أثير - د. بسام أبو عبد الله
أستاذ العلاقات الدولية
كتبت هولي باكستر في الاندبندنت البريطانية تقول: بينما كان ترامب يتحدث عن أعمال الترميم والبناء بتفاصيله المملة في اجتماع مع مسؤولي إدارته، أطلق تصريحا “عابرًا” أثار دهشة الحاضرين، حين قال: إن سلطنة عُمان ستتصرف مثل الجميع، وإلا سنضطر لنسفها. تتابع باكستر القول: جملة مرت بسرعة مخيفة رغم خطورتها في جلسة بدت لمجمع متقاعدين في فلوريدا يناقش أعمال الصيانة .
وبغض النظر عن طبيعة الخلافات السياسية أو الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بهذا الملف، فإن مجرد استخدام هذه اللغة تجاه دولة عُرفت تاريخياً بالهدوء والعقلانية والوساطة، يكشف حجم التحولات الخطيرة التي أصابت الخطاب السياسي الأمريكي، حيث بات التهديد بديلاً عن الحوار، والابتزاز السياسي بديلاً عن التفاهمات المتوازنة.
لكن القضية هنا لا تتعلق بعُمان وحدها، بل بنهج سياسي كامل بات يحكم مقاربة واشنطن للمنطقة، والعالم، يقوم على فرض الإملاءات بالقوة، وربط الأمن والاستقرار بسلسلة من الشروط السياسية والاستراتيجية، وفي مقدمتها دفع دول المنطقة نحو الانخراط في ترتيبات إقليمية جديدة، وتقديم التنازلات باعتبارها ثمناً للاستقرار والأمن.
لقد تحولت المنطقة، في ظل هذا المنطق، إلى مساحة ضغط مفتوح؛ فإما الانخراط في المشروع الأمريكي للشرق الأوسط، وإما مواجهة الضغوط والعقوبات والتهديدات، وهنا تحديداً تظهر المفارقة الكبرى: حتى الدول التي اختارت الحياد والتهدئة وعدم الانخراط في الصراعات الحادة لم تعد بمنأى عن الضغوط.
ولعل ما يجعل التهديد الموجه إلى عُمان أكثر إثارة للتساؤل هو أن السلطنة تمثل، منذ عقود طويلة، نموذجاً سياسياً مختلفاً في المنطقة، إذ لم تبنِ مكانتها على القوة العسكرية أو الخطابات الصاخبة، بل على الحكمة والتوازن والقدرة على بناء الجسور بين المتخاصمين.
ويعود جانب من هذه الخصوصية إلى تاريخ عُمان نفسه. فالسلطنة ليست مجرد دولة خليجية حديثة، بل وريثة تجربة بحرية وتجارية وإمبراطورية امتدت عبر المحيط الهندي وشرق أفريقيا، وقد علمها هذا التاريخ أن ازدهار الدول لا يتحقق عبر الصدام الدائم، بل عبر الانفتاح والتفاعل والتعاون مع الشعوب والثقافات المختلفة.
ومن هنا نشأت في التجربة العُمانية نظرة مختلفة إلى التنوع. فبدلاً من السعي إلى إلغاء الاختلافات أو تحويلها إلى صراعات، تعلم العُمانيون إدارة التنوع بوصفه مصدر قوة واستقرار، وقد انعكس ذلك في مجتمع عرف التعدد المذهبي والثقافي والعرقي، دون أن يتحول إلى ساحة صراع أهلي أو طائفي كما حدث في أماكن أخرى من المنطقة.
كما ساعدت الخصوصية المذهبية التاريخية لعُمان على بقائها بعيدة عن الاستقطاب السني ـ الشيعي الذي استنزف الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، وبينما انخرطت قوى عديدة في حروب الهوية والانتماء المذهبي، حافظت السلطنة على مسافة واحدة من مختلف الأطراف، الأمر الذي منحها قدرة استثنائية على لعب دور الوسيط المقبول من الجميع.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن تتحول مسقط إلى واحدة من أهم عواصم الوساطة والدبلوماسية الهادئة في العالم. فمن يعرف تاريخ السياسة العُمانية الحديثة يدرك أنها لعبت أدواراً محورية في أخطر ملفات المنطقة، وخصوصاً في الملف الأمريكي ـ الإيراني.
فقد احتضنت السلطنة، بهدوء ودون ضجيج، قنوات الاتصال السرية والعلنية بين واشنطن وطهران لسنوات طويلة، ونجحت في بناء أرضية ثقة نادرة بين طرفين كانا يقفان دائماً على حافة المواجهة، ولم تكن تلك الجهود شكلية أو بروتوكولية، بل حققت اختراقات حقيقية ومهمة، وكان بالإمكان أن تؤدي إلى تسويات تاريخية تنهي واحداً من أكثر الملفات تعقيداً وخطورة في العالم، لولا أن واشنطن عادت في أكثر من محطة إلى منطق التصعيد والمواجهة.
وفي الوقت نفسه نجحت عُمان في بناء علاقة متوازنة مع الغرب دون أن تتحول إلى تابع له، كما حافظت على علاقات جيدة مع دول الجوار والقوى الإقليمية المختلفة دون أن تنخرط في سياسة المحاور الحادة، وهي معادلة نادرة في منطقة غالباً ما تُجبر دولها على الاختيار بين معسكر وآخر.
هنا تحديداً تكمن قيمة التجربة العُمانية؛ فهي تقوم على قناعة بأن المصالح لا تُدار فقط بالقوة العسكرية، وأن الحوار ليس علامة ضعف، بل أداة من أدوات القوة الرشيدة. كما تقوم على إدراك عميق بأن الدول الصغيرة والمتوسطة لا تستطيع تغيير الجغرافيا، لكنها تستطيع تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر تأثير إيجابي من خلال بناء الثقة وتسهيل التفاهمات.
ولهذا فإن أي تهديد لعُمان لا يمكن النظر إليه باعتباره خلافاً سياسياً عادياً مع دولة خليجية، بل باعتباره رسالة سلبية إلى كل من يؤمن بالدبلوماسية والوساطات والحلول السلمية. فحين يبدأ العالم بمعاقبة الوسطاء أو التعامل معهم باعتبارهم جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل، فإنه يدفع الجميع نحو منطق المحاور والصدامات المغلقة.
ثم إن عُمان ليست دولة هامشية في الحسابات الجيوسياسية، فهي تشرف مع إيران على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة الدولية. لكن أهمية السلطنة لا تكمن فقط في موقعها الجغرافي، بل أيضاً في المكانة السياسية والأخلاقية التي بنتها لنفسها عبر عقود طويلة من المصداقية والاتزان.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن كثيراً من الحروب التي شهدتها المنطقة لم تنتج حلولاً حقيقية، بل خلّفت مزيداً من الانهيارات والانقسامات والكراهية. بينما كانت الدول التي راهنت على الحوار والعقلانية، وفي مقدمتها عُمان، تحاول باستمرار إبقاء باب السياسة مفتوحاً ولو في أصعب الظروف.
ومن هنا فإن الدفاع عن عُمان اليوم، هو دفاع عن فكرة الاعتدال نفسها، وعن حق المنطقة في أن تمتلك نماذج سياسية مختلفة عن منطق الهيمنة والإملاءات. كما أنه دفاع عن فكرة الدولة العاقلة التي تدرك حدود القوة، وتعرف أن بناء الجسور بين الخصوم قد يكون أحياناً أكثر أهمية من الانتصار عليهم.
ويبقى السؤال الحقيقي الذي تطرحه مثل هذه التصريحات ليس: لماذا تُهدد عُمان؟ بل: ماذا يبقى من معنى للاستقرار الدولي إذا كانت حتى الدول التي كرست نفسها للحوار ومنع الحروب تتحول إلى أهداف للتهديد والابتزاز السياسي؟
إن حماية دور عُمان اليوم هو حماية لفكرة أن الحكمة لا تزال ممكنة في هذا الشرق المضطرب، وأن السياسة لا يجب أن تتحول بالكامل إلى لغة تهديد، وأن شعوب المنطقة تستحق مستقبلاً يقوم على التفاهم والاحترام المتبادل، لا على الحروب المفتوحة وصفقات الإذعان.
ففي زمن الاستقطابات الحادة، تبدو عُمان تذكيراً نادراً بأن الاعتدال ليس ضعفاً، وأن الحوار ليس استسلاماً، وأن الحكمة تبقى، في نهاية المطاف، إحدى أهم صور القوة. هيئة تحرير موقع أثير المحترمون



