أثير - ريما الشيخ
كشفت دراسة علمية حديثة أن القراءة من أجل المتعة في سن الطفولة ترتبط بتحسن ملحوظ في السلوك النفسي والاجتماعي للأطفال عند دخولهم مرحلة المراهقة، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة باضطرابات الانتباه والمشكلات السلوكية.
وأوضحت الدراسة التي أعدها الباحثان Hei Wan Mak وDaisy Fancourt، ونشرت في مجلة Social Science & Medicine أن القراءة اليومية في سن السابعة ترتبط بانخفاض فرط الحركة وتشتت الانتباه، إلى جانب تعزيز السلوك الاجتماعي الإيجابي وتقليل بعض المشكلات العاطفية لاحقًا.
وفي هذا السياق، سعت الدراسة إلى تحليل العلاقة بين القراءة والتطور السلوكي لدى الأطفال من خلال منهجية علمية دقيقة تراعي مختلف العوامل المؤثرة.
منهجية دقيقة لعزل تأثير القراءة
اعتمدت الدراسة على بيانات 8936 طفلًا ضمن Millennium Cohort Study في المملكة المتحدة، حيث تمت متابعة الأطفال من عمر 7 إلى 11 سنة، مع استخدام أسلوب إحصائي متقدم يتيح مقارنة أطفال لديهم ظروف اجتماعية وأسرية متشابهة، مع اختلاف رئيسي في معدل القراءة.
وقد حرص الباحثون على تقليل تأثير العوامل الخارجية التي قد تؤثر في النتائج، مثل مستوى تعليم الوالدين، والوضع الاقتصادي، والحالة النفسية للأسرة، بما يسمح بإبراز العلاقة المستقلة بين القراءة وسلوك الأطفال بصورة أكثر دقة.
وشملت المقارنات أطفالًا ينتمون إلى بيئات أسرية واجتماعية متقاربة، مع اختلاف رئيسي في معدل القراءة، وذلك لضمان عدالة المقارنة بين المجموعات.
وفي هذا الإطار، تم ضبط عدد من المتغيرات الأساسية، من أبرزها:
- مستوى تعليم الوالدين
- طبيعة عملهم ووضعهم المهني
- الحالة النفسية داخل الأسرة
كما أُخذت بعين الاعتبار عوامل إضافية مرتبطة بالطفل وبيئته، من بينها:
- طبيعة العلاقة بين الطفل ووالديه
- مستوى التقارب الأسري
- مدى انتشار القراءة داخل المنزل
- تكرار القراءة أو تشجيع الطفل عليها
وذلك بهدف الوصول إلى نتائج أكثر دقة وموضوعية تعكس تأثير القراءة بصورة مباشرة.
انخفاض ملحوظ في فرط الحركة وتشتت الانتباه
وأظهرت النتائج وجود علاقة واضحة بين القراءة اليومية في سن السابعة وانخفاض مستويات فرط الحركة وتشتت الانتباه عند سن الحادية عشرة، وهي من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة.
وتشير التحليلات إلى أن هذه العلاقة لم تقتصر على الأطفال العاديين، بل ظهرت أيضًا لدى الأطفال الذين كانوا يعانون هذه المشكلات مسبقًا؛ ما يعزز فرضية أن القراءة قد تؤدي دورًا في تحسين القدرة على التركيز.
وقد دعمت الدراسة هذه النتيجة بعدد من المؤشرات، أبرزها:
- تسجيل الأطفال الذين يقرؤون يوميًا مستويات أقل من التشتت
- استمرار النتائج حتى بعد ضبط جميع العوامل الاجتماعية والأسرية
- وضوح التأثير بشكل أكبر عند مقارنة القرّاء المنتظمين بمن نادرًا ما يقرؤون
تعزيز السلوك الاجتماعي الإيجابي
وفي جانب آخر، بينت الدراسة أن القراءة ترتبط بارتفاع مستويات السلوك الاجتماعي الإيجابي لدى الأطفال، مثل التعاطف والتعاون ومساعدة الآخرين، ويرى الباحثون أن هذا التأثير يعود إلى طبيعة القراءة، خصوصًا القصص، التي تتيح للطفل التفاعل مع مشاعر وشخصيات مختلفة، ما ينعكس على سلوكه في الواقع، وقد انعكس ذلك في عدد من المؤشرات، من أبرزها ارتفاع مستويات التعاطف لدى الأطفال القرّاء، وتحسن القدرة على فهم مشاعر الآخرين، وزيادة الميل إلى السلوكيات التعاونية ومساعدة الآخرين.
مؤشرات على تحسن الحالة العاطفية
كما أشارت النتائج إلى وجود علاقة بين القراءة اليومية وانخفاض بعض المشكلات العاطفية، مثل القلق أو التوتر، خصوصًا عند مقارنة الأطفال الذين يقرأون بانتظام مع أولئك الذين نادرًا ما يقرؤون، وتُفسر الدراسة هذا التأثير بأن القراءة توفر مساحة للتعبير الداخلي والهروب من الضغوط، إلى جانب دورها في بناء صورة ذاتية أكثر إيجابية، وقد ظهر ذلك من خلال عدد من المؤشرات، أبرزها انخفاض نسبي في المشكلات العاطفية لدى القرّاء المنتظمين، ودور القراءة في تخفيف الضغوط النفسية، وارتباطها بتعزيز الشعور بالاستقرار العاطفي.
نتائج محدودة في بعض الجوانب السلوكية
في المقابل، لم تجد الدراسة علاقة واضحة بين القراءة وبعض الجوانب الأخرى، مثل المشكلات السلوكية العدوانية أو صعوبات العلاقات مع الأقران، ما يشير إلى أن تأثير القراءة قد يكون أكثر وضوحًا في مجالات محددة دون غيرها، وقد أظهرت النتائج في هذا الجانب عددًا من المؤشرات، من أبرزها:
-عدم وجود ارتباط واضح بين القراءة والسلوك العدواني.
-نتائج غير حاسمة فيما يتعلق بعلاقات الأقران.
تركز تأثير القراءة بشكل أكبر في جوانب الانتباه والسلوك الاجتماعي مقارنة بغيرها.
دعوة إلى تعزيز القراءة كأداة تنموية
أكدت الدراسة أن القراءة من أجل المتعة قد تمثل أداة بسيطة لكنها فعالة لدعم التطور النفسي والسلوكي للأطفال، داعيةً إلى إجراء مزيد من الدراسات المستقبلية، خصوصًا الدراسات التجريبية، لاستكشاف ما إذا كان تشجيع القراءة يمكن أن يؤدي إلى تحسين مباشر في التكيف النفسي والسلوكي لدى الأطفال.
كما أشارت إلى أهمية التوسع في البحث لفهم طبيعة العلاقة بصورة أعمق، بما في ذلك تحديد تأثير تكرار القراءة وأنواعها المختلفة، ودراسة أثرها على مراحل لاحقة من النمو.





