“الموانئ الخضراء”: كيف تعيد سلطنة عمان رسم خريطة اللوجستيات العالمية؟

“الموانئ الخضراء”:  كيف تعيد سلطنة عمان رسم خريطة اللوجستيات العالمية؟
الحياد الصفري الكربوني
أثير - مازن المقبالي
في عالم الملاحة الدولية الذي يعيد رسم قواعده تحت ضغط الانبعاثات الكربونية والضرائب البيئية، لم تعد الموانئ تقاس بعدد الحاويات والبضائع فحسب، بل بقدرتها على التحول إلى مراكز لوجستية خضراء. وفي هذا السياق، تبرز سلطنة عمان كلاعب يسعى إلى تحويل موقعه الجغرافي الاستراتيجي إلى ميزة تنافسية قائمة على الاستدامة والتقنيات النظيفة.
من التوجيهات السامية إلى التشغيل الفعلي
التحول الذي تشهده المنظومة اللوجستية العمانية اليوم يعود إلى مسار بدأ منذ عام 2022، حين وجه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- باعتماد عام 2050 موعدًا لتحقيق الحياد الصفري الكربوني، وإعداد خطة وطنية للوصول إليه، إلى جانب إنشاء مركز عمان للاستدامة للإشراف على خطط وبرامج الحياد الصفري.
ومنذ ذلك الحين، انتقلت السلطنة تدريجيًا من مرحلة الدراسات والتخطيط إلى مرحلة التنفيذ العملي، عبر توقيع شراكات واتفاقيات دولية في مجالات الهيدروجين الأخضر والوقود منخفض الانبعاثات والبنية الأساسية المرتبطة بها.
مركز عمان للحياد الصفري: إدارة مركزية للملف المناخي
شكّل إنشاء “مركز عُمان للحياد الصفري” بموجب القرار الوزاري رقم (35/2024) نقطة تحول في إدارة الملف المناخي، إذ انتقلت السلطنة من نهج المبادرات المتفرقة إلى منظومة مؤسسية تتولى التخطيط والمتابعة وإصدار الشهادات والمتاجرة بالكربون.
ويعكس وجود جهات سيادية واقتصادية ضمن اللجنة التوجيهية للمركز، مثل وزارات الخارجية والمالية والاقتصاد وجهاز الاستثمار العُماني، أن ملف الحياد الصفري بات يُنظر إليه كمسار اقتصادي واستراتيجي متكامل، وليس مجرد التزام بيئي.
ويهدف المركز إلى:
* تحديث استراتيجية الحياد الصفري حتى 2050.
* تقديم الدعم الفني للقطاعين الحكومي والخاص.
* متابعة تنفيذ مشاريع كفاءة الطاقة.
* بناء القدرات الوطنية وتعزيز الوعي في مجالات الاستدامة.
شراكات دولية تؤسس لاقتصاد الطاقة النظيفة
ضمن هذا التوجه، وقعت سلطنة عمان عددًا من الاتفاقيات الدولية التي تعزز حضورها في سوق الطاقة النظيفة، من بينها:
* مذكرة تفاهم مع بلجيكا لدعم مشروع “هايبورت الدقم” وتصدير الهيدروجين الأخضر إلى أوروبا.
* شراكة بين مجموعة أوكيو وشركة تكنولوجيا الغاز الكورية لتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر.
* ثلاث اتفاقيات مع هولندا في مجالات الهيدروجين المُسال والبنية الأساسية لنقل الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى شراكة مع شركة “Royal Vopak”.
هذه الاتفاقيات تعكس انتقال السلطنة من مرحلة دراسة اقتصاد الهيدروجين إلى بناء سلاسل قيمة فعلية مرتبطة بالإنتاج والتصدير والخدمات اللوجستية.
الموانئ الخضراء ، ما وراء أرقام النمو
أظهر اللقاء الإعلامي لوزارة الطاقة والمعادن لعام 2026 نمو إيرادات قطاع الموانئ بنسبة 17.4%، مع مناولة أكثر من 143 مليون طن من البضائع و5.1 مليون حاوية نمطية.
غير أن دلالة هذه الأرقام لا ترتبط فقط بحجم النشاط التجاري، بل أيضًا بالتحول البيئي للموانئ العمانية، التي أصبحت أكثر جذبًا لشركات الملاحة العالمية الساعية لتقليل تكاليف الانبعاثات والضرائب البيئية، مثل نظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات (ETS).
وفي هذا الإطار، يمثل مشروع تزويد السفن بالطاقة الكهربائية أثناء الرسو (Shore Power) في ميناء صحار خطوة عملية نحو تقليل الانبعاثات، عبر تمكين السفن من إيقاف محركاتها أثناء التوقف داخل الميناء.
اقتصاد دائري يتجاوز مناولة البضائع
التحول اللوجستي في السلطنة لم يعد مقتصرًا على الموانئ التقليدية، بل امتد إلى بناء اقتصاد دائري متكامل قائم على الصناعات والخدمات الخضراء، عبر مسارين رئيسيين:
- الميثانول الأخضر والوقود منخفض الكبريت
تسعى السلطنة إلى إنتاج وقود بحري منخفض الانبعاثات داخل موانئها، بما يسمح بتحويلها إلى محطات تزويد إقليمية لـ “وقود المستقبل”.
- إعادة تدوير السفن بالتقنيات الخضراء
اتفاقيات الامتياز الخاصة بتقطيع وإعادة تدوير السفن بطاقة تصل إلى 70 سفينة سنويًا تفتح قطاعًا اقتصاديًا جديدًا قائمًا على المعايير البيئية الحديثة، مع فرص متوقعة للشركات المحلية الصغيرة والمتوسطة.
التكامل بين البحر واليابسة
الرؤية الخضراء لا تتوقف عند الموانئ، بل تمتد إلى النقل البري أيضًا. فإطلاق أول محطة لإنتاج وتوزيع الهيدروجين الأخضر بالتعاون مع “شل عُمان”، إلى جانب ارتفاع عدد المركبات الكهربائية إلى نحو 3000 مركبة مدعومة بشبكة شحن متنامية، يعكس توجهًا نحو بناء سلسلة نقل متكاملة منخفضة الانبعاثات.
ما الذي تراهن عليه سلطنة عمان؟
لا تراهن سلطنة عمان على موقعها الجغرافي المطل على طرق التجارة العالمية فقط، بل على جودة الخدمات البيئية والتقنية المرتبطة بهذا الموقع. فالانتقال من مفهوم “الموانئ التقليدية” إلى “اللوجستيات الخضراء المترابطة رقميًا” يكشف عن محاولة لإعادة تعريف دور الموانئ العمانية ضمن الاقتصاد العالمي الجديد؛ اقتصاد تصبح فيه الاستدامة عنصرًا حاسمًا في التنافسية وجذب الاستثمارات.

شارك هذا الخبر