أثير - ريما الشيخ
في وقتٍ تتزايد فيه المخاوف العالمية من عودة بعض الأوبئة الفتاكة إلى الواجهة، عاد فيروس “إيبولا” ليُثير القلق مجددًا بعد إعلان حالات تفشٍ جديدة في عدد من الدول الأفريقية، وسط تحذيرات صحية من خطورة الفيروس وسرعة تدهور المصابين به، رغم محدودية انتشاره مقارنة بالأوبئة التنفسية.
ويُعد إيبولا من أخطر الفيروسات المعروفة عالميًا بسبب ارتفاع معدلات الوفيات المرتبطة به، إضافة إلى طبيعته النزيفية الحادة وتأثيره المباشر على أجهزة الجسم الحيوية.
حول هذا الجانب ، أوضح الدكتور عبدالله بن سالم بن خليفة القيوضي ، استشاري التهابات ومناعة ومكافحة العدوى في حديث مع “أثير”، أن فيروس إيبولا يُصنف ضمن “الفيروسات الخيطية”، وهو من الفيروسات الفتاكة التي تسبب الحمى النزيفية الحادة لدى البشر وبعض الحيوانات، مشيرًا إلى أن أول ظهور معروف للفيروس كان في عام 1976م في مناطق بجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية قرب نهر يُعرف باسم “إيبولا”، والذي استُمد منه اسم الفيروس.
لماذا يُعد إيبولا من أخطر الفيروسات؟
بين الدكتور أن خطورة الفيروس تعود بصورة أساسية إلى ارتفاع معدل الوفيات الناتج عنه، والذي قد يصل في بعض السلالات إلى نحو 90 بالمائة، موضحًا أن الفيروس يمتلك عدة سلالات تختلف في درجة الخطورة والفتك، نتيجة الطفرات الجينية المستمرة التي تطرأ عليه، لافتًا إلى أن سلالة “زائير” تُعد من أكثر السلالات شراسة وخطورة.
وأشار إلى أن فيروس إيبولا لا ينتقل عبر الهواء أو رذاذ التنفس، وإنما ينتقل بالمخالطة المباشرة والقريبة للمصابين، أو من خلال ملامسة سوائل الجسم والإفرازات مثل الدم واللعاب، كما يمكن أن ينتقل عبر التعامل مع الحيوانات المصابة أو تناول لحومها، خصوصًا الحيوانات البرية.
كيف تبدأ الأعراض وتتطور؟
أوضح أن الأعراض الأولية للمرض تبدأ غالبًا بالحمى والتعب الشديد وآلام العضلات والصداع والتهاب الحلق، قبل أن يتطور المرض ليهاجم الجهاز المناعي والأوعية الدموية، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى فشل كامل في وظائف الأعضاء لدى المصابين.
وأضاف أن المراحل المتقدمة من المرض تترافق مع قيء وإسهال حاد، إلى جانب حدوث نزيف داخلي، وقد تظهر حالات نزيف واضحة من الفم أو من فتحات الجسم المختلفة، وهو ما يعكس الطبيعة النزيفية الخطيرة للفيروس.
اللقاحات والعلاج المتوفر
حول وسائل العلاج، أشار القيوضي إلى أن بعض السلالات، مثل سلالة “زائير”، يتوفر لها لقاح، إلا أن السلالة المنتشرة حاليًا لا يوجد لها لقاح معتمد حتى الآن، مؤكدًا في الوقت نفسه عدم وجود علاج مباشر وفعال للقضاء على الفيروس نفسه، وأن العلاج المتاح يعتمد بصورة رئيسية على الرعاية الداعمة للمريض، مثل تعويض السوائل والأملاح ومراقبة الوظائف الحيوية.
كيف تتعامل الأنظمة الصحية مع التفشي؟
أكد الدكتور أن مواجهة أي تفشٍ محتمل للفيروس تتطلب تطبيق بروتوكولات صحية صارمة، تشمل العزل الفوري للحالات المشتبه بها داخل غرف ضغط سلبي مخصصة للأمراض شديدة العدوى، مع إلزام الطواقم الطبية بارتداء الملابس والبدلات الوقائية الكاملة أثناء التعامل مع المرضى.
وأضاف أن إجراءات السلامة تمتد أيضًا إلى التعامل مع حالات الوفاة الناتجة عن الفيروس، حيث يجب أن تتولى فرق متخصصة عمليات تجهيز ودفن الجثامين وفق بروتوكولات دقيقة تمنع انتقال العدوى إلى المحيطين بالمريض أو أفراد أسرته.
الفرق بين إيبولا وكوفيد-19
في مقارنة بين إيبولا وكوفيد-19، أوضح الدكتور أن فيروس كورونا ينتقل عبر الهواء والرذاذ التنفسي؛ ما يجعله أسرع انتشارًا عالميًا، خصوصًا مع إمكانية تنقل المصابين ذوي الأعراض البسيطة بين الدول، بينما يتميز إيبولا بارتفاع نسبة الوفيات لكنه أبطأ انتشارًا بسبب اعتماده على المخالطة المباشرة وسوائل الجسم لنقل العدوى.
كما أشار إلى وجود تشابه بين إيبولا وفيروس “ماربورغ”، إذ ينتميان إلى العائلة نفسها من الفيروسات الخيطية، ويتشابهان في طريقة الانتقال وشدة الأعراض، مع وجود اختلافات محدودة في التركيب الجيني ومعدلات الفتك.
هل يمكن أن يتحول إلى جائحة عالمية؟
أوضح أن احتمالية تحوّل إيبولا إلى جائحة عالمية تبقى محدودة مقارنة بفيروسات الجهاز التنفسي، وذلك لصعوبة انتقاله بين البشر، إضافة إلى أن المريض لا يصبح ناقلًا فعليًا للعدوى غالبًا إلا بعد ظهور الأعراض الحادة عليه، وهو ما يُسهّل على الأنظمة الصحية اكتشاف الحالات وعزلها مبكرًا.
وأشار إلى أن السفر والتنقل الدولي قد يسهمان في انتقال الفيروس من مناطق التفشي إلى مدن ودول أخرى خلال فترة الحضانة، والتي تتراوح بين يومين و21 يومًا، إلا أن طبيعة انتقال المرض تبقى عاملًا أساسيًا في الحد من تحوله إلى وباء عالمي واسع الانتشار.
لماذا تتكرر الفاشيات في بعض الدول الأفريقية؟
بيّن الدكتور أن بعض الدول الأفريقية تُعد بيئة مناسبة لظهور هذه الفيروسات بسبب وجود الخفافيش، خصوصًا “خفافيش الفاكهة”، التي تُعد المستودع الطبيعي لفيروس إيبولا، إضافة إلى بعض العادات المحلية مثل صيد الحيوانات البرية وتناول لحومها، إلى جانب ضعف البنية الصحية والنزاعات والحروب التي تعيق عمليات الرصد والاستجابة الصحية السريعة.
إجراءات وقائية ضرورية
دعا الدكتور عبدالله الأفراد إلى الالتزام بإجراءات الوقاية الأساسية، وعلى رأسها الاهتمام بالنظافة الشخصية وغسل اليدين باستمرار، خصوصًا أثناء السفر، وتجنب زيارة المناطق التي تشهد تفشيًا للأوبئة، إضافة إلى الابتعاد عن مخالطة الحيوانات البرية أو التعامل مع لحومها، خصوصًا الخفافيش والقرود.
وأكد أن إعلان منظمة الصحة العالمية لحالات الطوارئ المرتبطة بإيبولا يهدف بالدرجة الأولى إلى حشد الدعم الدولي ومساعدة الدول المتضررة على احتواء التفشي ومنع امتداده إلى مناطق أخرى، خصوصًا في الدول ذات الإمكانات الصحية المحدودة.





