من الميدان إلى قلب الدولة: سيرة المقدم سعيد بن سالم الذي شارك في صناعة عُمان الحديثة (1)

من الميدان إلى قلب الدولة: سيرة المقدم سعيد بن سالم الذي شارك في صناعة عُمان الحديثة (1)
المقدم سعيد بن سالم
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في مسيرة الأمم، تبرز شخصياتٌ تُجسّد لحظات التحوّل، وتختزل في أدوارها ملامح مرحلةٍ بأكملها، ومن بين تلك الشخصيات في التاريخ العُماني الحديث، يبرز اسم المقدم سعيد بن سالم الوهيبي، بوصفه واحدًا من رجالات المرحلة التي شهدت توحيد البلاد، وترسيخ دعائم الدولة الحديثة؛ فقد ارتبط حضوره العسكري بالمحطات المفصلية التي سبقت قيام النهضة الحديثة، وأسهم في الجهود التي هدفت إلى بسط الاستقرار وتعزيز الوحدة الوطنية، في زمنٍ كانت فيه البلاد تواجه تحديات داخلية معقّدة، ومع بزوغ فجر الثالث والعشرين من يوليو 1970، كان الوهيبي في قلب الحدث، مساندًا لمسيرة النهضة التي قادها السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – ومشاركًا في تثبيت أركانها في سنواتها الأولى.
ولم يكن هذا الدور وليد الصدفة؛ إذ يُعدّ سعيد بن سالم الوهيبي أول ضابطٍ عُماني في القوات المسلحة، وأول مرافق عماني للسلطان قابوس، في دلالةٍ عميقة على التحوّل الذي شهدته المؤسسة العسكرية، وانتقالها نحو تمكين الكوادر الوطنية. ومن خلال مسيرته التي امتدت بين الميدان والإدارة، قدّم نموذجًا للجندي والقائد والإداري الذي جمع بين الشجاعة والانضباط، وبين القرب من القرار والإخلاص في التنفيذ.
في هذا التقرير، تقترب " أثير" في سلسلة من سيرة رجلٍ لم يكن مجرد شاهدٍ على النهضة، بل كان أحد المشاركين في صناعتها، لتستعرض محطاتٍ من حياته، وتقرأ في أدواره دلالات مرحلةٍ شكّلت ملامح عُمان الحديثة.
النشأة… البدايات التي صنعت الصلابة
وُلد المقدم سعيد بن سالم الوهيبي في الأول من مايو من عام 1936م في وادي السرّين، ضمن أسرةٍ بسيطة كان عائلها يعمل بالزراعة شأنه شأن غالبية أبناء القرية، وقد امتلكت الأسرة مزرعةً تضمّ عددًا من المحاصيل التي تشتهر بها المنطقة، كالنخيل، والبرسيم، والبصل، والثوم، والقمح، وغيرها، في بيئةٍ شكّلت أولى ملامح شخصيته، وربطته مبكرًا بقيم العمل والاعتماد على الذات.
غير أن طفولته لم تخلُ من المنعطفات القاسية؛ إذ فقد والده في سنٍ مبكرة، تاركًا خلفه زوجته وطفلين صغيرين: سعيد وأخاه سيف، إلى جانب جدّتهما التي تولّت مسؤولية رعايتهما، وكان سعيد يكبر أخاه بأربع سنوات، الأمر الذي جعله يتحمّل منذ وقتٍ مبكر نصيبًا من المسؤولية.
ومع زواج والدته لاحقًا، ونشوء أسرة جديدة ضمّت ثلاثة أبناء آخرين هم: حبيب، وسالم، وسالمة، ظلّ سعيد وأخوه في كنف جدّتهما التي اضطلعت بدورٍ محوري في تنشئتهما، بمساندة عمّهما جميع بن سعيد، الذي كان سندًا للأسرة في تلك المرحلة.
لكن الأقدار لم تمهله طويلًا؛ إذ أُصيب عمّه بالمرض بينما كان سعيد لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وهو ما دفعه إلى تحمّل أعباء الأسرة بصورةٍ أكبر، فجمع بين رعاية شؤون المنزل والعمل في الأرض الزراعية التي تركها والده، في تجربةٍ مبكرة صقلت شخصيته، وزرعت فيه روح الاعتماد على النفس.
ومع اقترابه من سن العشرين، توالت عليه الفواجع؛ حيث توفي عمّه، ثم لحقت به جدّته بعد عامٍ واحد، ليجد نفسه أمام واقعٍ جديد، يتطلب منه أن يكون السند الأول لنفسه ولمن حوله، في مرحلةٍ كانت تمهّد لتحوّله الكبير نحو مسارٍ مختلف في حياته.
البدايات العملية… من خور البطح تنطلق الحكاية
في صيف عام 1951م، بدأ سعيد بن سالم الوهيبي أولى خطواته في معترك العمل وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، في مرحلةٍ مبكرة كشفت عن ملامح شخصيته الجادة واعتماده على ذاته، فقد توجّه إلى المقاول حسين فقير محمد، أحد المتعهدين بتوفير الأيدي العاملة للشركات التي كانت تنفّذ مشروعات لصالح الحكومة والقصر، ليلتحق ضمن فرق العمل في مجال الإنشاءات.
وكانت وجهته مدينة صور، حيث شارك في أعمال البناء في بيت البطح المطلّ على ضفاف خور البطح، ذلك الخور الذي مثّل شريانًا حيويًا لميناء صور ونقطة التقاءٍ للنشاط الملاحي والتجاري في تلك الفترة، ولم يكن الموقع عاديًا؛ إذ كان البيت في الأصل ملكًا للنوخذا الشيخ سالم بن عبدالله بهوان المخيني، قبل أن يُهدى إلى السلطان سعيد بن تيمور في مطلع خمسينيات القرن العشرين، ليأخذ بعدًا إداريًا ووظيفيًا ضمن مرافق الدولة.
صورة أرشيفية لبيت البطح وبجواره بيت الفرضة (الجمرك)
صورة أرشيفية لبيت البطح وبجواره بيت الفرضة (الجمرك)
في هذا المكان، وبين أجواء العمل الشاق وتفاصيل البناء، قضى سعيد بن سالم عامًا كاملًا، اكتسب خلاله خبرةً عملية مبكرة، وصقل مهاراته في التحمل والانضباط، قبل أن يعود إلى بلدته وقد بدأت تتشكل لديه ملامح طريقٍ مختلف في الحياة، سيقوده لاحقًا إلى ميادين أوسع وأدوار أكثر تأثيرًا.
من مسقط إلى صحار… خبرة تُمهّد للتحوّل
في عام 1952م، وكان في السادسة عشرة من عمره، شدّ سعيد بن سالم الوهيبي رحاله إلى مسقط، باحثًا عن فرصةٍ أوسع للعمل، فالتحق بخدمة “بردان سينغ”، وهو مهندس هندي كان يشغل منصب كبير مهندسي الصيانة في القصر السلطاني، ويتولى الإشراف على المباني والمنشآت التابعة له.
وفي هذه البيئة، تعرّف سعيد إلى طبيعة العمل الفني والتنظيمي داخل مرافق الدولة، واكتسب خبرةً جديدة في التعامل مع فرق العمل والإشراف عليها، وهي خبرة ستظهر آثارها لاحقًا في مسيرته.
ولم تمضِ أشهرٌ قليلة حتى جاء التحوّل الأبرز؛ ففي ديسمبر من العام نفسه، أصدر السلطان سعيد بن تيمور توجيهاته إلى المهندس بردان سينغ بالتوجّه إلى صحار لإنشاء معسكر للجيش السلطاني، وهو مشروعٌ يعكس بدايات التنظيم العسكري في تلك المرحلة، واختار المهندس سينغ أن يرافقه سعيد، بل وأسند إليه مهمة الإشراف على العمّال في موقع المشروع، في خطوةٍ تعكس الثقة التي حظي بها رغم صغر سنّه.
ومع اكتمال أعمال الإنشاءات في يونيو 1953م، عاد المهندس إلى مسقط، غير أن سعيد اختار البقاء في صحار، حيث بدأت ملامح استقراره تتشكّل، وتوثّقت علاقته بالمكان، خصوصًا بعد زواجه من إحدى نساء المدينة، وتُدعى شيخة بنت حمد بن سيف الرحيلية.
لحظة التحوّل… من عصا إلى بندقية
في تلك الأثناء، كان الجيش السلطاني – تحت قيادة الكابتن كولن ماكسويل – قد فتح باب التجنيد، في ظلّ تحدياتٍ سياسية داخلية فرضت الحاجة إلى تعزيز الصفوف، وكان سعيد بن سالم الوهيبي يتابع ما يجري بشغفٍ واضح، وقد استبدّ به الطموح للانضمام إلى هذا المسار الجديد.
ولم يكتفِ بالمراقبة؛ بل كان يُقلّد تدريبات الجنود، ممسكًا بعصاه وكأنها بندقية، يؤدي بها الحركات العسكرية بحماسةٍ لافتة، في مشهدٍ لم يغب عن أنظار القائد ماكسويل، الذي لمح فيه بوادر موهبةٍ عسكرية واعدة. غير أن نائبه، الكابتن أرميتاج، كان يرى أن بقاء سعيد في أعمال الصيانة أكثر جدوى، نظرًا لبراعته في هذا المجال.
لم يرق هذا الرأي لسعيد، الذي كان قد حسم خياره مبكرًا، فانتظر فرصةً مواتية، وحين غادر الكابتن أرميتاج في إجازته السنوية، توجّه إلى القائد ماكسويل مجددًا، عارضًا رغبته بإصرار، فحصل هذه المرة على الموافقة للالتحاق بالجيش، وذلك في أواخر عام 1953م.
وعندما عاد أرميتاج من إجازته، فوجئ بالأمر، لكنه تقبّله بروحٍ عملية، قائلاً " يبدو أنك ترغب في أن تكون جنديًا… استمر في ذلك، " وكانت تلك الجملة بمثابة إقرارٍ ببداية مرحلة جديدة في حياة سعيد.
ولم تمضِ سوى أسابيع قليلة حتى بدأت ملامح تميّزه تظهر بوضوح؛ ففي أقل من شهرين، رُقّي إلى الدرجة الأولى الخاصة، ثم بعد ثلاثة أشهر فقط، نال رتبة وكيل عريف، في مسارٍ سريع يعكس قدراته، ويؤكد أنه لم يكن مجرد مجنّدٍ عادي، بل مشروع قائدٍ في طور التشكّل.
الرقم العسكري لسعيد بن سالم والذي احتفظ به حتى أصبح ضابطًا
الرقم العسكري لسعيد بن سالم والذي احتفظ به حتى أصبح ضابطًا
المراجع
  • البلوشي، أحمد بن سويدان. رحلتي في عالم الاتصالات، دار الفارابي، لبنان، 2012.
  • التكريتي، عبد الرزاق. ثورة الرياح الموسمية، دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع، 2019
  • جي. إي. بيترسون. حركات التمرد في عُمان: صراع السلطنة من أجل السيادة (ترجمة بدر العبري)، 2007.
  • سيرة المقدم سعيد بن سالم الوهيبي. نسخة غير منشورة. أرشيف متحف المقدم سعيد بن سالم الوهيبي.
  • أرشيف متحف المرحوم سعيد بن سالم الوهيبي. منزل الأسرة، حي الرحبة، الخميس 30 أبريل 2026.
  • إبراهيم بن محمد بن مرهون الوهيبي. ملاحظات وإضافات مكتوبة على مسودّة التقرير، الاثنين 18 مايو 2026.
  • ناصر بن سليمان بن علي الوهيبي. ملاحظات مكتوبة على مسودة التقرير، الأربعاء 20 مايو 2026
  • موقع قانون.

شارك هذا الخبر