مختص يجيب: كيف تسرق الهواتف ساعات من يومنا؟

مختص يجيب: كيف تسرق الهواتف ساعات من يومنا؟
مختص يجيب: كيف تسرق الهواتف ساعات من يومنا؟
أثير - ريما الشيخ
تفتح هاتفك للرد على رسالة أو الاطلاع على إشعار سريع، ثم تكتشف بعد دقائق طويلة أنك ما زلت تتنقل بين المقاطع والمنشورات دون هدف واضح. هذه الحالة التي تتكرر يوميًا لدى ملايين الأشخاص تُعرف نفسيًا بـ”التصفح القهري”، وهي سلوك قد يمتد تأثيره إلى النوم والصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية.
حول هذا الجانب، أوضح معاذ بن عمر بن ناصر الصالحي، مختص في علم النفس، لـ“أثير“ مفهوم التصفح القهري وأسبابه وتأثيراته النفسية والعصبية والاجتماعية، إلى جانب أبرز المؤشرات الدالة عليه وطرق الحد منه.
ما المقصود بالتصفح القهري؟
قال معاذ الصالحي إن التصفح القهري يُعرف في علم النفس بأنه نمط سلوكي إشكالي يتسم بالعجز عن السيطرة على دافع استخدام الإنترنت وتفقد المنصات الرقمية. وأوضح أنه يندرج علميًا تحت مظلة ”الاستخدام غير المتوافق للإنترنت“، مبينًا أن هذا السلوك يتجاوز الرغبة في المعرفة أو التسلية ليتحول إلى دافع لا إرادي لتكرار السلوك بهدف تخفيف حالة من التوتر الداخلي أو الهروب من مشاعر سلبية، دون وجود هدف واعٍ أو حاجة فعلية لهذا التصفح.
متى يتحول استخدام الإنترنت إلى حالة إدمان؟
أوضح الصالحي أن الخط الفاصل بين الاستخدام الطبيعي للإنترنت وحالة الإدمان يتحدد من خلال ثلاثة معايير أساسية، أولها عندما يبدأ السلوك في إعاقة الواجبات اليومية أو التسبب في تراجع الأداء الأكاديمي والمهني.
وأضاف أن المعيار الثاني يتمثل في شعور الشخص بالحاجة إلى قضاء ساعات أطول أمام الشاشة تدريجيًا للوصول إلى مستوى الرضا أو الإشباع النفسي نفسه الذي كان يحصل عليه سابقًا خلال دقائق، فيما يتمثل المعيار الثالث في ظهور علامات القلق والاضطراب وسرعة الانفعال بمجرد الابتعاد عن الهاتف أو انقطاع الاتصال بالشبكة.
التأثيرات النفسية والعصبية
أشار معاذ إلى أن التصفح القهري يعيد تشكيل نظام المكافأة في الدماغ، موضحًا أن التدفق المستمر للمثيرات البصرية يؤدي إلى إغراق الدماغ بجرعات متتالية من الدوبامين، وهو ناقل عصبي مسؤول عن الشعور بالمتعة والترقب.
وأكد أنه مع مرور الوقت تضعف حساسية المستقبلات الدوبامينية، مما يجعل الأنشطة الواقعية تبدو مملة مقارنة بالمحتوى الرقمي المتجدد، كما يؤثر الضغط المستمر سلبًا على القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرار والتحكم في الاندفاعات والتنظيم العاطفي.
وأضاف أن هذا السلوك يرتبط كذلك بزيادة مستويات هرمون الكورتيزول، وتعميق الشعور بالمقارنة مع الآخرين، وتدني تقدير الذات نتيجة التعرض المستمر لما وصفه بـ“الحيوات المثالية” المعروضة على المنصات الرقمية.
كيف تعزز الخوارزميات هذا السلوك؟
أوضح أن المنصات الرقمية صُممت اعتمادًا على هندسة سلوكية دقيقة تستغل بعض الثغرات النفسية لدى البشر، مشيرًا إلى أن الخوارزميات تعتمد على آليتين أساسيتين.
وتتمثل الآلية الأولى في ”جداول التعزيز المتغيرة“، حيث يقوم المستخدم بالتمرير المستمر دون معرفة ما إذا كان المحتوى التالي سيكون مشوقًا أم عاديًا، ما يبقي الدماغ في حالة ترقب وبحث دائم.
أما الآلية الثانية فتتمثل في ”التمرير اللانهائي“، الذي يلغي مؤشرات التوقف الطبيعية مثل نهاية الصفحة أو نهاية الكتاب، ما يحرم الوعي من فرصة التوقف ومراجعة السلوك، ويؤدي إلى استمرار التصفح لفترات طويلة.
الفئات الأكثر عرضة
أكد معاذ أن فئة المراهقين والشباب بين 12 و25 عامًا تعد الأكثر عرضة للتصفح القهري، وذلك يعود إلى أسباب بيولوجية واجتماعية، حيث لا يكون نمو القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن كبح الاندفاعات قد اكتمل بعد خلال هذه المرحلة العمرية، ما يجعل هذه الفئة أكثر اندفاعًا وبحثًا عن المكافآت الفورية.
وأضاف أن هذه الفئة تعيش أيضًا حاجة ملحة للاعتراف الاجتماعي والقبول من الأقران، وهو ما توفره أزرار الإعجاب والمشاركة والتفاعل على المنصات الرقمية.
علامات تحذيرية مبكرة
أشار إلى وجود مجموعة من المؤشرات التي قد تساعد على اكتشاف الحالة قبل تفاقمها، من أبرزها تشوه استشعار الوقت، حيث يفتح الشخص هاتفه لتفقد أمر بسيط ثم يفاجأ بمرور وقت طويل دون إدراك ذلك.
وأضاف أن الانشغال الذهني المستمر بما يحدث في العالم الرقمي حتى أثناء ممارسة الأنشطة اليومية يعد من العلامات المهمة، إلى جانب تراجع الرعاية الذاتية وتأجيل الطعام أو النوم أو بعض المتطلبات الشخصية من أجل مواصلة التصفح.
وأكد أن الغضب أو الانزعاج الشديد عند توجيه أي ملاحظة تتعلق بمدة استخدام الهاتف قد يكون مؤشرًا آخر على تطور هذه الحالة.
هل يعد اضطرابًا نفسيًا؟
وأوضح الصالحي أنه لا يوجد حتى الآن تصنيف مستقل للتصفح القهري كاضطراب منفصل ضمن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية.
وأشار إلى أن الجهات الطبية ومنظمة الصحة العالمية تتعامل معه بوصفه أحد أشكال الإدمان السلوكي الذي يشترك في آلياته العصبية مع اضطراب الألعاب الرقمية المعترف به رسميًا، كما قد يظهر كعامل مصاحب لبعض الاضطرابات الأخرى مثل القلق والاكتئاب واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
تأثيرات اجتماعية ومهنية
وأكد الصالحي أن التصفح القهري يؤدي إلى ما يُعرف بـ“الغياب الحاضر” أو العزلة المقنعة، حيث يكون الشخص حاضرًا جسديًا لكنه منشغل ذهنيًا بالعالم الرقمي، وأن هذا السلوك يسهم في تآكل جودة العلاقات العميقة نتيجة تفضيل التواصل الرقمي السطحي، كما يرتبط بظاهرة (Phubbing)، وهي تجاهل الشريك أو الصديق الواقعي لصالح الهاتف.
وأشار إلى أن التصفح القهري يؤثر مهنيًا على القدرة على التركيز والعمل العميق، ويرفع معدلات الأخطاء ويخفض الإنتاجية ويؤخر التطور المهني.
تأثيره على النوم والصحة الجسدية
وأوضح معاذ الصالحي أن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يؤثر على إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم، ما يؤدي إلى تأخر الدخول في النوم العميق، كما أن المحتوى المثير أو المستفز قبل النوم يبقي الجهاز العصبي في حالة يقظة مستمرة، ما يزيد من احتمالات الأرق واضطرابات النوم.
وأشار إلى أن الآثار الجسدية تشمل كذلك متلازمة “رقبة الهاتف” (Text Neck)، وجفاف العين، وزيادة احتمالات السمنة الناتجة عن الخمول البدني.
كيف يمكن الحد من التصفح القهري؟
أوضح معاذ ف ختام حديثه مع ”أثير“ أن الحد من التصفح القهري يتطلب إعادة تصميم العلاقة مع التقنية من خلال خطوات سلوكية مدروسة، مشيرًا إلى أهمية إيقاف التنبيهات غير الضرورية وتحويل شاشة الهاتف إلى وضع الألوان الرمادية لتقليل الجاذبية البصرية للمحتوى، إضافة إلى وضع الهاتف بعيدًا أثناء العمل أو النوم واستخدام التطبيقات التي تحد من مدة الاستخدام.
كما أكد أهمية استخدام مؤقتات زمنية أثناء تصفح وسائل التواصل الاجتماعي لإعادة إدخال مؤشرات التوقف المتعمدة، إلى جانب إيجاد بدائل واقعية مثل القراءة والرياضة والأنشطة الاجتماعية المباشرة، بما يساعد على إعادة تدريب الدماغ على مصادر المتعة الطبيعية.

شارك هذا الخبر