أثير- د. محمد بن حمد العريمي
أكدت ورقة علمية قُدّمت ضمن أعمال ندوة ”محافظة ظفار في ذاكرة التاريخ العُماني“ التي نظّمتها هيئة الوثائق والمحفوظات في محافظة ظفار خلال الفترة من 14-16 سبتمبر 2025م أن الوثائق الوقفية الخاصة تمثل أحد أهم المصادر التاريخية لإعادة بناء ملامح الحياة الاجتماعية والثقافية في محافظة ظفار، لما تتضمنه من معلومات دقيقة تتجاوز الجانب الشرعي والإداري إلى توثيق العلاقات الاجتماعية، والموارد الاقتصادية، والممارسات الدينية والثقافية، والتحولات العمرانية والجغرافية.
وأوضح الباحث نبيل بن ماجد العبري الذي قدّم الورقة المشار إليها تحت عنوان ”الوثائق الخاصة مصدر تاريخ الحياة الاجتماعية والثقافية في ظفار“، أن ورقته سعت إلى بيان كيفية توظيف الوثائق الوقفية في قراءة التاريخ المحلي، وتحليلها بوصفها مؤشرًا على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والجغرافية، وربط مضامينها بالتحولات التي شهدها المجتمع الظفاري عبر الزمن، انطلاقا من تساؤل رئيس حول مدى إسهام الوصايا وسجلات الوقف والوثائق الخاصة في رسم صورة دقيقة للحياة الاجتماعية والثقافية بالمحافظة.

وبيّنت الورقة أن الوثائق الوقفية تقدم قراءة متعددة الأبعاد لتاريخ ظفار، إذ تكشف عن البعد الإداري من خلال التعرف إلى نظّار الأوقاف وآليات إدارتها والمراسلات المنظمة لشؤونها.
كما توثق البعد الديني عبر إبراز مكانة العلماء والفقهاء والممارسات التعبدية والخطاب الشرعي، إلى جانب رصد الأبعاد الثقافية والاجتماعية والعمرانية والاقتصادية للمجتمع.

من الوثيقة إلى المجتمع
وينطلق الباحث من تساؤل رئيس: كيف يمكن للوثائق الوقفية أن تسهم في قراءة تاريخ ظفار من زوايا متعددة؟ ثم يقسم الإجابة إلى مجموعة أبعاد متكاملة: الإداري، والديني، والجغرافي، واللغوي، والاجتماعي، والثقافي، وهذا التقسيم ليس تجزئة للموضوع، وإنما يوضح أن الوثيقة الواحدة تحمل معلومات متداخلة؛ فكل وثيقة وقف تتضمن أسماء أشخاص، وأماكن، ومصطلحات، وعلاقات اجتماعية، ومفاهيم دينية، وإجراءات إدارية في آن واحد.
الترابط بين الأبعاد المختلفة
1- البعد الإداري أساس التنظيم المؤسسي:
تكشف الوثائق أسماء النظار والقضاة ووكلاء الأوقاف، وتوضح صلاحياتهم وآليات إدارة الوقف والمراسلات الرسمية بينهم، وهو ما يسمح بإعادة رسم صورة الجهاز الإداري في ظفار، ومدى تطوره، ومستوى التنظيم الذي وصلت إليه إدارة الأوقاف.



2- البعد الديني يمنح الإدارة غايتها :
يذكر الباحث العبري أن الإدارة لم تكن هدفًا بحد ذاتها، وإنما كانت وسيلة لتحقيق المقاصد الدينية؛ فالوثائق توضح أن الأوقاف خُصصت للمساجد، والربط، وتعليم القرآن، وإعاشة طلبة العلم، وصيانة دور العبادة؛ ما يكشف مكانة العلماء والفقهاء ودور الوقف في ترسيخ الحياة الدينية.
وهنا يظهر الترابط؛ فالإدارة كانت تخدم الدين، والدين كان يوجّه الإدارة.


3- البعد الجغرافي يحدد مجال الحركة:
عندما تحدد الوثائق أسماء القرى والمزارع والآبار والطرق والربط، فإنها لا تقدم أوصافًا مكانية فحسب، بل تكشف توزيع السكان، ومراكز النشاط الاقتصادي، وشبكات التنقل، وعلاقة الوقف بالبيئة الطبيعية والطرق التجارية.
وتزداد أهمية هذا البعد عندما تشير بعض الوثائق إلى السيول والكوارث الطبيعية، بما يدل على تأثر الأوقاف بالأحداث البيئية وحرص الإدارة على المحافظة عليها.

4- البعد الاجتماعي والثقافي يكشف وظيفة الوقف:
أشار الباحث نبيل العبري إلى أن الوقف لم يكن مجرد مؤسسة اقتصادية، بل كان أداة للتكافل الاجتماعي؛ إذ موّل المساجد، وساعد المحتاجين، وخدم المسافرين، وربط بين الأسر والأجيال من خلال الوقف.
كما تكشف الوثائق استمرار القيم الاجتماعية مثل التعاون، وصيانة الممتلكات العامة، والوفاء بشروط الواقفين.

5- البعد اللغوي يوثق الثقافة المحلية:
تحتفظ الوثائق الوقفية الخاصة بظفار بمصطلحات زراعية وإدارية وفقهية محلية مثل المكوك، والفالية، والغارف، والمقاييف وغيرها، وهي ألفاظ توثق البيئة الاقتصادية والاجتماعية في ظفار.
كما تعكس تطور لغة الكتابة الرسمية والأسلوب البلاغي المستخدم في مقدمات الوقفيات وخواتيمها.


قيمة النماذج الوثائقية
لم يكتف الباحث بالطرح النظري، بل دعم تحليله بنماذج متنوعة، منها: وثيقة حصر أوقاف الشيخ سالم القويري في القرن الثالث عشر الهجري، ووثائق شراء النخيل وإيقافها للمساجد، وسجل أوقاف ظفار الذي أعيد نسخه في سنة 1989م حفاظًا عليه، ووقفيات لنسخ القرآن الكريم والمصاحف، ووثائق تتعلق بالرباطات والزوايا، ووثائق ترصد آثار السيول والأضرار التي لحقت بالأوقاف، وتراجم القضاة ونظار الأوقاف الذين تولوا حفظ هذه السجلات.
وهذا التنوع يثبت أن الوثائق الوقفية لا تمثل نوعًا واحدًا من المصادر، وإنما تشكل أرشيفًا متكاملا للحياة اليومية.


القراءة التحليلية للدراسة
تميزت الورقة بعدة جوانب مهمة من بينها: توسيع مفهوم الوثيقة الوقفية من وثيقة قانونية إلى مصدر تاريخي متعدد الوظائف، والاعتماد على الوثيقة الأصلية بوصفها شاهدًا مباشرًا على الأحداث، والربط بين التاريخ والأنثروبولوجيا والجغرافيا واللغة في قراءة واحدة، والاستفادة من الصور والنماذج الوثائقية لإثبات النتائج وعدم الاكتفاء بالوصف النظري.
وربما كان بالإمكان تعزيز الورقة أكثر من خلال إجراء مقارنة بين وثائق ظفار والوثائق الوقفية في مناطق عُمانية أخرى؛ لإبراز الخصائص المشتركة والسمات المحلية المميزة.
الخلاصة
قدمت الورقة رؤية منهجية مهمة تؤكد أن الوثائق الوقفية ليست سجلات لحفظ الأملاك فحسب، بل هي ذاكرة حضارية للمجتمع الظفاري، فمن خلالها يمكن تتبع تطور الإدارة، ورصد الحياة الدينية، وفهم البنية الاجتماعية، وإعادة رسم الجغرافيا التاريخية، واستكشاف اللغة المحلية والثقافة السائدة؛ ولهذا فإن قيمتها تتجاوز مجال الأوقاف إلى كونها أحد أهم المصادر الأولية
لكتابة تاريخ ظفار الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وإعادة بناء صورة المجتمع عبر القرون على أسس وثائقية رصينة.
كما خلصت الورقة إلى أهمية تعزيز الوعي المجتمعي بقيمة الوثائق الوقفية، والعمل على حفظها وصونها وإتاحتها للباحثين، وتشجيع الدراسات التي تستنطق الوثائق الأهلية بوصفها مصدرا تاريخيا ثريا يسهم في توثيق ذاكرة ظفار وإثراء الدراسات التاريخية والاجتماعية.






