مسقط-أثير
إعداد: د. عبدالله بن محمد الوهيبي
لم يكن بناء المجتمع في التصور الإسلامي استجابةً عابرة لظرفٍ طارئ، بل كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا يبدأ من الإنسان قبل البنيان، ومن الوعي قبل السلطة، ومن القيم قبل المؤسسات، ومن هنا كانت عناية الإسلام بالفرد عنايةً تأسيسية، لأنه اللبنة الأولى التي يتشكّل منها المجتمع، ولأن أي نهضةٍ لا تستند إلى بناءٍ أخلاقي وإيماني وعلمي تبقى نهضةً هشة لا تلبث أن تتداعى، وقد جسّد النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في مسيرة الدعوة الأولى، حين اتجه إلى بناء الإنسان قبل الدولة، فربّى أصحابه على الصبر والثبات، وأعدّهم لتحمل الأذى ومواجهة الجاهلية بروحٍ مؤمنة لا تنكسر، غير أن تلك المرحلة لم تكن مرحلة تصبيرٍ وحسب، بل كانت كذلك لحظة تأسيسٍ للوعي وإعلاءٍ لمقام العلم في زمنٍ عمّ فيه الجهل؛ ولذلك لم تبدأ الرسالة بكلمةٍ تدعو إلى المواجهة، بل بدأت بكلمة «اقرأ»، في إشارةٍ بليغة إلى أن المجتمع القويَّ يُبنى على المعرفة كما يُبنى على الإيمان، وأن النهضة الحقيقية تنطلق من عقلٍ مستنير بقدر ما تنطلق من قلبٍ عامر باليقين.
وحين اشتد عود تلك النخبة المؤمنة، جاء الإذن بالهجرة الأولى بوصفها خطوةً فاصلة في مسار التكوين، تجمع بين بعدها التربوي ودلالتها التاريخية، فلم تكن الهجرة انتقالًا مكانيًا فحسب، بل كانت تدريبًا عمليًا على مفارقة المألوف، واحتمال الغربة، والتكيّف مع بيئةٍ مغايرة في أفكارها وتقاليدها، وفي تلك التجربة المبكرة تعرّف المسلمون معنى التعدد الديني والثقافي، وتعلموا كيف يحافظون على هويتهم وهم يعيشون وسط واقعٍ مختلف، وهكذا تحولت الهجرة الأولى إلى تمهيدٍ ضروري لبناء مجتمعٍ جديد، سيكون لاحقًا نواةً لدولةٍ تقوم على القيم، وتستند إلى العدل، وتصون كرامة الإنسان.
ثم جاءت الهجرة إلى المدينة لتفتح صفحة البناء المؤسسي للمجتمع؛ لا بوصفه تجمّعًا بشريًا فحسب، بل باعتباره دولة ذات نظام تُصان فيه الحقوق، وتُحفظ فيه المصالح، وتنتظم فيه العلاقات على أساسٍ من العدل والمسؤولية، وفي هذا السياق برزت وثيقة المدينة شاهدًا مبكرًا على نضج هذا البناء، إذ أرست ملامح مجتمعٍ يتسع للاختلاف، ويحتكم إلى النظام، ويؤمن بأن الكرامة الإنسانية أصلٌ لا يلغيه تباين الانتماءات، ولم يكن ذلك إلا امتدادًا طبيعيًا لجوهر الرسالة الإسلامية التي تتجاوز الحدود الضيقة إلى رحابة الإنسانية ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ الأنبياء: 107.
لقد أثمر هذا البناء النبوي مجتمعًا غيّر مجرى التاريخ، إذ انتشل الإنسان من دوائر الفوضى والتنازع إلى أفقٍ أرحب من النظام والعدل والرسالة ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ آل عمران:103 وما أحوج الأمة اليوم، وسط ما يحيط بها من اضطرابٍ وتفكك، إلى أن تستعيد هذا المعنى العميق في بناء المجتمع: أن تجعل الإنسان نقطة البداية، والعلم ركيزة البناء، والقيم روح المسار. وهنا تتجلى مسؤولية مؤسسات المجتمع جميعًا؛ من الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمسجد، ووسائل الإعلام، وسائر مؤسسات الثقافة والتوجيه، في أن تتكامل أدوارها لصناعة إنسانٍ واعٍ، راسخ القيم، قادرٍ على حمل مسؤوليته والإسهام في نهضة مجتمعه. فبناء المجتمع ليس مهمة جهةٍ واحدة، بل هو مشروع أمةٍ بأسرها، ولا ينهض هذا المشروع إلا حين يصبح الإنسان أول الأولويات، وحين يُنظر إلى العلم بوصفه طريقًا للنهضة، لا مجرد وسيلةٍ للمعرفة.






