أثير- الركابي حسن يعقوب
رغم أن الصيغة النهائية للاتفاق الإيراني الأمريكي لم تكشف بعد حتى لحظة كتابة هذا المقال، إلا أن التسريبات التي خرجت إلى العلن - وهي تسريبات مقصودة كبالون اختبار - تتمحور بصورة رئيسية حول ثلاثة بنود أساسية، وهي تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماًا قابلة للتمديد، وإعادة فتح مضيق هرمز والسماح لإيران بتصدير نفطها، وإطلاق مسار تفاوضي حول البرنامج النووي الإيراني.
ووفقًا لهذه الخطوط العريضة للاتفاق المحتمل الذي من المتوقع الإعلان عنه خلال ما تبقى من هذا اليوم (الأحد)، فإن إسرائيل الطرف الحاضر في الحرب، الغائب في المفاوضات هي الخاسر الوحيد في كل هذا الحراك، ويمكن القول بأنها “خرجت من المولد بدون حمص” كما يقول المثل الشعبي.
فإسرائيل التي أوعزت لترامب بشن الحرب على إيران كان هدفها الأول والأخير هو تغيير النظام في إيران بنظام آخر موالٍ لها وللغرب بالعموم والتخلص نهائيًا من “الحرس القديم”، أو على الأقل إيجاد وضع فوضوي يفضي إلى تقسيم إيران وتشظيها ومن ثم التغلغل في عمق البلاد والعربدة الاستخباراتية فيها والتمكن من الاستيلاء على اليورانيوم المخصب وتدمير المنشآت النووية الإيرانية.
ولهذا السبب عملت إسرائيل على تخريب المفاوضات بين طهران وواشنطن مرتين وفي اللحظات الأخيرة والتي كانت برعاية ووساطة سلطنة عمان حينما استشعرت تل أبيب “الخطر” بقرب الطرفين التوصل لاتفاق ينهي الأزمة.
وهو ما لا تريده إسرائيل، فهي ضد مبدأ إبرام اتفاق - أي اتفاق - بين إيران وامريكا، لأن هذا يتعارض مع أهدافها كلية، ليس لإسرائيل أي تحفظات على البنود التي قد يتضمنها أي اتفاق يتم التوصل إليه لأنها غير معنية بها طالما هي خارج نطاق أهدافها التي أشرنا إليها آنفًا.
لذلك ساء إسرائيل أن تتوج المساعي الباكستانية والخليجية باتفاق ينهي الحرب، والحرب هي هدف إسرائيل الأول نجحت في تحقيقه بادي الرأي ولكنها عجزت عن جني ثمارها بحسب منظورها الخاص، ولا تستطيع إسرائيل شن الحرب على طهران بمفردها بمعزل عن أمريكا وهذه هي معضلة إسرائيل الكبرى.
ساء تل أبيب أن يتم الاتفاق على وقف إطلاق نار لمدة 60 يوما قابلة للتمديد وهي مدة في حسابات نتنياهو طويلة الأمد وتقضي على آماله في كسب دعم الشارع الإسرائيلي المؤيد للحرب له وتراجع حظوظه في الفوز في الانتخابات.
إن إعادة فتح مضيق هرمز في المنظور الإسرائيلي يعد نصرًا لطهران مرتين، مرة عند استخدامها للمضيق كورقة ضغط في مواجهة أمريكا ، ومرة حين آتت هذه الورقة أكلها وأصبحت بندا أساسيا في الاتفاق.
وترى إسرائيل أن إعادة فتح المضيق يفك الخناق الدولي عن عنق طهران وتل أبيب كانت تطمح في أن يحكم هذا الخناق على إيران لإضعاف موقفها وتأليب العالم عليها وبالتالي تبرير شن الضربات عليها.
كذلك فإن السماح لطهران بتصدير نفطها وفق مسودة الاتفاق يعني في حقيقته فك الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية وبالتالي عودة الروح للاقتصاد الإيراني وما لذلك من انعكاسات على قدرة طهران على إعادة بناء قوتها.
وفيما يتعلق بالملف النووي فإن مسودة الاتفاق تنص على “التزام” إيران بعدم تطوير أسلحة نووية والانخراط في مفاوضات لتعليق تخصيب اليورانيوم والتخلص من المخزون عالي التخصيب وترى إسرائيل أن مبدأ التفاوض حول الملف في حد ذاته مكسب لإيران وقد تفضي المفاوضات في نهاية المطاف إلى اتفاق شبيه لاتفاق الرئيس أوباما الذي تحلل منه ترامب.
وتأتي قاصمة الظهر لإسرائيل فيما تسرب من مسودة الاتفاق فيما يخص الجبهة اللبنانية حيث يتضمن بندًا لإنهاء المواجهات بين إسرائيل وحزب الله في لبنان وهو آخر ما يريده نتنياهو الذي يريد إطلاق يده في لبنان دون أن يترتب على ما يقوم به من اعتداءات فيه أي مسؤولية.
وفوق هذا وذاك فإن إسرائيل ترى أن إبرام واشنطون اتفاقًا مع طهران يعني الاعتراف بشرعية النظام فيها وهو أمر يناقض رؤية إسرائيل وينسف كل ما خططت له و " كأنك يا زيد ما غزيت“!.
وأكثر ما يُشعر إسرائيل بخيبة الأمل في هذا الاتفاق هو أن قوىً إقليمية على علاقة جيدة معها رمت بثقلها خلف الاتفاق وحثت واشنطن على قبوله.
وبناء عليه وفي التحليل الأخير فإن إسرائيل لن تألو جهدًا ولن تدخر وسعًا في السعي لإفشال الاتفاق ونسفه بطريقة أو بأخرى خاصة في أيامه الأولى ولما يزل هشا بعد فهل سيصمد الاتفاق في وجه المساعي الإسرائيلية الرامية لنسفه، أم سينهار وتعود الأزمة برمتها إلى المربع الأول.؟
هذا ما تصعب الإجابة عنه في الوقت الراهن..





