أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في منتصف سبعينيات القرن الماضي، كانت الرحلة بين مسقط وولاية صور تستغرق ساعات طويلة عبر طرق متعرجة تعبر الجبال والأودية، الأمر الذي جعل إنشاء طريق حديث يربط العاصمة بالمنطقة الشرقية أحد أبرز المشروعات التنموية التي شهدتها سلطنة عُمان في بدايات النهضة الحديثة.
وفي 25 يوليو 1974م وقّعت وزارة المواصلات والخدمة العامّة اتفاقية مع شركة دوميز Dumiz الفرنسيّة لإنشاء طريق يربط العاصمة مسقط بولاية صور مرورًا بولاية بدبد، ليبدأ العمل في واحد من أكبر مشروعات البنية الأساسية آنذاك، بطول بلغ 263 كيلومترًا، في خطوة عكست اهتمام الحكومة بربط المحافظات بشبكة طرق حديثة تسهم في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وقد بلغت تكلفة إنشاء المشروع ثلاثين مليون ريالٍ عمانيّ ونصف المليون، وأشرفت على الأعمال الاستشارية الخاصة به شركة “سابوني”.

مشروع إستراتيجي
شكّل الطريق منذ التخطيط له شريانًا حيويًا يربط محافظة مسقط بالمنطقة الشرقية، مرورًا بعدد من الولايات والقرى، وأسهم في اختصار زمن الرحلات، وتسهيل انتقال المواطنين والبضائع، وربط الموانئ والمراكز التجارية. كما فتح آفاقًا جديدة للاستثمار والسياحة والخدمات في المناطق التي يمر بها.
ولم يكن تنفيذ الطريق مهمة سهلة؛ فقد واجهت فرق العمل تحديات كبيرة فرضتها الطبيعة الجبلية الوعرة، وكثرة الأودية، الأمر الذي استلزم تنفيذ أعمال هندسية متقدمة قياسًا بإمكانات تلك المرحلة، ليخرج المشروع بوصفه أحد أهم الإنجازات الهندسية في عقد السبعينيات.




افتتاح بعد ثلاث سنوات
بعد أكثر من ثلاث سنوات من العمل المتواصل، افتُتح الطريق رسميًا في 13 نوفمبر 1977م، تحت رعاية السيد فهر بن تيمور، ليبدأ مرحلة جديدة في تاريخ النقل البري في سلطنة عُمان، ويصبح الرابط الرئيس بين مسقط وصور لعقود قادمة.


أثر اقتصادي واجتماعي
أسهم الطريق في إحداث تحول كبير في الحياة اليومية لسكان ولايات الشرقية، إذ سهّل حركة التجارة الداخلية، وعزّز وصول الخدمات الحكومية، وربط الأسواق والموانئ ببقية أنحاء البلاد، كما أسهم في تنشيط الحركة السياحية، وتقوية الروابط الاجتماعية بين المحافظات.
ومع التوسع العمراني والاقتصادي الذي شهدته سلطنة عمان خلال العقود اللاحقة، ازداد حجم الحركة المرورية على الطريق، الأمر الذي قاد إلى تنفيذ مشروع ازدواجيته في القرن الحادي والعشرين، استمرارًا للدور الحيوي الذي يؤديه هذا المحور في شبكة الطرق الوطنية.
شاهد على النهضة
يبقى طريق بدبد – صور واحدًا من المشروعات التي جسدت رؤية النهضة العُمانية في سنواتها الأولى، حين اتخذت الدولة من إنشاء البنية الأساسية ركيزة للتنمية الشاملة، فمنذ توقيع اتفاقيته في يوليو 1974 وحتى افتتاحه في نوفمبر 1977، لم يكن الطريق مجرد مشروع هندسي بطول 263 كيلومترًا، بل كان خطوة إستراتيجية أسهمت في تقليص المسافات، وربط المجتمعات، وفتح آفاق جديدة للنمو الاقتصادي والاجتماعي، وما يزال أثره حاضرًا حتى اليوم باعتباره أحد أهم المحاور البرية التي ربطت العاصمة بمحافظات الشرقية.
الوضع الحالي للطريق (طريق الشرقية السريع)
تغيرت ملامح الطريق تمامًا وبشكل جذري عن الحقبة السبعينية التي نفذتها شركة دوميز، حيث قامت الحكومة لاحقًا عبر شركات ومقاولين آخرين بتحويله إلى طريق مزدوج حديث يضم ثلاث حارات في كل اتجاه، وتضمن المشروع الجديد إنشاء أنفاق وجسور التفافية ضخمة لتفادي المنحدرات الصعبة وخطورة الأودية وجريان الشعاب (خصوصًا في وادي العق) لضمان انسيابية الحركة المرورية في مختلف الظروف.





