قبل زيارة ترامب إلى الصين: كيف يفكر الصينيون؟

قبل زيارة ترامب إلى الصين: كيف يفكر الصينيون؟
قبل زيارة ترامب إلى الصين: كيف يفكر الصينيون؟
أثير - د. بسام أبو عبد الله
أستاذ العلاقات الدولية
حين يزور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العاصمة الصينية بكين يومي 14 و15 مايو 2026 للقاء الرئيس الصيني شي جي بينغ، في ظل الحرب على إيران، والتوترات الدولية الكبرى، فإن العالم لن يكون أمام لقاء سياسي عادي بين قوتين عظيمتين، بل أمام مواجهة هادئة بين رؤيتين مختلفتين للعالم، وللتاريخ وللقوة، وحتى لطريقة التفكير ذاتها.
ولعل أحد أهم الكتب التي تساعد على فهم هذه الفروقات العميقة هو كتاب The Geography of Thought الذي صدر عام 2003، لعالم النفس الأمريكي ريتشارد نيسبت، تحت عنوان: «جغرافية الفكر: كيف يفكر الآسيويون والغربيون بشكل مختلف… ولماذا؟“.
أهمية هذا الكتاب أنه لا يتحدث عن السياسة مباشرة، بل عن شيء أعمق بكثير: كيف ترى الحضارات العالم؟ كيف تدرك الواقع؟ كيف تفهم التناقض؟ وكيف تتعامل مع الإنسان، والجماعة، والسلطة، والربح، والخسارة؟
وقد بدأت فكرة الكتاب من ملاحظة بسيطة عاشها المؤلف مع أحد طلابه الصينيين في الولايات المتحدة. لاحظ نيسبت أن الطالب الصيني، رغم ذكائه الكبير، لا يفكر بالطريقة الغربية المعتادة. لم يكن يبحث عن جواب نهائي حاسم، بل كان يرى أكثر من احتمال في الوقت نفسه، ويربط الأشياء بسياقها وعلاقاتها، ويتعامل مع التناقض باعتباره جزءًا طبيعيًا من الواقع، ومن هنا بدأ المؤلف رحلته لاكتشاف أن الاختلاف بين الشرق الآسيوي والغرب ليس مجرد اختلاف ثقافي، بل اختلاف في بنية التفكير نفسها.
أولاً، يرى نيسبت أن الغرب الحديث ورث الكثير من العقلية اليونانية القديمة، خاصة من أرسطو حيث يقوم التفكير على فكرة التصنيف، والفصل بين الأشياء، والبحث عن القوانين الثابتة، والحسم المنطقي. فالشيء إما صحيح أو خطأ، خير أو شر، نجاح أو فشل. ولذلك يميل العقل الغربي إلى المباشرة والحسم والمواجهة الواضحة.
أما الصين، فقد تشكل وعيها الحضاري عبر الكونفوشيوسية والطاوية والفكر الشرقي القديم، وخاصة أفكار كونفوشيوس، ولاوزي، حيث العالم ليس مجموعة أشياء منفصلة، بل شبكة علاقات مترابطة ومتغيرة باستمرار، وحيث التوازن أهم من الصدام، والانسجام أهم من الانتصار المؤقت، ومن هنا تظهر واحدة من أهم الأفكار في الفكر الصيني: مفهوم الين واليانغ . Yin and Yang
الغربي غالبًا يفهم الأمور بصورة ثنائية حادة: نور أو ظلام، قوة أو ضعف، خير أو شر. أما الين واليانغ فيقوم على فكرة مختلفة: كل شيء يحمل نقيضه داخله بصورة جزئية. ففي القوة توجد بذور الضعف، وفي الضعف إمكانية التحول إلى قوة. وفي الخير قد تظهر نتائج سلبية، وفي المصيبة قد تولد فرص جديدة.
ولهذا لا يرى الفكر الصيني العالم بطريقة مطلقة ونهائية، بل بطريقة نسبية متحركة. فالأزمة ليست شرًا خالصًا، والانتصار ليس خيرًا مطلقًا، بل كل حدث يحمل داخله احتمالات متعددة ومتغيرة.
وهذا ما يفسر جانبًا مهمًا من السلوك السياسي الصيني. فحين يتعرض الغرب لصدمة أو أزمة، يميل إلى رد فعل مباشر وسريع وحاد. أما الصين فتميل إلى امتصاص الصدمة، وإعادة قراءة المشهد، والتفكير بما يمكن أن تنتجه الأزمة لاحقًا من فرص أو تحولات.
ثانيًا، يشرح الكتاب الفرق الجوهري بين مفهوم الفرد في الغرب، ومفهوم الجماعة في الشرق الآسيوي. ففي الثقافة الغربية، الفرد هو المركز: أي أن نجاح الفرد، وحرية الفرد، ورغبات الفرد، وطموحات الفرد لها الأولوية، ولذلك ينظر الغربي غالبًا إلى المجتمع بوصفه مجموعة أفراد مستقلين.
أما في الصين، فالإنسان يُنظر إليه بوصفه جزءًا من شبكة اجتماعية أكبر: العائلة، والجماعة، والمجتمع، والدولة ولذلك يصبح الحفاظ على الانسجام الاجتماعي قيمة عليا، أحيانًا تتقدم على الرغبات الفردية نفسها. ومن هنا يمكن فهم كثير من السلوكيات الصينية التي تبدو غامضة للغرب. فالصيني يتجنب غالبًا المواجهة المباشرة والإحراج العلني والصدام الحاد، لأنه يرى أن استقرار الجماعة وتوازن العلاقات أهم من انتصار فردي مؤقت.
ولهذا أيضًا تختلف فكرة الحرية نفسها. ففي الغرب تُفهم الحرية غالباً كتحرر الفرد من القيود، بينما تميل الصين إلى ربط الحرية بالاستقرار الجماعي والتنمية والانسجام الاجتماعي.
ثالثًا، هذه الخلفية الحضارية تساعد على فهم التجربة الاقتصادية الصينية الحديثة، والتي تُعد من أكثر الظواهر تعقيدًا في العالم المعاصر، فالصين لم ترفض الرأسمالية بالكامل، لكنها أيضًا لم تستنسخ النموذج الليبرالي الغربي كما هو. بل قامت بما يشبه «تطويع» أدوات السوق داخل منظومة سياسية واجتماعية مختلفة، فقد سمحت بتراكم رأس المال والاستثمار والربح والتنافس الاقتصادي، لكنها أبقت الدولة والمجتمع في موقع القيادة والتوجيه. أي أن الثروة، في الرؤية الصينية، ليست هدفًا فرديًا مطلقًا، بل وسيلة لتعزيز قوة المجتمع والدولة وتقليص الفقر وتحسين البنية العامة.
ولهذا لا تنظر الصين إلى رأس المال كما تنظر إليه الليبرالية الغربية المتوحشة أحيانًا، حيث تتراكم الثروة لدى نسبة صغيرة من الشركات العملاقة والأثرياء، بينما تتآكل الطبقات الوسطى والفقيرة.
الصين حاولت خلق صيغة مختلفة: اقتصاد سوق، ولكن ضمن رقابة الدولة، وبهدف تحقيق النهوض الجماعي، لا مجرد إثراء الأقلية المالية، وقد يختلف كثيرون مع هذا النموذج أو ينتقدونه، لكن لا يمكن إنكار أن خلفيته الثقافية مرتبطة بفكرة الجماعة والانسجام الاجتماعي، لا بفكرة الفرد بوصفه القيمة المطلقة.
رابعًا، يورد الكتاب تجارب مدهشة تكشف اختلاف الإدراك نفسه بين الغربيين والآسيويين. ففي تجربة شهيرة عُرض مشهد لحوض أسماك على أمريكيين ويابانيين. الأمريكيون ركزوا على السمكة الكبيرة البارزة في الصورة، بينما وصف اليابانيون الخلفية والماء والنباتات والعلاقات بين العناصر المختلفة، أي أن الغربي يميل إلى التركيز على العنصر الأساسي المنفصل، بينما ينظر الآسيوي إلى الصورة الكاملة والسياق العام.
وهذا الفارق ينعكس أيضًا في السياسة الدولية. فواشنطن كثيرًا ما تنظر إلى الملفات بمنطق مباشر وسريع: من المنتصر؟ من المهزوم؟ من يربح الآن؟
أما بكين فتنظر إلى الزمن الطويل، وإلى التحولات البطيئة، وإلى موازين القوى المتحركة، وإلى كيفية تجنب الانفجار الكبير والحفاظ على التوازنات.
خامسًا، هنا تحديدًا يمكن فهم طبيعة العلاقة المعقدة بين الصين والولايات المتحدة، وخاصة مع شخصية مثل ترامب، الذي يمثل بصورة واضحة الذهنية الأمريكية المباشرة: الضغط، الحسم، الصفقات السريعة، وإظهار القوة ، أما شي جي بينغ فيمثل مدرسة مختلفة تمامًا، تقوم على الصبر الإستراتيجي، وتراكم القوة بهدوء، وقراءة التحولات على المدى البعيد ، ولهذا كثيرًا ما يخطئ الغرب في فهم الصين، لأنه يحاول تفسيرها بعقله هو، لا بعقلها هي.
إن أهمية كتاب «جغرافية الفكر»، وغيره من الكتب المهتمة بهذا الجانب الثقافي - الحضاري لا تكمن فقط في شرح الفروقات الثقافية بين الشرق والغرب، بل في تقديم مفتاح لفهم عالم يتغير بسرعة، حيث لم تعد الهيمنة الغربية الفكرية والسياسية أمرًا مسلمًا به كما كان بعد الحرب الباردة، فالصين اليوم ليست مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل حضارة كاملة تعود إلى مركز التاريخ العالمي، حاملة معها طريقة مختلفة في فهم الإنسان، والمجتمع، والقوة، والزمن، وحتى معنى النجاح والهزيمة، ولذلك فإن فهم خلفية الصين الفكرية والثقافية والحضارية لم يعد ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة لفهم كثير مما يجري في العالم، من الاقتصاد إلى السياسة، ومن التكنولوجيا إلى الصراعات الدولية، وربما لهذا السبب تحديدًا، ما تزال الصين تبدو غامضة لكثير من الساسة الغربيين، وتعمل الدعاية المضادة لها على تشكيل أحكام مسبقة عنها… لأن المشكلة ليست فقط في تضارب المصالح، بل في اختلاف طريقة رؤية العالم نفسها، ولا أعتقد أن النخب المختصة في أمريكا والغرب لا تعرف هذا الكلام، لكن الإشكالية مرة أخرى أن هناك من يريد أن يكون العالم كله على شاكلته ووفق قيمه فقط.

شارك هذا الخبر