كيف يفكر العرب؟ من نقد العقل العربي إلى سؤال العروبة الحضارية والاقتصادية

كيف يفكر العرب؟ من نقد العقل العربي إلى سؤال العروبة الحضارية والاقتصادية
كيف يفكر العرب؟ من نقد العقل العربي إلى سؤال العروبة الحضارية والاقتصادية
أثير - د. بسام أبو عبد الله
أستاذ العلاقات الدولية
حين نشرتُ قبل فترة في موقع أثير مقالاً بعنوان: كيف يفكر الصينيون؟، حاولتُ فيه فهم العلاقة بين التاريخ والثقافة والحضارة في تشكيل الذهنية الصينية، وصلني سؤال تكرر من عدد من القراء: ولماذا لا تكتب عن العرب؟ كيف يفكر العرب؟
بدأ السؤال بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة تعقيداً. فعندما نتحدث عن الصين، أو عن الغرب، نجد أنفسنا أمام مراكز حضارية لها مسارات تاريخية وفكرية أكثر وضوحاً واستمرارية، أما العرب، فنحن أمام فسيفساء واسعة من المجتمعات والتجارب والذاكرات السياسية والاقتصادية والثقافية الممتدة من المحيط إلى الخليج.
ومع ذلك يبقى السؤال مشروعاً، لأن العرب لم يكونوا مجرد تجمعات جغرافية متجاورة، بل تشكلوا عبر قرون داخل فضاء لغوي وثقافي وتاريخي واسع صنع أشكالاً متعددة من التفاعل والتأثير المتبادل، ومن هنا يصبح السؤال أكثر دقة: هل يوجد حقاً نمط تفكير عربي؟ أم أن ما نسميه «العقل العربي» ليس سوى طبقات متراكبة من التاريخ والثقافة والسياسة والهوية؟
ثم من هم العرب أصلاً؟ هل هم شعوب اللغة العربية فقط؟ أم شعوب التاريخ المشترك؟ أم شعوب الجغرافيا الممتدة من المحيط إلى الخليج؟ وهل يمكن وضع المغربي والعراقي، والخليجي والسوداني، والسوري والموريتاني داخل قالب ذهني واحد رغم اختلاف البيئات والتجارب السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟
ثم إن العالم العربي نفسه لم يعرف في تاريخه الحديث استقراراً يسمح بتكوين نموذج ذهني متجانس. فالاستعمار الأوروبي، وسقوط الدولة العثمانية، وتقسيم المنطقة، وصعود القوميات والانقلابات العسكرية، والصراع العربي- الصهيوني، والنفط، والصراعات الإقليمية والحروب الأهلية، والعولمة، كلها صنعت تجارب متباينة بل ومتناقضة أحياناً.
ولهذا فإن سؤال: «كيف يفكر العرب؟» ليس سؤالاً سهلاً، لكنه بقي سؤالاً محورياً لدى عدد كبير من المفكرين العرب الذين حاولوا فهم أسباب التعثر الحضاري وعلاقة العرب المعقدة بالحداثة والسلطة والتراث.
لعل أبرز هؤلاء كان المفكر المغربي محمد عابد الجابري في مشروعه: تكوين العقل العربي، وبنية العقل العربي والعقل السياسي العربي. لم يكن الجابري يتحدث عن عقل بيولوجي مختلف، بل عن بنية معرفية تشكلت داخل الحضارة العربية الإسلامية. وقسم أنماط التفكير إلى ثلاثة: البيان القائم على اللغة والنص، والعرفان القائم على الإلهام والكشف، والبرهان القائم على العقل والمنطق.
ورأى أن لحظات ازدهار الحضارة العربية الإسلامية ارتبطت بحضور العقل البرهاني، بينما تعرض مشروعه لنقد واسع من المفكر السوري جورج طرابيشي في مشروعه: نقد العقل العربي، الذي رأى أن التراث العربي أكثر تعقيداً من هذه التقسيمات الحادة، وأن العقلانية لم تكن حكراً على فضاء دون آخر.
أما عبد الله العروي، فاقترب من المسألة من زاوية مختلفة، معتبراً أن أزمة الفكر العربي مرتبطة بعلاقة مضطربة مع الحداثة، فالمشكلة ليست في استيراد المؤسسات الحديثة، بل في غياب التحولات الفكرية والاجتماعية التي انتجتها تاريخياً، في حين ركز محمد أركون على ما سماه «اللامفكر فيه»، أي الأسئلة التي أُغلقت تاريخياً بفعل السلطة السياسية أو الدينية، معتبراً أن النهضة الحقيقية تحتاج إلى إعادة فتح باب التفكير النقدي الحر.
ورغم اختلاف هؤلاء، فإن سؤالهم كان واحداً: لماذا تعثرت النهضة العربية الحديثة؟
لكن نقد العقل العربي لا يعني إنكار وجود فضاء حضاري عربي عميق. فالعالم العربي لم يكن مجرد حدود سياسية رسمها الاستعمار الحديث، بل عرف عبر قرون طويلة شبكات واسعة من التفاعل الثقافي والتجاري والإنساني.
وسلطنة عُمان تقدم مثالاً مهماً على ذلك، فهي لم تكن معزولة عن محيطها العربي، بل ارتبطت منذ قرون ببلاد الشام والجزيرة العربية والعراق واليمن عبر التجارة البحرية والهجرات وحركة العلماء والفقهاء والتجار. وكانت الموانئ العُمانية جزءاً من شبكات تواصل امتدت إلى البصرة والحجاز والشام وشرق إفريقيا والهند.
كما أن العلاقة بين مناطق العالم العربي لم تُصنع فقط عبر خرائط الدول الحديثة، بل عبر حركة بشرية وثقافية طويلة، فالتجار والمتصوفة والطلاب والشعراء والعلماء ساهموا في تشكيل فضاء عربي متداخل. ولهذا لم تكن العلاقة بين الشام وعُمان، أو بين العراق والحجاز، أو بين مصر والمغرب العربي، مجرد علاقات سياسية، بل جزءاً من تاريخ حضاري مشترك.
كانت اللغة العربية هنا تؤدي دوراً يتجاوز كونها أداة تواصل، فقد كانت حاملة لذاكرة جماعية ومخيلا ثقافيا مشترك، فالعربي قد يختلف سياسياً مع بلد عربي آخر، لكنه يتفاعل وجدانياً مع قصيدة أو رواية أو أغنية قادمة منه. فما الذي يجعل مستمعاً في مسقط أو دمشق أو الرباط أو بغداد، يطرب لصوت أم كلثوم وعبد الحليم حافظ؟ وما الذي يجعل قصائد نزار قباني أو روايات نجيب محفوظ أو أعمال أدباء ومثقفين خليجيين وعُمانيين تجد جمهوراً عربياً واسعاً؟
الجواب هنا لا يتعلق بالسياسة وحدها، بل بما يسميه علماء الاجتماع «الفضاء الرمزي المشترك»، أي منظومة الصور والمعاني والرموز والعواطف التي تنتج شعوراً ثقافياً عاماً بالانتماء.
لهذا يمكن القول إن «العروبة الحضارية» تختلف عن القومية العربية بوصفها مشروعاً سياسياً. فالقومية قد تنجح أو تفشل كأيديولوجيا، لكن الروابط الثقافية والحضارية أعمق وأكثر استمرارية.
هنا سيبرز لنا سؤال جديد يفرض نفسه اليوم: هل تكفي العروبة الحضارية وحدها؟
ربما كانت اللغة والشعر والذاكرة المشتركة قادرة تاريخياً على إنتاج شعور بالانتماء، لكن عالم اليوم يقوم أيضاً على المصالح الاقتصادية وشبكات الإنتاج والتكنولوجيا والتعليم وسوق العمل. ولذلك قد نكون بحاجة إلى ما يمكن تسميته «العروبة الاقتصادية». فالهويات الحديثة لا تقوم فقط على المشاعر والرموز، بل أيضاً على المصالح المشتركة، والاتحاد الأوروبي لم يبدأ من العاطفة أو الثقافة، بل من المصالح الاقتصادية المشتركة، أما في العالم العربي فما زالت التجارة البينية والاستثمارات والمشروعات الكبرى المشتركة دون مستوى الإمكانات المتاحة، لأن المصالح الاقتصادية لا تنتج الثروة فقط، بل تخلق شعوراً بالاعتماد المتبادل وبأن المستقبل مشترك أيضاً.
الثقافة وحدها قد تصنع التعاطف، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة الاستمرارية. والوجدان يخلق شعوراً بالانتماء، لكن الاقتصاد يمنح هذا الانتماء بنية مادية وحياتية. والحقيقة أن المشكلة لا تكمن في وجود «عقل عربي عاجز» كما تصور بعض الأدبيات، بل في وجود صراع تاريخي طويل بين أنماط متعددة من التفكير: بين التراث والحداثة، وبين القبيلة والدولة، وبين الدين والسياسة، وبين المحلي والعالمي.
لذلك فإن سؤال «كيف يفكر العرب؟» لا يملك جواباً نهائياً، لأن العرب ليسوا تجربة واحدة ولا مجتمعاً متطابقاً، لكن المؤكد أن فهم هذا التنوع يبقى ضرورياً لفهم ما يجري في المنطقة اليوم.
وربما تكون الخلاصة الأهم أن أزمة العالم العربي ليست فقط أزمة أنظمة أو اقتصاد أو حروب، بل أزمة أسئلة كبرى لم تُحسم بعد: من نحن؟ وما علاقتنا بالتراث؟ وكيف نرى الحداثة؟ وهل نستطيع إنتاج نموذج حضاري عربي خاص بنا؟
هنا تحديداً تكمن أهمية إعادة قراءة «العقل العربي» وهو مشروع يحتاج لمؤسسات بحثية لتتبناه، لا بهدف جلد الذات أو تمجيد الماضي، بل بهدف فهم الذات أولاً، لأن الأمم التي لا تفهم تاريخها وطريقة تفكيرها، يصعب عليها أن تفهم العالم أو تحدد مكانها فيه.

شارك هذا الخبر