهيكلة، وجذب تمويل جديد من المساهمين.





