مخطط مسقط الكبرى يعيد رسم مستقبل العامرات: رياضة وتعليم ونفق ومساحات خضراء

المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى يتعامل مع العامرات بوصفها منطقة نمو مستقلة، ويقترح رفع فرص العمل فيها من 32 ألفًا إلى 145 ألف وظيفة ويدعم ذلك بنفق ومسارات نقل عام يومية تخدم 91 ألف راكب

مخطط مسقط الكبرى يعيد رسم مستقبل العامرات: رياضة وتعليم ونفق ومساحات خضراء
العامرات في مخطط مسقط الكبرى: كيف تتحول التحديات إلى فرص اقتصادية وبيئية؟
أثير-جميلة العبرية
شهدت محافظة مسقط في السنوات الماضية نموًا وتوسعًا عمرانيًا، أدى إلى تغييرات كثيرة في حركة السكان والأعمال وحتى المؤسسات الحكومية، ورافقه نمو في الخدمات والبنية الأساسية، لكن نمو هذه الخدمات لم يواكب تغييرات حركة السكان بالشكل الكافي. وتُعد ولاية العامرات نموذجًا لذلك، فخلال السنوات الماضية شهدت قفزة كبيرة في أعداد السكان، لكن ذلك رافقه عبء على الخدمات والبنية الأساسية، وازدحامًا مروريًا، فمن يقطن في العامرات غالبًا يعمل في ولايات أخرى.
ولا تعتبر ولاية العامرات الوحيدة التي يختارها الكثير للسكن بينما يكون العمل في مكان آخر، مما ألزم إيجاد معالجات جذرية تتعامل مع واقع وتحديات الحاضر، وتتنبأ بالمستقبل، وهنا يأتي دور المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى.
ماذا حدث في العامرات؟
شهدت العامرات نموًّا هائلاً في أعداد السكان، إذ اختارها الكثير من العائلات بشكل خاص والأفراد بشكل عام، لما وجدوا فيها من خيارات سكنية منوعة. وكان أعداد سكان الولاية حوالي 50 ألف شخص عام 2008م، بحسب المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. وفي عام 2011م، تم افتتاح طريق وادي عدي العامرات، بالإضافة إلى شارع الجبل (عقبة العامرات- بوشر) أمام الحركة المرورية، ليوفر خيارًا آخر للوصول والخروج من الولاية، لتتعدد طرق الوصول والخروج من الولاية.
أسهم هذا بدوره في تزايد أعداد السكان، مما أحدث بدوره عبئًا على الخدمات والبنية الأساسية، فمن 60,000 شخص يقطن في الولاية عام 2012م إلى 156,000 عام 2025م، لتصل نسبة ارتفاع السكان إلى 160% خلال 13 عامًا. وتشير التوقعات المستقبلية التي حصلت عليها “أثير” من خلال توقعات المستقبلية للمخطط الهيكلي لمسقط الكبرى أن عدد السكان قد يصل إلى أكثر من 250 ألف نسمة في الولاية عام 2040م.
ما دور المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى؟
يكشف التحليل الميداني والدراسات التي تم إجراءها، أن هناك احتياجًا إلى تقليل الاعتماد على الرحلات اليومية من وإلى الولاية، مما يعني رفع كفاءة الحياة الحضرية، فالعامرات ستضم 4 أحياء رئيسية مقترحة، وسيتم التركيز على بناء أحياء مترابطة تتوزع فيها المدارس والمراكز الصحية والمرافق المجتمعية والمساحات المفتوحة ضمن نطاق أقرب إلى السكان.
أين سيعمل سكان العامرات؟
لا تبدو الوظائف في المخطط نتيجة لاحقة للنمو، وإنما أحد محركاته الأساسية، وتشير تقديرات الأرقام إلى ارتفاع فرص العمل في الولاية إلى نحو 145 ألف وظيفة بحلول عام 2040، بعد أن كانت في حدود 32 ألف وظيفة، لترتفع حصة العامرات من إجمالي التوظيف في مسقط الكبرى من 3% إلى 8.2%.
ويأتي تكتل مركز العامرات الرياضي وتنمية المهارات في صدارة الأدوات التي يعول عليها المخطط لتحقيق هذا التحول. فالتوجه لا يقتصر على إنشاء مرافق رياضية، وإنما يستهدف بناء منظومة تشمل التدريب والتأهيل وتنمية المواهب والصحة والعافية والأنشطة المساندة، وهو ما يفتح المجال أمام أنشطة اقتصادية متنوعة وفرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
وتشير تقديرات المخطط، إلى أن تكتل الرياضة والابتكار قد يسهم في توفير نحو 17.5 ألف وظيفة، فيما يمكن أن يوفر تكتل التعليم وتنمية المهارات نحو 11 ألف وظيفة إضافية، إلى جانب فرص مرتبطة بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والخدمات اللوجستية.
وتعزز هذه الرؤية استفادة العامرات من ارتباطها بعدد من التكتلات الاقتصادية الكبرى في مسقط الكبرى، بما في ذلك تكتل المعرفة والابتكار، وتكتل الأعمال والخدمات التجارية، وتكتل المطار والخدمات اللوجستية، الأمر الذي يوسع دائرة الفرص الوظيفية والاستثمارية المتاحة لسكان الولاية.
ما علاقة نفق العامرات في التخطيط الحضري للولاية؟
في كثير من الأحيان يُنظر إلى مشاريع النقل بوصفها حلولًا مرورية، بينما يتعامل المخطط معها باعتبارها محركًا اقتصاديًا واجتماعيًا. ويبرز نفق العامرات ضمن هذا السياق بوصفه عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل العلاقة بين الولاية وبقية مراكز النشاط في المحافظة. فكل دقيقة تُختصر من زمن الرحلة تعني وصولًا أسهل إلى فرص العمل والخدمات، كما تعني بيئة أكثر جذبًا للاستثمار والسكن.
وتتجاوز آثار الربط الجديد حركة الأفراد إلى حركة البضائع والخدمات وسلاسل الإمداد، الأمر الذي يعزز موقع العامرات داخل المنظومة الاقتصادية لمسقط الكبرى. كما يتكامل النفق مع رؤية أوسع للنقل العام، إذ يقترح المخطط خطًا يربط العامرات بوادي عدي بطاقة استيعابية يومية قد تصل إلى 49,367 راكبًا في السيناريو الأعلى، إلى جانب خط آخر يربط العامرات كما يتكامل النفق مع رؤية أوسع للنقل العام، إذ يقترح المخطط خطًا يربط العامرات بوادي عدي بطاقة استيعابية يومية قد تصل إلى 49,367 راكبًا في السيناريو الأعلى، إلى جانب خط آخر يربط العامرات بمطار مسقط الدولي عبر النفق بطاقة قد تصل إلى نحو 91 ألف راكب يوميًا، بما يعزز ارتباط الولاية بمراكز العمل والخدمات الرئيسة في المحافظة.
ماذا عن مردم العامرات؟
يحضر مردم العامرات في النقاشات العامة بوصفه مرفقًا لإدارة النفايات، غير أن قراءة المخطط تضعه ضمن سياق أوسع يرتبط بمستقبل الاقتصاد الدائري والاستدامة البيئية.
فالمردم يقع حاليًا خارج نطاق الاحتواء الحضري المقترحة في مخطط مسقط الكبرى، ما يعني أنه لا يشكل جزءًا من مناطق التوسع العمراني المستقبلية للولاية، ومع ذلك يحتفظ بأهميته باعتباره أحد المرافق الاستراتيجية الداعمة لمنظومة إدارة النفايات على مستوى محافظة مسقط.
وتكمن الدلالة الأبرز هنا في أن المخطط لا يتعامل مع الموقع باعتباره مساحة مخصصة للتخلص من النفايات فقط، وإنما كعنصر يمكن أن يدعم منظومة أكثر اتساعًا تشمل إعادة التدوير، واسترداد الموارد، والاستفادة من النفايات في الصناعات والخدمات البيئية.
ومن هذا المنظور، يبرز الموقع كفرصة مرتبطة بالتقنيات الخضراء والابتكار البيئي، وقاعدة محتملة لاستثمارات ترتبط بإدارة الموارد والخدمات البيئية والاقتصاد الأخضر. وهي أنشطة لا تقتصر آثارها على الجوانب البيئية، وإنما تمتد إلى خلق فرص اقتصادية واستثمارية جديدة تدعم أهداف الاستدامة والتنويع الاقتصادي على مستوى المحافظة.
كيف تمكن المخطط من تحدي أثر النمو العمراني على المساحات العامة؟
غالبًا ما يضع التوسع العمراني المدن أمام معادلة صعبة بين البناء والحفاظ على الفراغات العامة، ولهذا يحدد المخطط هدفًا يتمثل في توفير 9 أمتار مربعة من المساحات المفتوحة لكل فرد، وهو ما يرفع احتياج العامرات إلى نحو 225 هكتارًا من هذه المساحات مع النمو السكاني المتوقع.
وبعد احتساب المساحات المفتوحة القائمة البالغة نحو 32.49 هكتارًا، يقدر الاحتياج الإضافي بحوالي 192.51 هكتارًا. ضمن هذا التوجه يبرز مشروع وادي حديقة العامرات، الذي يستثمر الوادي كأصل طبيعي قادر على الجمع بين الترفيه والرياضة والسياحة البيئية، وفي الوقت نفسه تعزيز الترابط بين الأحياء عبر مسارات المشاة والدراجات والمناطق المفتوحة.
الاستدامة في التفاصيل اليومية
لا تظهر الاستدامة في المخطط كشعار عام، وإنما كحزمة من القرارات المرتبطة بالحياة اليومية للسكان؛ فحماية الأودية والمجاري الطبيعية، وتعزيز التشجير، وتوفير فرص العمل بالقرب من مناطق السكن، ورفع كفاءة استخدام الأراضي، وتحسين كفاءة الخدمات العامة، وتشجيع أنماط التنقل المستدام؛ جميعها عناصر تعمل معًا لتقليل الضغوط المستقبلية على الموارد والبنية الأساسية.
وينسحب هذا التوجه على قطاع المياه والصرف الصحي أيضًا، إذ تخدم شبكة المياه حاليًا نحو 75% من المنطقة، فيما يتوقع أن يرتفع الطلب على المياه من نحو 28 مليون لتر يوميًا في عام 2022 إلى نحو 70 مليون لتر يوميًا بحلول عام 2040.
أما في قطاع الصرف الصحي، فتقل التغطية الحالية للشبكة عن 50%، بينما تشير التقديرات إلى أن تصريف مياه الصرف قد يصل إلى نحو 52 مليون لتر يوميًا بحلول عام 2040، مع اقتراح تطوير محطة جديدة للصرف الصحي في العامرات بطاقة تقديرية تبلغ 26 مليون لتر يوميًا.
كما يدعم المخطط التوسع في استخدام المياه المعالجة في التشجير والزراعة وتحسين المشهد الحضري، مستفيدًا من التوازن النسبي بين إنتاج وطلب المياه المعالجة في الولاية، بما يدعم أهداف الاستدامة ويحد من الاعتماد على المياه الجوفية.
وفي هذه الصورة، لا تبدو العامرات مجرد منطقة تستقبل المزيد من السكان، بل إحدى المناطق الخمس الرئيسة للنمو الحضري في مسقط الكبرى، تتشكل فيها ملامح اقتصاد جديد قائم على المهارات والرياضة والخدمات والابتكار، مدعومًا ببنية أساسية أكثر كفاءة وارتباطًا، وبنهج تنموي يوازن بين متطلبات التوسع العمراني والحفاظ على الموارد والبيئة على المدى الطويل

شارك هذا الخبر