أثير-د. زاهر بن بدر الغسيني، أكاديمي مُتخصص في التفاعل الثقافي والعالم الإسلامي
أثار التصريحان الأخيران للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت موجة واسعة من النقاشات السياسية والإعلامية، ليس فقط بسبب ما تضمَّناه من رسائل مباشرة تحمل تهديدًا تجاه سلطنة عُمان وما ارتبط بهما من إشارات إلى ملفات الملاحة الدولية في مضيق هرمز؛ بل لأنهما يتجاوزان في دلالتهما المستوى الإجرائي للخطاب السياسي إلى مستوى أعمق يتعلق بكيفية تمثيل الدول داخل البنى الرمزية للنظام الدولي. ومن هنا، فإن التعامل مع هذه التصريحات بوصفها مواقف أو ردود فعل سياسية يُعدُّ قراءة مُختزلة تغفل البُعد البنيوي الأعمق، إذ تبرز قراءة أكثر تركيبًا تنتمي إلى حقل التفاعل الثقافي، ويُقصد به هنا الإطار التحليلي الذي يدرس آلية تشكُّل إدراك الدول ومواقعها ضمن النظام الدولي، لا بمعناه التداولي العام المرتبط بالتبادل الثقافي أو المظاهر الحضارية والفنية.
وترتكز فرضية مركزية في دراسات التفاعل الثقافي على أن النظام الدولي لا يُدار عبر توازنات القوة أو الحسابات الإستراتيجية المباشرة، بل يُعاد إنتاجه باستمرار من خلال ما يُعرف بـ“السردية” بوصفها بنية تفسيرية تُشكَّل عبر الخطابات السياسية والثقافية والإعلامية، وتُسهم في تنظيم طريقة فهم الدول والأحداث داخل الوعي الدولي. وبذلك، لا تُفهم صورة الدولة في العلاقات الدولية بوصفها معطًى ثابتًا، بل بوصفها نتيجة لطريقة تفسيرها داخل هذه السرديات، التي تُعيد تشكيل إدراك الآخر لها، وتحدد في الوقت نفسه حدود حضورها السياسي، وما يُنظر إليه بوصفه سلوكًا مشروعًا أو غير مشروع ضمن الفضاء الدولي. وفي هذا السياق، تتبلور (السردية العُمانية) بوصفها أنموذجًا كاشفًا لكيفية تشكُّل السرديات في سياقات دولية معقدة، إذ إن موقع سلطنة عُمان ودورها التاريخي لا يُفهمان بوصفهما نتاجًا ظرفيًا، بل بوصفهما امتدادًا لبنية إدراكية تراكمت عبر الزمن وأنتجت لها تموضعًا خاصًا داخل النظام الإقليمي والدولي، يرتكز على التوازن وإدارة التعدد بدل الانخراط في منطق الاستقطاب. وعليه، فإن عُمان لا تُقدَّم في هذا السياق كحالة تُجسد كيفية تحوُّل الدور السياسي إلى صورة مستقرة داخل الإدراك الدولي، ممَّا يجعلها مدخلًا مناسبًا لفهم تفاعل السرديات مع الواقع السياسي.
وفي ضوء هذا الإطار، يمكن قراءة العلاقات (العُمانية – الأمريكية) والتصريحات المرتبطة بها بوصفها لحظة تكثيف لهذا البناء الإدراكي، لا مجرد حدث سياسي منفصل، بما يسمح بإبراز كيفية اشتغال السردية في إعادة إنتاج موقع سلطنة عُمان داخل الوعي الدولي، فرغم أن هذه العلاقات تمتد إلى عقود من التعاون والتفاهم في عدد من الملفات الدولية، فإن اللافت في التصريحات الأمريكية الأخيرة أنها جاءت بصياغة ذات طابع حاد، على نحوٍ يتجاوز الرصيد التراكمي للعلاقات بين البلدين، ممَّا يدفع قراءتها إلى ما هو أبعد من بُعدها الظرفي، بوصفها تعبيرًا عن كيفية تموضع عُمان داخل الإدراك السياسي الأمريكي، وهو إدراك يتقاطع مع النهج العُماني في إدارة علاقاتها القائم على التوازن والحفاظ على مساحات التواصل، لا سيما مع إيران، إذ تستند هذه العلاقات إلى هندسة دقيقة للتوازن تضمن استمرار قنوات الاتصال في الملفات الحساسة، وفي مقدمتها أمن الملاحة في مضيق هرمز، بما يجعل عُمان فاعلًا يسهم في ضبط الإيقاع الإقليمي وتثبيت حدّ أدنى من الاستقرار في بيئة تتسم بارتفاع التوتر وتداخل الحسابات.
تاريخيًا، تشكَّلت سلطنة عُمان ضمن فضاء جغرافي مفتوح على المحيط الهندي وبحر العرب، وهو فضاء لم يكن مجرد نطاق مكاني، بل كان مجالًا حضاريًا تفاعليًا بامتياز، إذ أسهم في إنتاج بنية ثقافية قائمة على التعدد والتعايش وإعادة تشكيل الهُوية عبر التفاعل المستمر مع الآخر، ومن هذا المنطلق، يمكن فهم السياسة الخارجية العُمانية بوصفها امتدادًا لبنية ثقافية ترتكز على منطق تفاعلي يعيد تعريف العلاقة مع البيئة الدولية، بما يجعل من التفاعل والتوازن عنصرين بنيويين في إدراك الدولة لموقعها ودورها، وفي المقابل، تسود في عدد من التصورات الدولية مقاربات ثنائية حادة تميل إلى اختزال سلوك الدول في أنماط من الاصطفاف، بحيث يغدو موقع الدولة داخل خريطة الاستقطاب المحدد الرئيس لهُويتها السياسية في الوعي الدولي، غير أن المقاربة العُمانية لا تنخرط في هذا الإطار الاختزالي، بل تعمل على تفكيكه عبر الانتقال من منطق “الاصطفاف” إلى منطق “إدارة العلاقة”، إذ لا يُقاس الفعل السياسي بمدى الانحياز، بل بقدرته على الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة، وتوسيع مساحات الوساطة، وتعزيز إمكانات التفاعل بين أطراف تتباين مصالحها وتصوراتها.
ومن ثَمَّ؛ فإن التصريحات الأمريكية تُقرأ بوصفها لحظة تقاطع بين بنيتين رمزيتين مختلفتين في فهم العلاقات الدولية، تتمثل الأولى في بنية تستند إلى مركزية الاصطفاف والاستقطاب، وهو تصور كثيرًا ما يظهر في الخطابات السياسية للقوى الكبرى عندما تتعامل مع القضايا الدولية من منظور التوازنات الصراعية. أما البنية الثانية، فتُجسدها التجربة العُمانية التي ترتكز على التفاعل الثقافي وإدارة الاختلاف بوصفهما أساسًا لإنتاج الاستقرار، وتُقدم أنموذجًا يمكن توصيفه في أدبيات التفاعل الثقافي بـ“الدولة الوسيطة ثقافيًا“، أي: الدولة التي لا تقتصر وظيفتها على إدارة علاقاتها الخارجية، بل تمتد إلى إعادة تشكيل بيئة التفاعل الثقافي والسياسي عبر بناء الثقة وتخفيف حدة التناقضات بين الأطراف المختلفة، فالثقافة هنا لا تُفهم بمعناها التداولي العام المرتبط بالإنتاج المعرفي والفني، وإنما بوصفها منظومة إدراكية تُنظم أنماط التفاعل بين الفاعلين، وآلية إدراكهم لبعضهم داخل البيئة الدولية، ويتجلَّى ذلك في السياسة العُمانية التي تتأسس على بناء التوازنات الدبلوماسية، وإدارة العلاقات المتعددة دون الانخراط في منطق الاصطفاف الحاد، بما يعكس ممارسة ذات بُعد ثقافي في الفعل السياسي أكثر من كونها مُجرَّد خيار سياسي ظرفي. ومن المفارقات اللافتة أن التصريحات الأمريكية - رغم ما حملته من نبرة تهديد تجاه عُمان - انعكست إيجابًا بشكل يُعيد تثبيت أهميتها داخل بنية الإدراك السياسي العالمي؛ إذ إن الدول التي لا تمتلك وزنًا وظيفيًا أو أثرًا تفاعليًا لا تتحول عادة إلى موضوع حاضر في خطاب القوى الكبرى، ولا تُستدعى بوصفها عنصرًا ذا دلالة في سياقاتها السياسية. وعليه، فإن حضور عُمان في هذه التصريحات يعكس إدراكًا متزايدًا لدور دولة تمتلك رصيدًا تراكميًا من الثقل السياسي والدبلوماسي، مكَّنها من الاضطلاع بأدوار فاعلة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية التي ارتبطت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتوازنات ومصالح قوى دولية كبرى.
وفي ضوء ما سبق، فإن أهمية عُمان في سياق مقاربة التفاعل الثقافي تتجاوز في المرحلة الراهنة مُحددات الموقع الجغرافي أو الوزن السياسي التقليدي، لتتصل بقدرتها على الإسهام في إعادة تشكيل تصور مفهوم القوة داخل النظام الدولي، ذلك أن القوة لم تعد تُختزل في القدرات المادية أو أدوات النفوذ المباشر، بل أصبحت تُقاس بمدى القدرة على اتخاذ القرار السيادي المستقل، وامتلاك بعض الدول حيزًا من الفعل السيادي يُمكنها من قول “نعم” و“لا” في التوقيت المناسب، بوصفه تعبيرًا عن سيادةٍ سياسيةٍ لا تُبنى على ردود الفعل، بل على رؤية متماسكة لإدارة تعقيدات السياق الدولي. وبالتالي، فقد أظهرت التصريحات الأمريكية إدراكًا مُتزايدًا لمكانة عُمان بوصفها فاعلًا قادرًا على إدارة التوازن في سياقات إقليمية ودولية معقدة، بما يجعل حضورها في الخطاب الدولي مؤشرًا على دور يتجاوز الإطار الإجرائي للدبلوماسية التقليدية، ليعكس إسهامًا في إعادة صياغة فهم العلاقات الدولية على نحو يُقدم إدارة الاختلاف بوصفها بديلًا عن الاستقطاب والصدام.





