أثير - ريما الشيخ
ما الذي يجعل شابًا اليوم يشعر بأنه “نجح” فعلًا؟
هل الوظيفة المستقرة؟ أم الدخل المرتفع؟ أم القدرة على صناعة أسلوب حياة مختلف يفرض حضوره عبر العالم الرقمي؟
لم تعد صورة النجاح ثابتة كما كانت قبل سنوات في مجتمعنا، بل أصبحت أكثر اتساعًا وتعقيدًا مع تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وظهور أنماط جديدة فرضتها شبكات التواصل الاجتماعي والعمل الحر والتجارة الإلكترونية.
وبين جيلٍ كان يقيس النجاح بالاستقرار الوظيفي وتأسيس الأسرة، وجيلٍ يبحث عن تحقيق الذات والتميّز الفردي، تتشكل اليوم مفاهيم جديدة تعيد رسم ملامح “الشخص الناجح” في المجتمع.
وفي ظل هذا التحول، يبرز تساؤل مهم: هل ما نراه اليوم من صور للنجاح يعكس فعلًا احتياجات المجتمع العُماني وقيمه، أم أنه بات يتأثر أكثر بما تفرضه المنصات الرقمية والثقافات القادمة من الخارج؟
حول هذه التحولات، تحدث الباحث في علم الاجتماع يونس بن علي المعمري، لـ“أثير“ عن تغيّر مفهوم النجاح لدى الشباب العُماني، ودور الأسرة والإعلام والمجتمع في تشكيل هذه الصورة الجديدة.
صورة النجاح.. كيف تغيرت؟
يرى المعمري أن مفهوم النجاح بطبيعته ليس ثابتًا، بل يتغير من مجتمع إلى آخر، وحتى من شخص إلى آخر، موضحًا أن الصورة التقليدية للنجاح لدى الشاب العُماني كانت تتمثل سابقًا في الحصول على وظيفة مستقرة وتأسيس أسرة، إلا أن هذه الصورة توسعت اليوم لتشمل عناصر أخرى مثل السفر، وتحقيق دخل أعلى، وامتلاك أسلوب حياة مختلف، مؤكدًا أن هذه التحولات طبيعية وتواكب تغير الزمن والمجتمعات.
لماذا تبقى الوظيفة الحكومية “الحلم الأكبر”؟
وعند الحديث عن استمرار الوظيفة الحكومية كحلم رئيسي لدى شريحة واسعة من الشباب، أشار الباحث الاجتماعي إلى أن الأمر يرتبط بالشعور بالاستقرار الوظيفي، خاصة بعد تجارب شهدها القطاع الخاص من تسريح موظفين أو تغيرات مفاجئة في بعض المؤسسات، ما عزز لدى كثيرين فكرة أن العمل الحكومي أكثر أمانًا وثباتًا.
وفي حديثه عن مفهوم النجاح، أوضح المعمري أن الإنسان لا يمكن أن يختزل نجاحه في جانب واحد فقط، فهناك من يراه في الجانب الاقتصادي، وآخر يربطه بالعلاقات الاجتماعية أو النجاح الديني أو الصحي، مشددًا على أهمية التوازن بين مختلف الجوانب حتى يحقق الإنسان الاستقرار الحقيقي في حياته، وهذا ما قاله خلال حديثه عن ربط النجاح بالحرية وتحقيق الذات، مؤكدًا أن النجاح المتوازن هو الأقرب للحياة المستقرة.
السوشيال ميديا وصناعة “الصورة الجديدة”
وتوقف المعمري عند التأثير الكبير الذي تفرضه شبكات التواصل الاجتماعي على فئة الشباب، لافتًا إلى أن المنصات الرقمية باتت تصدّر صورًا مختلفة للنجاح قد لا تكون مناسبة بالضرورة للمجتمع العُماني أو لخصوصيته الثقافية والاجتماعية، مضيفًا أن بعض الفئات العمرية الصغيرة تتأثر سريعًا بهذه الصور بسبب غياب الحصانة الفكرية والنفسية الكافية.
وأشار إلى أن دور الأسرة والمدرسة والإعلام يتمثل في توعية الشباب بضرورة امتلاك “ميزان” يحكمون من خلاله على ما يشاهدونه، عبر مقارنته بالقيم الدينية والعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، حتى يتمكن الفرد من التمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه.
العمل الحر والتجارة الإلكترونية
وفيما يتعلق بتغير نظرة العائلة العُمانية تجاه المشاريع الصغيرة والعمل الحر، أكد الباحث أن التحولات الاقتصادية العالمية ساهمت في خلق فرص جديدة لم تكن موجودة سابقًا، موضحًا أن هذه المجالات أصبحت اليوم مصدرًا مهمًا لتنويع الدخل وتحسين المستوى الاقتصادي للأفراد.
وأضاف أن هناك وعيًا متزايدًا لدى الأسر بأهمية هذه المجالات، خاصة مع الدعم الذي تقدمه وسائل الإعلام والتعليم ومنصات التواصل الاجتماعي نحو تشجيع الشباب على دخول مجالات التجارة الإلكترونية والعمل الحر والاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة فيها.
بين نجاح الأمس واليوم
وحول الفروقات بين مفهوم النجاح لدى الأجيال السابقة والجيل الحالي، أوضح المعمري أن المجتمع قديمًا كان يحدد الشخص الناجح بناءً على ما يحتاجه المجتمع في ذلك الوقت، فالرجل الناجح كان المنتج والعامل والمعتمد عليه داخل أسرته، بينما كانت المرأة الناجحة تعرف بدورها في التربية وصناعة الأجيال، أما اليوم فقد أضيفت معايير جديدة ترتبط بالترقي الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، إضافة إلى حضور المرأة في سوق العمل والإنتاج.
كما أشار إلى أن الدولة نفسها أصبحت شريكًا في رسم صورة النجاح من خلال الرؤى الوطنية، مثل “رؤية عُمان 2040”، التي تضع مسارات وأهدافًا تعتبر نماذج للنجاح يسعى إليها الأفراد والمؤسسات.
النجاح وتحقيق الذات
وفي قراءته للعلاقة بين الاستقرار وتحقيق الذات، بين المعمري أنه لا يرى تعارضًا بين المفهومين، موضحًا أن تحقيق الذات يمكن أن يقود إلى الاستقرار، كما أن الاستقرار يساعد الإنسان على تحقيق ذاته. لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن يتحول مفهوم “تحقيق الذات” إلى انعزال عن الأسرة والمجتمع، مؤكدًا أن الفرد العُماني لا يعيش بمعزل عن محيطه الاجتماعي.
ومع التحولات الاقتصادية المتسارعة، توقع الباحث أن تشهد معايير النجاح تغيرًا أكبر في الجانب المالي والاقتصادي خلال السنوات المقبلة، مع بقاء القيم الاجتماعية والتماسك الأسري عناصر أساسية يحافظ عليها المجتمع العُماني.
كيف يمكن حماية الشباب من صور النجاح المضللة؟
وفي ختام حديثه، شدد الباحث الاجتماعي يونس المعمري على أهمية مراجعة الإنسان لمعايير النجاح التي يضعها لنفسه بشكل مستمر، مؤكدًا أن رسم صورة واضحة ومتوازنة للنجاح لدى النشء بات ضرورة في ظل الانفتاح الكبير الذي تفرضه المنصات الرقمية والعالم الإلكتروني اليوم.





