أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في مسيرة الأمم، تبرز شخصياتٌ تُجسّد لحظات التحوّل، وتختزل في أدوارها ملامح مرحلةٍ بأكملها، ومن بين تلك الشخصيات في التاريخ العُماني الحديث، يبرز اسم المقدم سعيد بن سالم الوهيبي، بوصفه واحدًا من رجالات المرحلة التي شهدت توحيد البلاد، وترسيخ دعائم الدولة الحديثة؛ فقد ارتبط حضوره العسكري بالمحطات المفصلية التي سبقت قيام النهضة الحديثة، وأسهم في الجهود التي هدفت إلى بسط الاستقرار وتعزيز الوحدة الوطنية، في زمنٍ كانت فيه البلاد تواجه تحديات داخلية معقّدة، ومع بزوغ فجر الثالث والعشرين من يوليو 1970، كان الوهيبي في قلب الحدث، مساندًا لمسيرة النهضة التي قادها السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – ومشاركًا في تثبيت أركانها في سنواتها الأولى.
ختام المسيرة: تقاعد يليق برحلة عطاء استثنائية
في عام 1985م، وفي ذروة عطائه المهني، قرّر معالي المقدم سعيد بن سالم الوهيبي أن يترجّل عن مسيرته الوظيفية بعد نحو خمسة وثلاثين عامًا من الخدمة المتواصلة، بدأت منذ التحاقه بالعمل في المنشآت السلطانية عام 1951م وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، وانتهت بعد أن أسهم في الإشراف على تنظيم احتفالات البلاد بالعيد الوطني الخامس عشر، في واحدة من أبرز محطات عطائه الإداري.
وقد ثمّن السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – جهوده بخطاب شكرٍ رسمي، أشاد فيه بخدماته المتواصلة في القصر السلطاني منذ عام 1970م، محددًا يوم الثاني عشر من ديسمبر 1985م تاريخًا لإحالته إلى التقاعد، على أن يخلفه في منصبه السيد سيف بن حمد بن سعود.

أوسمة على صدر الوفاء: تكريمٌ يخلّد مسيرة العطاء
تقديرًا لعطائه المتواصل وما قدّمه من خدمات جليلة على امتداد سنوات عمله، حظي المقدم سعيد بن سالم الوهيبي بتكريمٍ سامٍ من السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – من خلال منحه عددًا من الأوسمة الرفيعة، ففي العشرين من نوفمبر 1980م، تشرّف بنيل وسام نهضة عُمان.


وفي السادس عشر من نوفمبر 1985م مُنح أحد أعلى الأوسمة في السلطنة، وهو وسام الشرف الأعظم العُماني، وذلك تقديرًا لجهوده المتميزة وإسهاماته البارزة في مختلف المهام التي اضطلع بها.


ولا تمثّل الأوسمة التي مُنحت للمقدم سعيد بن سالم الوهيبي مجرد تقديرٍ بروتوكولي، بل تحمل في طيّاتها دلالات عميقة تتجاوز البعد الشكلي إلى معانٍ وطنية ومؤسسية راسخة، فهي أولًا تعكس حجم الثقة التي أولتها القيادة السياسية له، وتُجسّد اعترافًا رسميًا بدوره المحوري في مرحلةٍ مفصلية من تاريخ عُمان، بدءًا من سنوات العمل الميداني، وصولًا إلى إسهاماته في بناء مؤسسات الدولة الحديثة.
كما تشير هذه الأوسمة إلى قيمة الاستمرارية والانضباط في الأداء، إذ جاءت تتويجًا لمسيرة طويلة اتسمت بالولاء والإخلاص، والقدرة على التكيّف مع تحوّلات كبرى شهدتها البلاد. وهي كذلك دليل على أن الدولة، في عهد النهضة، كانت حريصة على تكريم الكفاءات الوطنية التي أسهمت في ترسيخ الاستقرار وبناء الهياكل الإدارية والعسكرية.
ومن زاويةٍ أخرى، فإن منحه وسام الشرف الأعظم العُماني – وهو من أرفع الأوسمة – يضعه ضمن نخبة الشخصيات التي حظيت بتقديرٍ استثنائي، بما يعكس أثره العميق في محيطه الوظيفي، ودوره في تمثيل الدولة في أدق تفاصيلها، خصوصًا في مجال المراسم والتشريفات.
ما بعد الخدمة… عودة إلى الأرض واتساع في العطاء
بعد أن طوى صفحة العمل الحكومي، تفرّغ معالي المقدم سعيد بن سالم الوهيبي لاهتماماته الخاصة، التي ظلّت لسنواتٍ طويلة مؤجّلة بفعل مسؤولياته الوظيفية المتعددة، فعاد إلى جذوره الأولى، حيث الأرض التي نشأ في كنفها، واهتمّ بالزراعة، وبالأخص زراعة النخيل، فاقتنى عددًا من المزارع، وحرص على متابعتها بنفسه، مستعيدًا بذلك صلته القديمة بتلك البيئة التي كانت أول مدرسةٍ له في العمل، حين ساعد والده في إدارة شؤون المزرعة، ثم تحمّل مسؤوليتها في سنٍ مبكرة بعد وفاته.
ولم تقتصر اهتماماته على الزراعة، بل امتدّت إلى النشاط التجاري، خصوصا في قطاعي البناء والعقارات، حيث أسّس “مجموعة السرين” التي حملت اسم الوادي الذي شهد نشأته الأولى، وقد نمت هذه المجموعة لتصبح واحدة من أبرز الكيانات التجارية المحلية، بأنشطةٍ متعددة أسهمت في دعم الحركة الاقتصادية.

وفي موازاة ذلك، ظلّ حضوره المجتمعي فاعلًا ومؤثرًا؛ إذ واصل أداء دوره في خدمة المجتمع، عبر دعم العديد من المشروعات الخيرية والخدمية في مختلف مناطق السلطنة، فقد أسهم في إنشاء عددٍ من المساجد والمجالس، ومشروعات البنية الأساسية، من بينها تمويل بناء سدّ في وادي السرين، وإنشاء مسجد الوقف في وادي الطائيين عن روح والده، إلى جانب مبادرات أخرى كثيرة تعكس روح العطاء التي لازمته في مختلف مراحل حياته.

الحياة الأسرية… امتداد الاسم واستقرار المسيرة
تزوّج معالي المقدم سعيد بن سالم الوهيبي لأول مرة نحو عام 1953م، وهو في نحو السابعة عشرة من عمره، أثناء عمله في صحار، ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته توازى فيه الواجب المهني مع بناء الأسرة، وقد رُزق بعددٍ من الأبناء والبنات، فكان ابنه البكر عبد العزيز في حدود عام 1960م، تلاه سالم نحو عام 1964م، ثم وُلد ابنه الثالث حمد في أواخر عام 1968م، في وقتٍ كان فيه يؤدي واجبه العسكري في ظفار. كما رُزق بعد ذلك بابنيه خالد عام 1969م، وإبراهيم عام 1970م.

ثم تزوج للمرة الثانية من فاطمة بنت صالح بن عبد الله باعبود من محافظة ظفار عام 1973 وأنجب منها ابنته نوال في مسقط عام 1974م، تلتها أميمة عام 1977م، وهو العام الذي شهد انتقال الأسرة إلى منزلها الجديد في ضاحية القرم، في سياقٍ يعكس استقرارًا متزايدًا في حياته، واستمر هذا الامتداد الأسري بولادة ابنه محمد في مسقط عام 1989م، ثم مازن عام 1995م، لتبقى الأسرة حاضرةً بوصفها ركيزةً أساسية في مسيرته، ومجالًا آخر للعطاء والاستقرار.



الرحيل… حين يودّع الوطن أحد رجاله
في السابع والعشرين من أكتوبر عام 2020م، ترجّل الفارس بعد مسيرةٍ تجاوزت أربعةً وثمانين عامًا، قضى معظمها في خدمة وطنه، متنقّلًا بين مواقع متعددة، ومؤديًا أدوارًا مختلفة تركت أثرها في مسيرة البلاد.

وقد شهدت جنازته حضورًا واسعًا من المواطنين الذين حرصوا على توديعه، في مشهدٍ عكس مكانته في القلوب. كما نعته وسائل إعلام محلية وخارجية، استحضرت في كلماتها سيرة رجلٍ كان جزءًا من مرحلةٍ مفصلية في تاريخ عُمان.



مقتنيات تحكي السيرة… ذاكرةٌ من تفاصيل الحياة
وتبقى مقتنيات معالي المقدم سعيد بن سالم الوهيبي شاهدًا حيًّا على مسيرته الحافلة، إذ تختزن بين تفاصيلها ملامح من حياته الشخصية والعملية، فمن بين تلك المقتنيات أحد جوازات سفره التي تعكس تنقّلاته ومهامه، ولباسه العسكري الذي ارتبط بسنوات الخدمة والانضباط، إلى جانب أحد مسدساته الذي يرمز لمرحلة الميدان وما حملته من تحديات. كما تحتفظ ذاكرته المادية بعصاه التي لازمته في سنواته اللاحقة، وتمثالٍ نصفي يجسّد ملامحه ويخلّد حضوره، فضلًا عن عددٍ من النياشين والأوسمة التي تزيّن مسيرته، وتختصر في بريقها تقدير الوطن لعطائه الطويل.





وهكذا تمضي سيرة المقدم سعيد بن سالم الوهيبي، من فتىً شدّته الأرض في وادي السرين، إلى رجلٍ شدّته المسؤولية فصار في قلب الأحداث، شاهدًا وصانعًا لتحوّلاتٍ كبرى في تاريخ الوطن. بين ميادين القتال، وممرّات القصور، ومواقع القرار، ظلّ وفيًا لنهجٍ واحد: العمل بصمت، والإخلاص دون ضجيج.
لم تكن رحلته مجرّد انتقالٍ بين مناصب، بل كانت مسارًا متصاعدًا من التجربة إلى القيادة، ومن الجندية إلى صناعة اللحظة التاريخية، ثم إلى بناء المؤسسات، قبل أن يعود إلى الأرض التي أحبّها، ويغرس فيها ما تبقّى من عمره عطاءً ونماءً.
وبرحيله، لا يُطوى اسم، بل تُفتح صفحة في الذاكرة، تُذكّر بأن النهضات لا تُصنع بقرارٍ واحد، بل بسواعد رجالٍ آمنوا بوطنهم، فكانوا له كما أراد لهم أن يكونوا: أمناء في الميدان، أوفياء في الغياب، وباقين في الأثر.
المراجع
- البلوشي، أحمد بن سويدان. رحلتي في عالم الاتصالات، دار الفارابي، لبنان، 2012.
- التكريتي، عبد الرزاق. ثورة الرياح الموسمية، دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع، 2019
- جي. إي. بيترسون. حركات التمرد في عُمان: صراع السلطنة من أجل السيادة (ترجمة بدر العبري)، 2007.
- سيرة المقدم سعيد بن سالم الوهيبي. نسخة غير منشورة. أرشيف متحف المقدم سعيد بن سالم الوهيبي.
- أرشيف متحف المرحوم سعيد بن سالم الوهيبي. منزل الأسرة، حي الرحبة، الخميس 30 أبريل 2026.
- إبراهيم بن محمد بن مرهون الوهيبي. ملاحظات وإضافات مكتوبة على مسودّة التقرير، الاثنين 18 مايو 2026.
- ناصر بن سليمان بن علي الوهيبي. ملاحظات مكتوبة على مسودة التقرير، الأربعاء 20 مايو 2026
- موقع قانون.






