أثير- الركابي حسن يعقوب
في الوقت الذي انتظر فيه العالم صدور رد على المقترح الإيراني من قبل واشنطن ربما يفتح الباب نحو الخروج من أزمة إغلاق مضيق هرمز وإنهاء الحرب، أفادت تقارير صحفية نقلاََ عن ”وول ستريت جورنال“ أمس عن الرئيس ترامب أنه أصدر أوامره لمساعديه بالاستعداد لحصار طويل الأمد على إيران، مضيفاََ أنه خلص إلى أن استئناف القصف أو الانسحاب ينطوي على مخاطر تفوق الإبقاء على الحصار.
ويبدو أن حال الرئيس ترامب وهو يختار هذا الخيار كحال الشاعر والأمير أبو فراس الحمداني وهو في الأسر عندما خُيّر بين الفرار أو القتل فقال ”هما أمران أحلاهما مر“!!
وبهذا القياس، فإن الرئيس ترامب وجد أن استئناف القصف على إيران، أو الانسحاب هما أمران أحلاهما مر، فالقصف يعيد أمريكا إلى ما قبل الثامن والعشرون من فبراير الماضي بما يعني أن أربعين يوماََ من القصف الأمريكي لم تؤتي ثمارها المرجوة المتمثلة في انهيار النظام واستبداله بآخر موالٍ لواشنطن، مما يستلزم إعادة الكَرّة مرة أخرى في ظل ضغوط هائلة من الداخل الأمريكي يضغط بشدة على ترامب لإنهاء الحرب وذلك كله وسط مخاوف بألا يحدث تجدد القصف الأثر المطلوب، وهو خيار حلو في ظاهره، لكنه مُر في حقيقته.
وليس الانسحاب بأحسن من استئناف القصف من حيث الأثر المادي والمعنوي، فالانسحاب في هذا التوقيت رغم أنه يبدو خياراََ ”عقلانياََ“ إلا أنه لا يمكن فهمه إلا على أنه هزيمة وهو أمر لا يمكن للعقل الأمريكي تصور حدوثه، فضلاً عن أنه سيحسب على أنه فشل ذريع لإدارة ترامب وللجمهوريين عموماً في وقت تقترب فيه أجواء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، والذي ستأتي نتيجته حتماََ متأثرة بموقف إدارة ترامب في الأزمة الراهنة، وهو أمر ”مُر“ هو الآخر.
ومثلما اختار أبو فراس الحمداني الأسر باعتباره أهون من الموت، وأشرف من الفرار، اختار ترامب الحصار الذي في نظره هو أهون من استئناف القصف وأشرف من الانسحاب!!
لكن الحقيقة هي أن الحصار يحمل بين جنبيه كلا الخطرين، فهو يمكن أن يقود إلى استئناف القصف مرة أخرى، وذلك احتمال راجح فإحكام الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية يحشر إيران في الزاوية، فتضطر إلى الدفاع عن نفسها بشراسة مما يدفعها إلى استهداف القطع البحرية الأمريكية الموجودة في المنطقة بصواريخها الباليستية أو بأي صورة من صور العمليات الحربية البحرية من أجل فك الحصار، وبالتالي تضطر أمريكا للرد فتكون قد عادت لمربع القصف والحرب لكن هذه المرة مجبرة وبدون إرادتها.
كذلك فإن الحصار يحمل في طياته خطر الانسحاب أيضاً، فيما لو أفلحت إيران في إلحاق أضرار بالغة بالقطع البحرية الأمريكية سواء بالإغراق أو الإحراق مما لا يكون معه بد أمام أمريكا سوى الانسحاب لتفادي المزيد من الخسائر في الآليات وفي الأرواح، وكل هذا بالطبع يكون تحت ضغوط داخلية وخارجية هائلة على الجانب الأمريكي، فاستمرار الحصار يعني استمرار اغلاق مضيق هرمز، مما يعني استمرار الأزمة الاقتصادية العالمية في سلاسل الإمداد وتأثيراتها على أسعار الطاقة وهو أمر يلقي بضغوط كبيرة على أمريكا حتى من قبل حلفائها وأصدقائها المقربين.
وهكذا وضعت إدارة ترامب نفسها من حيث لا تدري في مأزق يبدو الخروج منه مكلف معنوياََ أكثر منه مادياََ، فالدولة العظمى التي تنفرد بامتلاك أكبر وأحدث عتاد عسكري في العالم تعجز عن إنهاء حرب لصالحها بدأتها في مواجهة دولة أنهكتها العقوبات ولا تمتلك سلاح جو ولا أنظمة دفاع جوي متطورة وفقدت قيادات الصف الأول والثاني والثالث من السياسيين والعسكريين والأمنيين بفعل الضربات الأمريكية الإسرائيلية. فهذه مفارقة تضع إدارة ترامب في حرج بالغ.
وفي الضفة الأخرى، في جانب إيران فإن رهانها الحالي على ضيق الخيارات الأمريكية بفعل الضغوط الداخلية في أمريكا لا يمكن التعويل عليه كثيراََ، فقدرة ميكانيزمات النظام السياسي الأمريكي على استحداث البدائل وتجاوز العقبات هي قدرات كبيرة لا يمكن الاستهانة بها، لذلك على طهران أن تبدي مزيدًا من المرونة وتقديم تنازلات في ما هو ”تكتيكي“ لامتصاص ردة الفعل الأمريكية من جهة، ومن جهة أخرى لتقليص الفجوة الفاصلة بينها وبين واشنطن بغرض الالتقاء في المنتصف وهذا يجنبها خيار وضع ما تبقى من قوتها العسكرية والاقتصادية تحت الاختبار و ”مش كل مرة تسلم الجرة“. وأفضل لها ألا تتوغل أكثر في الوحل حتى لا تفقد كل شيء فتجر المنطقة بأسرها معها إلى وضع لا يريد حدوثه أحد وأن تصغى لأصوات أصدقائها وجيرانها بالمنطقة المنادية باعتماد الحل الدبلوماسي وترجيح خيار التسوية والحلول الوسطى.





