أثير - ريما الشيخ
في كل مرة يشتعل فيها توتر سياسي، أو تتراجع الثقة في الأسواق، أو ترتفع المخاوف من التضخم والركود، يعود الذهب إلى الواجهة كأنه لغة قديمة لا تزال الأسواق تفهمها جيدًا. لا يحتاج المعدن الأصفر إلى بيان سياسي كي يتحرك؛ يكفي أن يشعر المستثمرون بأن العالم يدخل منطقة أكثر غموضًا حتى تبدأ الأنظار بالاتجاه إليه.
لكن الذهب لا يرتفع دائمًا عند كل أزمة، ولا يهبط دائمًا عندما تهدأ الأحداث، فالسعر الذي يراه الناس في محلات الذهب أو على شاشات الأسواق ليس نتيجة الخوف وحده، بل حصيلة شبكة من العوامل: قوة الدولار، أسعار الفائدة، التضخم، مشتريات البنوك المركزية، الطلب الاستثماري، وحركة المستهلكين في أسواق كبرى مثل الصين والهند.
الذهب والخوف
في أوقات الاستقرار، يتعامل المستثمرون مع الذهب باعتباره أصلًا من أصول التنويع، أما في أوقات الخوف فتتغير النظرة إليه. فعندما تقع حرب، أو تتصاعد أزمة جيوسياسية، أو تتراجع الثقة في العملات والأسواق، يبحث جزء من المستثمرين عن أصل لا يرتبط مباشرة بأداء شركة أو حكومة أو عملة واحدة.
هنا يظهر الذهب بوصفه “ملاذًا آمنًا”. هذه العبارة لا تعني أن سعره لا ينخفض، لكنها تعني أن الطلب عليه يميل إلى الارتفاع عندما يشعر المستثمرون بأن المخاطر حولهم تتزايد. فقوته تأتي من ندرته، وتاريخه الطويل كمخزن للقيمة، وقبوله العالمي، وصعوبة طباعته أو زيادته بقرار سياسي.
ما علاقة الدولار بالذهب؟
لفهم حركة الذهب، يجب البدء من الدولار. فالذهب عالميًا يُسعَّر بالدولار الأمريكي، وهذا يعني أن قوة العملة الأمريكية أو ضعفها تؤثر مباشرة في الطلب عليه.
عندما يرتفع الدولار، يصبح الذهب أغلى بالنسبة للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى، فيحتاج المستهلك أو المستثمر في آسيا أو أوروبا أو الشرق الأوسط إلى دفع مبلغ أكبر بعملته المحلية لشراء الكمية نفسها. وهذا قد يضعف الطلب ويضغط على السعر.
أما عندما يضعف الدولار، يصبح الذهب أرخص نسبيًا لغير حائزي الدولار، فيزداد الطلب عليه غالبًا، خصوصًا إذا كان ضعف الدولار مرتبطًا بمخاوف من التضخم أو تراجع الثقة في السياسة المالية الأمريكية. لذلك كثيرًا ما يتحرك الذهب بعلاقة عكسية مع الدولار، ليس دائمًا وبشكل آلي، لكنه غالبًا يتأثر به.
الفائدة.. خصم الذهب الخفي
إذا كان الخوف يدفع الذهب إلى الأعلى، فإن الفائدة قد تسحبه إلى الأسفل. والسبب أن الذهب لا يمنح حامله عائدًا دوريًا. من يحتفظ بسبيكة ذهب لا يحصل على فائدة شهرية أو سنوية، بينما يستطيع حامل السندات أو الودائع أن يحصل على عائد واضح.
عندما تكون أسعار الفائدة منخفضة، تقل “تكلفة الفرصة البديلة” للاحتفاظ بالذهب. لكن عندما ترتفع الفائدة، يصبح الاحتفاظ بالذهب أقل جاذبية مقارنة بأصول تدر عائدًا. ولهذا تراقب أسواق الذهب قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنوك المركزية الكبرى بدقة؛ فكل إشارة إلى خفض الفائدة قد تدعم الذهب، وكل إشارة إلى إبقائها مرتفعة قد تضغط عليه.
لماذا لا يرتفع الذهب في كل أزمة؟
هنا تكمن النقطة التي تربك كثيرين. يظن البعض أن أي حرب أو أزمة يجب أن ترفع الذهب فورًا، لكن السوق لا يعمل بهذه البساطة. ففي بعض الأزمات يرتفع الذهب لأن المستثمرين يهربون من المخاطر، لكن في أزمات أخرى قد يبيع المستثمرون الذهب لتوفير السيولة، أو لتغطية خسائرهم في أسواق أخرى، أو لأن الدولار ارتفع بقوة.
قد يحدث مثلًا أن تندلع أزمة جيوسياسية، فيرتفع الذهب في البداية، ثم يتراجع لاحقًا إذا رأى المستثمرون أن الأزمة لن تتوسع، أو إذا تحولت الأنظار إلى قرار وشيك من الاحتياطي الفيدرالي. بمعنى آخر، الذهب لا يتحرك وفق خبر واحد، بل وفق ميزان كامل من التوقعات.
البنوك المركزية.. مشترٍ لا يشبه الآخرين
من أهم التحولات في سوق الذهب خلال السنوات الأخيرة عودة البنوك المركزية إلى الشراء بكثافة. فالبنك المركزي لا يشتري الذهب بحثًا عن ربح سريع، بل لتنويع الاحتياطيات، وتقليل الاعتماد على عملة واحدة، وحماية جزء من الثروة السيادية في أصل مادي عالمي.
وفي عام 2025، نقلت رويترز عن مجلس الذهب العالمي أن الطلب العالمي على الذهب سجل مستوى قياسيًا بلغ 5,002 طن، مدفوعًا بقوة الطلب الاستثماري. وبلغ الطلب الاستثماري 2,175 طنًا، بينما اشترت البنوك المركزية 863 طنًا خلال العام نفسه.
التضخم.. صديق الذهب وعدوه
يرتبط الذهب في أذهان الناس بالتضخم. فعندما ترتفع الأسعار وتنخفض القوة الشرائية للعملات، يلجأ بعض الأفراد والمستثمرين إلى الذهب باعتباره حافظًا للقيمة. لكن العلاقة ليست مباشرة دائمًا.
فإذا بقي التضخم مرتفعًا بينما الفائدة الحقيقية منخفضة، يكون ذلك داعمًا للذهب. أما إذا ردّت البنوك المركزية على التضخم برفع الفائدة بقوة، فقد يصبح الذهب تحت ضغط، لأن السندات والودائع تتحول إلى منافس أقوى.
لماذا يهم المستهلك في الخليج؟
في الخليج، لا يبقى الذهب خبرًا ماليًا بعيدًا عن الناس. فحركة السعر تنعكس على محلات الذهب، والمناسبات، والادخار، والهدايا، وقرارات الشراء اليومية.
عندما يرتفع الذهب عالميًا، ترتفع الأسعار محليًا غالبًا، لأن التسعير مرتبط بالسعر العالمي وبالدولار. ولهذا يشعر المستهلك أحيانًا أن الذهب ارتفع فجأة، بينما الحقيقة أن ما يحدث في العالم انتقل إليه عبر ثلاث قنوات: سعر الأونصة عالميًا، وسعر الدولار، وتكاليف البيع المحلية.
اختبار الحقيقة
الذهب ليس مجرد معدن، ولا مجرد زينة، ولا مجرد أصل استثماري. هو مرآة لحالة الثقة في العالم. عندما تهتز الثقة في العملات أو السياسات أو الأسواق، يزداد بريقه، وعندما ترتفع الفائدة ويقوى الدولار وتعود شهية المخاطرة، يخفت هذا البريق نسبيًا.
لهذا يتحرك الذهب عند تقاطع السياسة والاقتصاد والنفس البشرية. وبقدر ما تبدو حركته أحيانًا غامضة، فإن منطقها الأساسي واضح: المعدن الأصفر يرتفع عندما تزداد الحاجة إلى الأمان، وينخفض عندما تصبح تكلفة هذا الأمان أعلى من فائدته.
ولعل السؤال الأهم اليوم ليس: هل سيرتفع الذهب أم سينخفض؟ بل: أي عالم تتوقعه الأسواق؟ عالم أكثر استقرارًا وثقة وعوائد مرتفعة، أم عالم أكثر اضطرابًا يبحث فيه المستثمرون عن أصل لا يحتاج إلى وعد من أحد كي يحتفظ بقيمته؟
المصادر:
مجلس الذهب العالمي – تقارير الطلب على الذهب واتجاهات السوق.
Reuters – تقارير الذهب والدولار والفائدة وحركة صناديق الذهب.
World Gold Council – Gold Demand Trends.
Federal Reserve – بيانات واتجاهات السياسة النقدية الأمريكية.
London Bullion Market Association – معلومات سوق الذهب العالمي.
صندوق النقد الدولي – بيانات الاحتياطيات الدولية والذهب.





