أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
في تحول إستراتيجي يعكس إعادة رسم خريطة القيمة المضافة داخل قطاع الثروة السمكية في سلطنة عُمان، تبرز زيوت الأسماك - وعلى رأسها أوميغا 3 - كأحد أهم المسارات التي تتجه الدولة إلى تعظيمها، عبر نقلها من مجرد نشاط استخراجي تقليدي إلى صناعة غذائية وصحية عالية القيمة، تقوم على استثمار المخزون السمكي الكبير من أسماك السطح الصغيرة بدل تصديره في صورته الخام.
ويأتي هذا التوجه في إطار سياسات جديدة لإعادة توجيه سلاسل الإنتاج داخل القطاع، بما يعزز العائد الاقتصادي ويرفع كفاءة الاستفادة من الموارد البحرية.
وخلال جلسة مناقشة بيان وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في مجلس الشورى بتاريخ 10 مايو 2026م حضرتها ”أثير“، أوضح معالي الدكتور سعود بن حمود الحبسي، أن التركيبة الإنتاجية في سلطنة عُمان يغلب عليها أسماك السطح الصغيرة، وعلى رأسها السردين، والتي تشكل جزءًا رئيسيًا من إنتاج يقترب من 900 ألف طن سنويًا.
وأشار إلى أن هذه الوفرة، رغم أهميتها الإنتاجية، لا تحقق أعلى عائد اقتصادي في صورتها الأولية، ما دفع الوزارة إلى إعادة توجيه السياسات نحو تعظيم القيمة المضافة، عبر التركيز على استخلاص الزيوت السمكية وتطوير مشتقاتها، وفي مقدمتها زيت أوميغا 3، إلى جانب زيوت موجهة للاستهلاك البشري المباشر.
كما كشف معاليه أن الوزارة أوقفت مؤخرًا منح تراخيص جديدة لمشاريع الاستخلاص التقليدي للزيوت، مقابل إلزام وتشجيع المصانع القائمة على التوجه نحو منتجات ذات قيمة أعلى، سواء عبر إنتاج أوميغا 3 المكرر عالي الجودة، أو الزيوت الغذائية الموجهة للاستهلاك الآدمي المباشر، في خطوة تعكس انتقالًا من “الاستخلاص الخام” إلى “التصنيع العميق” داخل السلسلة الإنتاجية ذاتها.
من البحر إلى المختبر: كيف يتحول السردين إلى ذهب صحي؟
زيوت الأسماك هي دهون طبيعية تُستخرج من الأسماك الدهنية أو من الكبد أو من مخلفات التصنيع، وتُعد مادة أولية أساسية في صناعات متعددة، أبرزها:
* المكملات الغذائية، وفي مقدمتها أوميغا 3
* الصناعات الدوائية
* الأعلاف الحيوانية وتربية الأحياء المائية
* بعض الصناعات الغذائية والتجميلية
وعالميًا، تنقسم هذه الزيوت إلى ثلاثة مسارات رئيسية:
* زيوت مكررة موجهة للغذاء والدواء (الأعلى قيمة سوقية)
* زيوت مخصصة للأعلاف (الأوسع استخدامًا عالميًا)
* زيوت خام أو شبه مكررة تدخل في إعادة التصنيع
ويكمن التحول الاقتصادي الأهم في أن القيمة لا ترتبط بكمية الزيت المنتَج، بل بدرجة تنقيته واستخدامه النهائي، حيث ترتفع الأسعار بشكل كبير كلما اتجه المنتج نحو الاستخدام الغذائي أو الدوائي البشري، وفي مقدمته أوميغا 3.
ملايين تُجنى وأطنان تتحرك: إلى أين ترسم زيوت الأسماك العُمانية مسارها؟
سجّلت صادرات زيوت الأسماك ومشتقاتها خلال عام 2025 أداءً لافتًا من حيث القيمة والوزن، إذ بلغت القيمة الإجمالية نحو 16.8 مليون ريال عُماني، فيما تجاوزت الكميات المصدّرة 20.4 مليون كيلوجرام، وفق بيانات حصلت عليها ”أثير“ من المركز الوطني للإحصاء والمعلومات.
وتصدّرت تشيلي قائمة الأسواق المستوردة بقيمة قاربت 3.95 مليون ريال عُماني، وبكميات تجاوزت 4.9 مليون كيلوجرام، تلتها بلجيكا بنحو 2.6 مليون ريال، ثم تركيا التي برزت كأحد أبرز الأسواق بإجمالي تجاوز 3.4 مليون ريال.
كما امتدت خريطة الصادرات إلى أسواق أوروبية وآسيوية وعربية، شملت النرويج، اليونان، إسبانيا، البرتغال، فيتنام، تايوان، الإكوادور، بيرو، لبنان، سوريا، وبنغلاديش، ما يعكس تنوعًا جغرافيًا واسعًا وقدرة المنتجات العُمانية على النفاذ إلى أسواق متعددة.
وتُظهر البيانات تنوع المنتجات بين زيوت الأسماك وجزئياتها، وزيوت كبد الأسماك والثدييات البحرية، وجميعها غير معدلة كيميائيًا، وهو ما يعزز من القيمة المضافة للقطاع والصناعات التحويلية المرتبطة به.

وفي جانب إعادة التصدير، بلغت القيمة الإجمالية نحو 17.8 ألف ريال عُماني، بكمية وصلت إلى 43.5 ألف كيلوجرام، توزعت بين السوق اليابانية التي استحوذت على النصيب الأكبر، إضافة إلى إيران.
أوميغا 3: من “مكمل غذائي” إلى صناعة تتسابق عليها الدول
أوميغا 3 ليس مجرد زيت سمك، بل هو مجموعة من الأحماض الدهنية الأساسية، أبرزها EPA وDHA، التي لا ينتجها الجسم، ما يجعل الحصول عليها من الغذاء أو المكملات ضرورة صحية.
ومن الناحية الطبية، يرتبط أوميغا 3 بعدة فوائد مثبتة، أبرزها:
* دعم صحة القلب وخفض الدهون الثلاثية
* تحسين وظائف الدماغ والتركيز
* المساهمة في تقليل الالتهابات المزمنة
* دعم صحة العين
* تعزيز بعض مؤشرات الصحة النفسية
اقتصاديًا، يُعد أوميغا 3 أحد أسرع أسواق المكملات الغذائية نموًا عالميًا، مدفوعًا بارتفاع الطلب على الأغذية الوظيفية، حيث تستحوذ زيوت الأسماك على الحصة الأكبر من هذا السوق، مع هيمنة واضحة لأسواق أوروبا وأمريكا الشمالية، ونمو متسارع في آسيا، خصوصًا الصين والهند، باعتبارهما مراكز استهلاك وتصنيع في آن واحد.
خريطة النفوذ: من يملك مفاتيح سوق زيوت الأسماك؟
رغم انتشار إنتاج زيوت الأسماك في دول متعددة، فإن السيطرة على التجارة العالمية تتركز في عدد محدود من الدول:
* بيرو: أكبر مصدر عالمي مدعومة بمصايد الأنشوفة، وتشكل المحرك الأبرز لتقلبات العرض
* النرويج: لاعب رئيسي في الزيوت عالية الجودة المرتبطة بالمكملات الغذائية والأعلاف
* تشيلي: من كبار المنتجين في أمريكا الجنوبية
* الصين: لاعب مزدوج بين الاستيراد والتصنيع والتحويل إلى منتجات غذائية ومكملات
وتشير البيانات إلى أن بيرو تتصدر من حيث الكميات، بينما تهيمن النرويج على الشريحة الأعلى قيمة من المنتجات المكررة عالية الجودة الموجهة للقطاع الصحي.
عُمان لا تصنع سوقًا جديدًا، بل تعيد تعريف القيمة داخله
في السياق العُماني، لا يتجه التغيير نحو إنشاء صناعة جديدة بقدر ما يركز على إعادة توجيه البنية القائمة داخل القطاع نحو مستويات أعلى من القيمة المضافة.
بمعنى آخر، الانتقال يجري من تصدير الزيت الخام أو شبه المكرر إلى تطوير منتجات أكثر ربحية، تشمل:
* أوميغا 3 الدوائي
* الزيوت الغذائية للاستهلاك البشري المباشر
* منتجات تغذية الأحياء المائية عالية الجودة
ويحمل هذا التحول بعدين اقتصاديين رئيسيين:
* تقليل الاعتماد على تصدير المواد الأولية منخفضة القيمة رغم وفرة المخزون السمكي
* الاندماج التدريجي في سوق عالمي تنافسي تقوده سلاسل إنتاج متقدمة وليس إنتاجًا خامًا فقط
وبذلك، تتحول الثروة السمكية في سلطنة عُمان من “كمية مصيدة” إلى “سلسلة قيمة صناعية”، يكون فيها الزيت - لا السمك فقط - هو المنتج الأعلى قيمة، وربما الأكثر تأثيرًا في معادلة الاقتصاد البحري خلال المرحلة المقبلة.





