أثير - الركابي حسن يعقوب
في الصراع بين طهران وواشنطن، هناك سمات وقواسم مشتركة تجمع بينهما وتضعهما تحت ذات التأثير، لكن مع اختلاف في الدرجة.
لا مجال للحديث عن تعادل أو تساوٍ في القوة بين الدولتين، فالبون شاسع والشقة كبيرة بينهما؛ فالولايات المتحدة ليست قوة عظمى معترفًا بها عالميًّا فحسب، وإنما الحقيقة هي أنها تنفرد بهذه الصفة بلا منازع في الوقت الراهن.
ورغم أن إيران دولة لها ثقلها الكبير على نطاق الإقليم، وموقعها الجغرافي المميز، وميراثها الحضاري الضخم الضارب في القدم والتاريخ، إلا أنه لا يمكن اعتبارها ندًّا للولايات المتحدة بكل المقاييس.
ولكن رغم هذه الحقيقة المعلومة بالضرورة، فإن الحرب الدائرة بين البلدين في الوقت الراهن أظهرت أوجهًا عديدة من المفارقات والاختلال في موازين القوة بينهما، بصورة ربما تستثير اهتمام الباحثين لدراستها بوصفها حالة تستحق الدراسة والتدوين باعتبارها ظاهرة فريدة في السياسة الدولية.
حينما بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كانت كل التوقعات تشير إلى أنها لن تستغرق وقتًا طويلًا، وبعضها تحدث عن مائة ساعة فقط لتحسم لصالح أمريكا، وهي تقديرات اعتمد أصحابها على حساب القوة المادية بكل أشكالها والفارق فيها بين واشنطن وطهران.
لكن النتائج جاءت مختلفة تمامًا، واستطال أمد الحرب وكانت سجالًا، ولم تستطع إحداهما أن تقضي على الأخرى، وهذه هي النتيجة حتى الآن. صحيح أن دمارًا واسعًا لحق بمنشآت عسكرية وأعيان مدنية إيرانية، وفقدت إيران قيادات سياسية ودينية وعسكرية رفيعة بفعل الضربات الأمريكية والإسرائيلية المتلاحقة، إلا أن ذلك لم يؤدِّ إلى الانهيار الذي كان متوقعًا ويُراد له الحدوث.
وصحيح أيضًا أن إيران أصبحت مثخنة بجراحها، لكنها ما زالت تقف منتصبة القامة على الحلبة، وتتأهب لمواصلة المواجهة، ومن هنا يمكن القول إن ثمة سمات وقواسم مشتركة يرجح أنها وراء هذه المفارقة المحيرة حقيقة.
أولى هذه السمات هي روح العداء المتبادل التي امتدت باستمرار، ودون توقف أو مهادنة، لأكثر من أربعة عقود ونصف. وقد انعكس أثر هذه العداوة على المواجهات بين الطرفين، حيث اتسمت بالشراسة والضراوة والعنف والإصرار على إلحاق الهزيمة بالآخر.
كذلك فإن معادلة الحرب بينهما ذات طبيعة صفرية (Zero-sum game)، بمعنى أن كلا الطرفين يتنازعان حول القيمة نفسها؛ فالولايات المتحدة تريد حرمان إيران من تطوير برنامجها النووي، وأكثر من ذلك، تريد أخذ اليورانيوم المخصب وترحيله إلى الولايات المتحدة طوعًا أو كرهًا وبلا قيد أو شرط، وفي الوقت نفسه ترفض إيران ذلك رفضًا تامًّا، ولا تقبل مجرد فكرة المساومة فيه.
والسمة الثالثة المشتركة بين الطرفين أن كليهما يعتمد على القوة في تحقيق هدفه؛ فأمريكا تعتقد أن في مقدورها تحقيق هدف منع إيران من تطوير برنامجها النووي بواسطة القوة والإكراه، بينما ترى إيران، في الوقت ذاته، أن حماية برنامجها النووي تتم باستخدام القوة أيضًا.
كلتا الدولتين تستخدمان إغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط على الأخرى. وكانت إيران السباقة إلى استخدام هذه الورقة، وما يزال هدفها تشتيت التركيز الأمريكي على قضية البرنامج النووي وصرفه نحو قضية طارئة وتكتيكية، لكنها ذات أثر كبير على أمريكا والعالم، لتنشغل بها أطول فترة ممكنة. وفي المقابل استخدمت أمريكا الورقة نفسها حينما فرضت حصارها على الموانئ الإيرانية، وهي مساحة متصلة بالمضيق، لتضييق الخناق على إيران بغرض حملها على تليين موقفها بخصوص برنامجها النووي.
ونتج عن ذلك أن كلا الطرفين، الأمريكي والإيراني، أصبح عالقًا في أزمة المضيق؛ فإيران تواجه ضغطًا دوليًّا من أطراف أخرى لفتح المضيق وإعادته إلى سيرته الأولى دون أي تغييرات، وأمريكا هي الأخرى تواجه ضغطًا مماثلًا لرفع الحصار الذي أضاف ضغطًا إضافيًّا إلى الأزمة، وبدأ أثره يظهر في الاقتصاد الأمريكي. وفي الوقت ذاته بدأت إيران تشعر بالأثر السلبي للحصار الأمريكي على صادراتها النفطية، في وقت هي في أمسِّ الحاجة إلى عائدات هذه الصادرات.
وأخيرًا، فإن عنصر الوقت يدفع الطرفين دفعًا نحو البحث عن مخرج ووضع حد لحالة المراوحة السائدة الآن، لكن كلا الطرفين لا يريد أن يكون هو البادئ بالصراخ ورفع الراية البيضاء؛ فالشعور الزائد بالكبرياء والأنفة يقيدان حركة كل منهما نحو التقدم إلى منتصف الطريق، وكل منهما يراهن على استسلام الآخر.
وترى إيران أن ورقة الوقت فعالة في الضغط على أمريكا، لذلك فهي حتى الآن لم ترد على الورقة الأمريكية ذات الصفحة الواحدة الهادفة إلى إنهاء الحرب، وتقول إنها ما تزال قيد الدراسة، بينما تبدو أمريكا في عجلة من أمرها، وهو ما يحفّز إيران على مزيد من التباطؤ. والحقيقة أن أمريكا تعلم ذلك، ولكن لا يسعها إلا الانتظار!
ومن كل ذلك يمكن القول إن العودة إلى الحرب لم تعد خيارًا مفضلًا لدى الطرفين؛ فواشنطن ليست على استعداد لمزيد من التورط في المستنقع الإيراني خشية الاستنزاف في ظل حالة عدم اليقين الحالية، لكنها تريد مخرجًا يحفظ ماء وجهها، وكذلك الحال بالنسبة لإيران التي ترى أن العودة إلى الحرب قد تسلبها ما حققته من أهداف تعدّها مكاسب يجب الحفاظ عليها.
وهذه الحالة في موقف الطرفين تُعد مواتية للوصول إلى اتفاق بمساعدة طرف ثالث (وسيط إقليمي)، لا يقتصر دوره على تنظيم المراسلات بين الجانبين فحسب، بل بالانخراط في وساطة شاملة وفاعلة.



