أثير- د. محمد بن حمد العريمي
حظيت الكتابة والنَّسخ بمكانةٍ رفيعة في المجتمع العُماني عبر مختلف الحقب التاريخية، إذ أدرك العُمانيون منذ وقتٍ مبكر قيمة الكلمة المكتوبة في حفظ العلوم والمعارف وصون الذاكرة الدينية والثقافية للمجتمع، وقد ازدهرت حركة النَّسخ في عُمان ازدهارًا ملحوظًا، خصوصًا في ظل غياب الطباعة في الفترات القديمة، فأصبحت المخطوطات الوسيلة الأساسية لتداول العلم ونقله بين الأجيال، ولم يقتصر اهتمام النُّسّاخ العُمانيين على نسخ كتب الفقه واللغة والتفسير والسير فحسب، بل امتد ليشمل الخطب الدينية، والأدعية، والرسائل، والقصائد، والوثائق الرسمية؛ ما يعكس اتساع الثقافة الكتابية في البيئة العُمانية.
ومن بين النصوص التي حظيت بعنايةٍ خاصة خطبُ الجُمَع والأعياد، لما تمثله من حضورٍ ديني واجتماعي مؤثر في حياة الناس، فقد كانت هذه الخطب تُلقى في المناسبات الجامعة التي يلتف فيها المجتمع حول قيم الدين والوحدة والتكافل، ولذلك حرص العلماء والنسّاخ على تدوينها ونسخها لتكون مرجعًا للخطباء والأئمة، ولضمان استمرار تداول مضامينها بين الناس. كما ارتبطت خطب الأعياد تحديدًا بطابعٍ احتفالي وروحي، يتناول معاني الفرح المشروع، والتقوى، وصلة الرحم، وتعظيم الشعائر الإسلامية، الأمر الذي منحها مكانةً خاصة في الوجدان الشعبي.
ولم يكن اهتمام العُمانيين بهذه الخطب مقتصرًا على مضمونها الديني فحسب، بل امتد إلى العناية بجوانبها البلاغية والفنية، فقد جاء كثيرٌ من هذه النصوص مشحونة بأساليب البيان والفصاحة، من سجعٍ وموازنةٍ واستشهادٍ بالآيات والأحاديث، بما يعكس تمكّن الخطباء من أدوات اللغة العربية وعلوم البلاغة. كما أولى النُّسّاخ عناية واضحة بجماليات الخط وتنسيق النصوص، فاستخدموا الأحبار الملوّنة لإبراز العناوين والكلمات المهمة، واعتنوا بتوزيع الأسطر وتناسق الحروف، لتتحول المخطوطات إلى أعمالٍ فنية تجمع بين قيمة المضمون وروعة الشكل، ومن خلال هذه المخطوطات يمكن استقراء الذائقة الفنية والثقافية للمجتمع العُماني، ومدى تقديره لفنون الكتابة والخط العربي بوصفها جزءًا من الهوية الحضارية والإسلامية.
"أثير" تقترب في هذا التقرير من إحدى خطب عيد الأضحى المبارك المحفوظة في خزانة الشيخ ناصر بن راشد الخروصي، والتي كتبها أحد أشهر النُّسّاخ العُمانيين في القرن الثاني عشر الهجري، ألا وهو الشيخ مسعود بن عمر بن سالم بالرغوم، وذلك في 23 ذي الحجة سنة 1123هـ الموافق 17 يناير 1712م، أي قبل ما يقارب (314) عامًا من اليوم، في صورةٍ تعكس جانبًا من عناية العُمانيين المبكرة بتدوين الخطب الدينية ونسخها وحفظها ضمن تراثهم العلمي والثقافي.
وتحمل هذه المخطوطة دلالاتٍ تاريخية وثقافية مهمّة، فهي لا تمثل مجرد نص ديني ارتبط بمناسبة عيد الأضحى المبارك، بل تكشف كذلك عن ازدهار حركة النسخ والكتابة في المجتمع العُماني خلال تلك الفترة، واهتمام العلماء والنُّسّاخ بحفظ النصوص المتداولة في المساجد والمجالس العامة، لتظل حاضرة في الذاكرة الدينية والاجتماعية للأجيال المتعاقبة. كما تُبرز المخطوطة المستوى الفني الذي وصل إليه الخط العربي لدى النُّسّاخ العُمانيين، من خلال جماليات الخط، وتنسيق الأسطر، واستخدام اللون الأحمر لإبراز بعض الكلمات والعلامات المهمة، في تقليد فني اشتهرت به المخطوطات العُمانية القديمة.

وصف المخطوطة
تقع هذه المخطوطة في أربع عشرة صفحة كُتبت بخطٍّ عربي واضح يميل إلى الطابع العملي الذي عُرفت به كثيرٌ من المخطوطات العُمانية في القرن الثاني عشر الهجري، مع عنايةٍ ملحوظة بجماليات الترتيب وتناسق الأسطر، وقد استخدم الناسخ الشيخ مسعود بن عمر بالرغوم الحبر الأسود لكتابة المتن، فيما لجأ إلى اللون الأحمر لإبراز بعض الكلمات والعلامات والعناوين المهمة، وهي سمة فنية شائعة في المخطوطات العُمانية القديمة بهدف تسهيل القراءة وإضفاء بعدٍ جمالي على النص.

وتبدو صفحات المخطوطة متوسطة الحجم، كُتبت على ورقٍ يدوي تظهر عليه آثار الزمن من اصفرارٍ خفيف وتجاعيد وثنيات ناجمة عن كثرة التداول والاستعمال؛ ما يدل على أن المخطوطة لم تكن محفوظة للزينة فحسب، بل استُخدمت في القراءة والإلقاء والاستفادة المباشرة. كما تتفاوت كثافة الحبر في بعض المواضع نتيجة طبيعة أدوات الكتابة القديمة، وتظهر أحيانًا بعض التلطخات وآثار الرطوبة الخفيفة، وهي من السمات المعتادة في المخطوطات التي تجاوز عمرها ثلاثة قرون.
ومن الناحية الفنية، حافظ الناسخ على انتظام عدد الأسطر وتقاربها، مع ترك مسافات محدودة بين الفقرات، فيما برزت بعض العبارات بخط أكبر نسبيًا أو بعلامات حمراء للتأكيد والتنبيه. كما تكشف المخطوطة عن تمكّن الناسخ من قواعد الخط العربي، خصوصًا في طريقة رسم الحروف وتوزيع الكلمات وتوازن الكتل الكتابية داخل الصفحة، وتُظهر الصفحات الأخيرة بعض الإضافات والتقييدات بخط أصغر، من بينها إثبات تاريخ النسخ واسم الناسخ، وهي من العناصر المهمة التي تمنح المخطوطة قيمتها التوثيقية والتاريخية.

وقد بدأت الخطبة بعبارة: " بسم الله الرحمن الرحيم، الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، الحمد لله على يوم الحج الأكبر ويوم عرفات ويوم المشعر“، بينما انتهى آخر المخطوط بعبارة: “ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على رسوله سيدنا محمد النبي وآله وسلم تمت الخطبة الحسنة والحمد لله رب العالمين”
وتعكس هذه المواصفات مجتمعة جانبًا من تطور فن النسخ في عُمان خلال تلك المرحلة، ومدى العناية التي أوليت للمخطوطات الدينية، سواء من حيث جودة الكتابة أو المحافظة على النصوص المتداولة في المناسبات الدينية الكبرى، مثل خطب الأعياد والجُمَع.

خاتمة الخطبة
في خاتمة المخطوطة حرص الناسخ على تدوين البيانات التوثيقية الخاصة بعملية النسخ، وهي عادةٌ درج عليها النُّسّاخ العُمانيون لإثبات زمن الكتابة ومكانها واسم الناسخ، حيث دوّن في نهاية الصفحة الرابعة عشرة نصًّا يشير فيه إلى اكتمال نسخ الخطبة في ضحى يوم الأحد 23 ذي الحجة سنة 1123هـ، الموافق 17 يناير 1712م، موضحًا أن النسخ تمّ في منطقة من “برّ السند”، وذلك في عهد الإمام سلطان بن سيف اليعربي الثاني.
وجاء في النص الذي أثبته الناسخ:" وتمت الخطبة الحسنة والحمد لله رب العالمين وكان تمامها ضحى الأحد من 23 ذي الحجة من شهور سنة 1123 من الهجرة النبوية على يد الخويدم الضعيف مسعود بن عمر بن سالم بن حسن بالرغوم بيده نسخها لنفسه وذلك ببلد .... من بر السند بعصر سيده الإمام سلطان بن سيف اليعربي“.
وتكتسب هذه الخاتمة قيمةً تاريخية مضاعفة لأنها تربط المخطوطة بزمن سياسي محدد، هو عصر الإمام سلطان بن سيف اليعربي الثاني، أحد أئمة دولة اليعاربة الذين شهدت عُمان في عهدهم نشاطًا بحريًا وتجاريًا واسعًا، الأمر الذي يعزز أهمية المخطوطة بوصفها شاهدًا على الحياة العلمية والثقافية العُمانية في مطلع القرن الثاني عشر الهجري.


التعريف بالكاتب
أما كاتب الخطبة فهو الشيخ مسعود بن عمر بن سالم بن حسن بالرغوم الإزكوي، وهو عالم ونساخ ومصحح مخطوطات عُماني بارز ينتمي إلى ولاية إزكي (تحديدا من حارة اليمن)، وعاش في القرن الثاني عشر الهجري (القرن الثامن عشر الميلادي). ينحدر من عائلة علمية مشهورة؛ فوالده هو الشيخ العالم عمر بن سالم بن حسن بالرغوم الإزكوي.
عُرف الشيخ مسعود بدوره الكبير في حفظ التراث العلمي والفقهي العُماني من خلال نسخ المخطوطات والكتب الفقهية، ومن بينها: مخطوطة كتاب بيان الشرع (الجزء 32): قام بنسخ هذا الجزء الذي يضم مسائل فقهية في الأحكام والشهادات، وأتم نسخه بتاريخ 23 شوال 1145 هـ، ومخطوطة خطبة عيد الأضحى: قام بنسخها لنفسه، وفرغ منها في ضحى يوم الأحد 23 ذي الحجة سنة 1123 هـ. ومخطوطة سِيَر متفرقة: كتاب يضم خطباً وسيراً مأثورة، أتم نسخه في نهار الأربعاء 7 ربيع الآخر 1139 هـ. مخطوطة منثورة الأشياخ (الجزء 2): تشير بعض الدراسات التوثيقية للمخطوطات العُمانية إلى احتمال أن يكون هو الناسخ الأول لهذا المخطوط الفقهي الذي يتناول أحكام المعاملات والدعاوى، ومخطوطة المختصر في النحو للحسن بن إسحاق بن أبي عبّاد اليمني المتوفي سنة 590 هـ، نسخها ليلة الأربعاء 7 ربيع الآخر سنة 1141هـ لناصر بن عبدالله المسروري، وتوجد نسختها في دار المخطوطات العماني بوزارة الثقافة والرياضة والشباب، و(بصيرة الأحكام) لمؤلفه الشيخ عثمان بن أبي عبدالله بن أحمد العزري النزوي، في يوم الثلاثاء18 صفر سنة 1118هـ، وتوجد نسخته في دار المخطوطات العماني بوزارة الثقافة والرياضة والشباب.





