أثير - الركابي حسن يعقوب
حلقة أخرى من حلقات مسلسل عرقلة سريان عجلة التفاوض والحل الدبلوماسي أنتجتها إدارة ترامب اليوم الاثنين تحت عنوان “مشروع الحرية”، ويبدو أن هذه الحلقة ستكون الأكثر دراماتيكية في يوميات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فكل المؤشرات تقول إنها ستكون نقطة تحول فارقة في مسار هذه الأزمة.
الرئيس ترامب قال أن المشروع “إنساني” ويهدف إلى تحرير حركة السفن في مضيق هرمز، وقال إن دولًا عديدة -لم يسمها- ولكن وصفها بأنها غير منخرطة في النزاع ومحايدة وبريئة طلبت تدخل الولايات المتحدة للمساعدة في تحرير سفنها العالقة في المضيق، ويشكك الكثير من المراقبين في هذه السردية، ليس فقط لأن ترامب لم يسمِ هذه الدول، بل لأنه من غير المنطقي أن تطلب الدول تحرير سفنها في خضم حالة الشد والجذب وحالة اللاحرب واللاسلم التي تسود المنطقة وأجواء الترقب والانتظار لما ستسفر عنه جهود الوساطة والعملية التفاوضية الجارية بالمراسلة بين طهران وواشنطن. فالوضع الأمثل بالنسبة لملاك السفن العالقة بالمضيق أن يكون فتحه واستئناف الملاحة فيه سلسًا وضمن اتفاق كامل معلن يتم التوصل إليه من قبل الجانبين، وليست عملية أحادية من أحد الطرفين، لأن في ذلك مخاطر كبيرة على سلامة هذه السفن وعلى سلاسة الملاحة.
أخطأت أمريكا باتخاذها هذه الخطوة الأحادية التي لا تفهم في أي سياق غير أنها بمثابة “وضع العصا في الدواليب” والتي سترسخ اعتقادًا في الأذهان أن الرئيس ترامب يتعمد التصعيد وأن الجانب الأمريكي هو المعرقل لجهود ومساعي المسار الدبلوماسي خاصة وأن لدى ترامب ميراث تراكمي من نقض العهود ونسف المفاوضات قبيل وصولها لنهايات إيجابية.
كان من الممكن لأمريكا أن تعرب عن رؤيتها للوسيط الباكستاني وتقدم مقترحًا بهذا المشروع الذي تسميه بـ “الإنساني” كحالة طارئة ليست في صلب قضية إعادة فتح المضيق المختلف حولها، بل كحالة إنسانية طارئة تتعلق بوضع البحارة الذين يعانون أوضاعًا قاسية نتيجة تطاول رسو سفنهم بسبب إغلاق المضيق، وتطلب من الوساطة تولِّي مهمة التنسيق بينها وبين الطرف الإيراني بحيث يتم إنجاز الأمر في إطار قيد زمني متفق عليه، ولا أعتقد أن طهران يمكن أن تمانع حال عرض المقترح عليها بهذه الكيفية، ويمكن أن يؤدي المشروع المسمى إنساني إلى مواجهة مباشرة تهدد حياة البحارة العالقين وحينئذ يتحول إلى “كارثة إنسانية” بحق وحقيقة.
إن تحليل حيثيات هذه الخطوة الأمريكية التي رفعت من وتيرة التصعيد وخلقت أزمة فرعية أخرى هو أن إدارة ترامب تراهن على الخيار العسكري أكثر من رهانها على الخيار الدبلوماسي، وأنها تتخذ هذا المشروع “الإنساني” ذريعة لقلب طاولة التفاوض وتبرير الاتجاه نحو الحرب، وكذلك وسيلة لكسب تأييد الدول المتضررة من إغلاق المضيق وإظهار الولايات المتحدة بأنها تعطي اعتبارًا وأولوية قصوى للبعد الإنساني المترتب على الإغلاق، وهو أمر يصعب تصديقه على أية حال حتى من حلفاء أمريكا أنفسهم.
يحدث هذا من أمريكا بالرغم من أن كل المؤشرات تقول بأن التصعيد في ملف المضيق سواء جاء من قبل طهران أو واشنطن فإن له عواقب اقتصادية وخيمة على الداخل الأمريكي وينتقص بصورة مباشرة من رصيد التأييد للحرب ومن شعبية الرئيس ترامب التي تقول مراصد الاستطلاع أنها آخذة في التدني مع مرور الوقت الذي هو في حقيقته “عد تنازلي” لموعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وتثير هذه الحقيقة الماثلة للعيان أسئلة عديدة حول حرص الحزب الجمهوري على سمعته ووضعيته الانتخابية وما إذا كان يطمح في المحافظة على مستقبله خاليًا من الإخفاقات والفشل الذي يصف به الحزب خصمه الديمقراطي.
إن مشروع الحرية ما هو إلا عود ثقاب سيشعل الحريق في المنطقة فيما لو تمادت أمريكا في المضي في إنفاذه ويعيد الأزمة إلى المربع الأول، وإن من الضروري أن تراجع أمريكا موقفها الأحادي هذا، ويحسن بها أن تقوم بإشراك دول المنطقة في هذا الشأن وعلى رأسها سلطنة عمان التي هي أكثر المعنيين بالأمر بسبب جغرافيتها، وبسبب سابق وساطتها بينها وبين إيران، وبسبب حياديتها وتمسكها بالمسار الدبلوماسي ورؤيتها الواضحة التي هي نهج ترتكز عليه سياستها الخارجية والتي تقوم على تقديم الخيار الدبلوماسي على غيره من الخيارات الأخرى في حل النزاعات.
الدور العُماني الذي قوامه التهدئة هو الأنسب والمخرج الملائم للجميع من هذا المأزق الذي علق فيه العالم ومعه علقت المصالح الاقتصادية وتعطلت فيه التجارة العالمية بصورة غير مسبوقة، فطبيعة هذه الأزمة ليست من قبيل الأزمات التي يتم حلها بالقوة العسكرية والقصف وضرب المنشآت، فالنار لا تُطفأ بالنار، وكل قذيفة تطلق تزيد من ضرامها واشتعالها. فحري بطرفي الأزمة اللجوء إلى التهدئة وتوسيط العقلاء بالمنطقة وإفساح المجال لهم لإعمال الوسائل الدبلوماسية ونزع فتيل الأزمة، وما تزال هناك فسحة من الوقت لتدارك الأمر قبل أن تقع الفأس في الرأس.



