أثير - ريما الشيخ
منذ ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، انقسمت غرف الأخبار بين حماسة تكاد تبلغ حد التبشير، وقلق يقترب أحيانا من الهلع.
خلال سنوات قليلة فقط، تحولت تطبيقات مثل “شات جي بي تي” وكلاود وغيرها من أدوات توليد النصوص والصور إلى جزء من النقاش اليومي داخل المؤسسات الإعلامية. وأصبح من المعتاد أن نسمع عن صحفي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتفريغ المقابلات، أو تلخيص الوثائق، أو اقتراح العناوين، أو حتى كتابة مسودات أولية للمواد الصحفية.
هل يخشى الصحفيون الذكاء الاصطناعي؟
في كل مرة تظهر فيها تقنية جديدة، يتكرر المشهد ذاته داخل غرف الأخبار. قبل عقود كان الخوف من الإنترنت، ثم من منصات التواصل الاجتماعي، ثم من الهواتف الذكية التي حولت كل شخص إلى ناشر محتمل. واليوم يبدو الذكاء الاصطناعي مرشحا جديدا لشغل موقع “التهديد القادم” في المخيلة الصحفية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان الصحفيون يخشون الذكاء الاصطناعي، بل ما الذي يخشونه فيه تحديداً؟
لو استمعنا إلى الخطاب المتحمس الذي يرافق هذه الثورة التقنية، لبدت الصورة وكأن الصحافة على أعتاب عصر ذهبي جديد. دقائق معدودة باتت كافية لتفريغ مقابلة طويلة، أو تلخيص تقرير من مئات الصفحات، أو استخراج أنماط من كميات هائلة من البيانات، وهي المهام التي كانت تستغرق ساعات وربما أياما أصبحت تنجز بضغطة زر. ولهذا ليس غريباً أن تجد غالبية المؤسسات الإعلامية الكبرى قد بدأت بالفعل في اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وإدماجها في بعض مراحل العمل التحريري. ولا يبدو أن الصحفيين يقفون اليوم في خندق معادٍ للذكاء الاصطناعي، فاستطلاعات أجريت داخل عشرات المؤسسات الإعلامية حول العالم تكشف أن غالبية العاملين في القطاع تنظر إلى هذه الأدوات باعتبارها فرصة لتحسين الكفاءة وتوفير الوقت وتخفيف الأعباء الروتينية، بما يسمح للصحفيين بالتركيز على المهام التي تتطلب جهداً تحليلياً وإبداعياً أكبر.
وفي استطلاع شمل 105 مؤسسات إعلامية من 46 دولة، رأى 73% من المشاركين أن الذكاء الاصطناعي يفتح فرصاً جديدة أمام العمل الصحفي، بينما أكد أكثر من 85% أنهم جربوا بالفعل استخدامه في مهام تحريرية مختلفة مثل تلخيص النصوص وصياغة العناوين (1).
لكن خلف هذا الترحيب الحذر تتشكل طبقة أخرى من المشاعر أقل ظهورا وأكثر تعقيداً حيث إن الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي يومياً لا يتعاملون معه كعدو ينبغي محاربته، ولا كمنقذ قادر على حل أزمات المهنة المزمنة ولعل ما يثير قلقهم في الواقع ليس قدرة الآلة على الكتابة، بل طبيعة السلطة التي تمنحها هذه الأدوات لشركات التكنولوجيا العملاقة، واحتمال انتقال أجزاء متزايدة من القرار التحريري من البشر إلى الخوارزميات.
المشكلة أن الذكاء الاصطناعي لا يشبه الأدوات التقنية التي سبقته: فالمطبعة لم تقرر ما الذي يستحق النشر، والكاميرا لم تختر القصص التي ينبغي روايتها، وحتى الإنترنت، رغم ما أحدثه من زلزال في صناعة الإعلام، ظل في جوهره منصة لنقل المحتوى وتوزيعه. أما الذكاء الاصطناعي فهو أول تقنية حديثة تتدخل مباشرة في صميم الحكم التحريري الذي كان حكرا على الصحفيين لعقود حيث لا يكتفي بجمع المعلومات أو ترتيبها، إنما بات قادراً على اقتراح الأفكار، وصياغة الأسئلة، وكتابة المسودات الأولية، واختيار العناوين، وتحديد الكلمات المفتاحية، وتحليل تفضيلات الجمهور، بل وحتى اقتراح ما ينبغي اعتباره خبراً مهماً وما يمكن تجاهله. وتشير استطلاعات دولية إلى أن غرف الأخبار بدأت بالفعل استخدامه في مجالات تتجاوز الأعمال التقنية البسيطة نحو إنتاج المحتوى وتخصيصه وتدقيق المعلومات وتحليل اتجاهات الجمهور (2).
على هذا الأساس، يتمثل القلق الأساسي من احتمال انتقال جزء من السلطة التحريرية تدريجيا من الصحفي إلى الخوارزمية.
الخشية ليست من أن تكتب الخوارزمية خبراً جيداً، بل من أن تتحول تدريجياً إلى شريك غير مرئي في رسم الأجندة الإعلامية نظرا لأن الصحافة في جوهرها فن الاختيار قبل أن تكون مهنة الكتابة. وما يميز الصحفي هو قدرته على التمييز بين المهم والهامشي، وبين ما يجب كشفه وما يحتاج إلى مزيد من التحقق والسياق.وحين تبدأ الأنظمة الذكية بالمشاركة في هذه الاختيارات، يصبح النقاش متعلقا بمن يمتلك سلطة تعريف الواقع نفسه، لا بمجرد أداة جديدة لتسريع العمل. فكل خوارزمية ترفع قصة إلى الواجهة أو تدفع أخرى إلى الهامش تمارس شكلا من أشكال السلطة التحريرية، حتى وإن بدت محايدة أو موضوعية.
الصحافة في تعريفها الأساسي، وعلى اعتبار أنها تنتمي للعلوم الاجتماعية، فهي سلسلة متواصلة من الأحكام البشرية أي أن كل قصة صحفية هي نتيجة اختيارات واعية وغير واعية: ما الذي يستحق النشر؟ ومن يجب أن ُمنح مساحة أكبر؟ وما السياق الضروري لفهم الحدث؟ وأي رواية تحتاج إلى تدقيق إضافي؟ هذه القرارات لا تنتجها البيانات وحدها، بل تتشكل أيضا من الخبرة والحدس والمعرفة والسياق الثقافي والسياسي، وهي هواجس أساسية تحكم العمل الصحفي.
هكذا يبدو الحديث عن استبدال الصحفيين بالخوارزميات أكثر تعقيداً مما يوحي به الخطاب التسويقي السائد. فالتجارب الأولى التي سعت إلى بناء غرف أخبار شبه مؤتمتة لم تنتج صحافة أكثر حياداً بالضرورة، واللافت جدا أن بعضها أعاد إنتاج التحيزات نفسها الموجودة في البيئة الإعلامية التي تدربت عليها الخوارزميات.
لقد تناولت دراسة تناولت محتوى نيوز جي بي تي (3)، الذي يقدم نفسه باعتباره نموذجا للأخبار المنتجة آلياً، أظهرت أن تغطيته انحازت بشكل واضح نحو الولايات المتحدة والقضايا الغربية، بينما همشت مناطق واسعة من الجنوب العالمي، واعتمدت بدرجة كبيرة على مصادر تنتمي إلى فضاء إعلامي واحد تقريباً.
هذه النتيجة ليست مفاجئة. فالذكاء الاصطناعي لا يولد من فراغ. إنه يتعلم من البيانات المتاحة له، والبيانات نفسها تعكس اختلالات القوة الموجودة في العالم. عندما تكون غالبية المحتويات الرقمية باللغة الإنجليزية، وعندما تهيمن المؤسسات الغربية على إنتاج المعرفة والمعلومات، يصبح من الطبيعي أن تنعكس هذه الهيمنة في مخرجات النماذج الذكية. ولذلك فإن كثيرا من الصحفيين يخشون أن يتحول إلى قناة جديدة لإعادة إنتاج التحيزات القديمة في ثوب أكثر تعقيداً وأقل قابلية للملاحظة.
إلى جانب مسألة التحيز، هناك قلق آخر أكثر جدية يتعلق بالاعتمادية، إذ منذ سنوات والصحافة تعيش علاقة مضطربة مع شركات التكنولوجيا. انتقلت الإعلانات إلى المنصات الرقمية، وأصبحت محركات البحث وشبكات التواصل تتحكم في الوصول إلى الجمهور. واليوم يخشى بعض العاملين في القطاع أن يصبح الذكاء الاصطناعي الحلقة الجديدة في سلسلة طويلة من التبعية التقنية، فبدلا من أن تعتمد المؤسسات الإعلامية على خوارزميات التوزيع فقط، قد تجد نفسها معتمدة أيضا على خوارزميات الإنتاج والتحرير والتخطيط.
وتزداد هذه المخاوف في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي لا تملك الموارد اللازمة لتطوير أنظمتها الخاصة. وبينما تستطيع مؤسسات كبرى الاستثمار في أدوات داخلية مصممة وفق احتياجاتها، تضطر مؤسسات أخرى إلى الاكتفاء بما توفره شركات التقنية الكبرى من خدمات جاهزة وشروط استخدام وأسعار متغيرة. ومع مرور الوقت قد تتحول هذه الأدوات من خيار مهني إلى ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، وهو ما يصفه بعض الباحثين بفخ البنية التحتية التقنية (4).
ورغم أن الحديث الإعلامي يركز كثيرا على احتمال اختفاء الوظائف الصحفية، فإن هذه ليست بالضرورة القضية الأكثر إلحاحاً. لقد عاشت عاشت تحولات مشابهة من قبل، وفي كل مرة كانت المهنة تتغير أكثر مما تختفي، وما يحدث اليوم يشير إلى إعادة توزيع للمهام لا إلى إلغاء كامل للدور البشري.
يتفوق الذكاء الاصطناعي في الأعمال الروتينية والمتكررة، لكنه ما يزال عاجزاً عن بناء الثقة مع المصادر، أو قراءة لغة الجسد في مقابلة حساسة، أو اتخاذ قرار أخلاقي معقد، أو فهم السياقات السياسية والاجتماعية العميقة للأحداث. هذه الجوانب ما تزال تنتمي إلى المجال الإنساني أكثر مما تنتمي إلى مجال الخوارزميات.
في النهاية، قد يكون السؤال عن خوف الصحفيين من الذكاء الاصطناعي مضللا قليلا لأنهم يخشون ما يمكن أن تفعله بالصحافة إذا تُركت دون ضوابط ومعايير واضحة أي أن تصبح القرارات المتعلقة بالمعلومات والمعرفة والروايات العامة خاضعة بصورة متزايدة لأنظمة لا يعرف أحد على وجه الدقة كيف تعمل، ولا من يملكها، ولا أي مصالح توجهها.
تبدو معركة الصحافة المقبلة أقل ارتباطا بمقاومة الذكاء الاصطناعي، وأكثر ارتباطا بالحفاظ على استقلالها في عصره وعلى قدرة الصحفي أن يظل قادراً على أداء دوره النقدي والرقابي والإنساني داخل عالم تتوسع فيه سلطة الخوارزميات يوماً بعد آخر.
- https://www.journalismai.info/research/2023-generative-ai-in-newsrooms-report
- https://institute.aljazeera.net/ar/ajr/article/2691
- https://shorturl.at/sXeCW
- Reuters Institute – Digital News Report 2025





