اللون الأحمر تحت المجهر: ماذا نعرف عن الصبغة التي حظرتها أمريكا؟

صبغة Erythrosine الحمراء الزاهية المستخدمة في الحلوى والجيلي وأدوية الأطفال تُحظر في الأسواق الأمريكية بحلول 2027 استنادًا إلى قانون Delaney رغم غياب دليل قاطع على ضررها للبشر

اللون الأحمر تحت المجهر: ماذا نعرف عن الصبغة التي حظرتها أمريكا؟
اللون الأحمر تحت المجهر: ماذا نعرف عن الصبغة التي حظرتها أمريكا؟
أثير – ريما الشيخ
أعادت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في قطاع الأغذية بعد قرارها حظر استخدام الصبغة الصناعية المعروفة باسم Red Dye No. 3 أو Erythrosine في الأغذية والأدوية الفموية، وهو قرار أثار نقاشًا عالميًا حول سلامة المضافات الغذائية التي تدخل في آلاف المنتجات الاستهلاكية اليومية.
فاللون الأحمر الزاهي الذي يميز بعض أنواع الحلوى والمشروبات والجيلي والمنتجات المخصصة للأطفال لم يعد مجرد عنصر جمالي، بل أصبح محورًا لأسئلة تتعلق بسلامة الغذاء ومدى تأثير المواد المضافة على صحة الإنسان على المدى الطويل، وتؤكد السلطات الأمريكية أن القرار يستند إلى متطلبات قانونية مرتبطة بنتائج دراسات أجريت على الحيوانات، ويرى مراقبون أن الخطوة تعكس تحولًا أوسع نحو تشديد الرقابة على الألوان الصناعية والبحث عن بدائل أكثر أمانًا.
ما هي صبغة Red No. 3؟
تُعرف هذه الصبغة كيميائيًا باسم Erythrosine، وهي مادة ملونة صناعية تمنح المنتجات الغذائية والدوائية لونًا أحمر أو ورديًا لامعًا.
واستخدمت الصبغة لعقود طويلة في مجموعة واسعة من المنتجات، من بينها بعض أنواع الحلوى والكيك والجيلي والمشروبات الملونة وأغطية الحلويات والأدوية الفموية، كما كانت تُعد من أكثر الألوان الصناعية انتشارًا في المنتجات الموجهة للأطفال بسبب قدرتها على منح ألوان جذابة وملفتة.
ويشير خبراء سلامة الغذاء إلى أن وجود اللون الأحمر في المنتج لا يعني بالضرورة احتواءه على Red No. 3، إذ تستخدم الشركات أحيانًا ألوانًا طبيعية مستخلصة من الفواكه والخضروات أو ألوانًا صناعية أخرى تختلف في تركيبها الكيميائي.
لماذا حظرتها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية؟
في يناير 2025 أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية إلغاء الترخيص باستخدام Red No. 3 في الأغذية والأدوية التي تؤخذ عن طريق الفم.
وجاء القرار استنادًا إلى ما يُعرف بـ Delaney Clause، وهي مادة قانونية في التشريعات الأمريكية تمنع السماح باستخدام أي مادة مضافة للأغذية إذا ثبت أنها تسبب السرطان لدى البشر أو الحيوانات.
وكانت دراسات سابقة قد أظهرت ظهور أورام في الغدة الدرقية لدى ذكور الجرذان التي تعرضت لكميات مرتفعة من الصبغة لفترات طويلة، الأمر الذي دفع منظمات صحية ومجموعات حماية المستهلكين إلى المطالبة بإلغاء الترخيص الخاص بها.
وبموجب القرار الجديد مُنحت الشركات مهلة حتى يناير 2027 لإزالة الصبغة من الأغذية، وحتى يناير 2028 لإزالتها من الأدوية الفموية.
هل ثبت أنها تسبب السرطان لدى البشر؟
رغم ارتباط القرار بنتائج دراسات السرطان، فإن FDA أوضحت أن الأدلة العلمية الحالية لا تثبت أن الصبغة تسبب السرطان لدى البشر.
وأكدت الوكالة أن الآلية البيولوجية التي أدت إلى ظهور الأورام لدى ذكور الجرذان تختلف عن الطريقة التي يعمل بها جسم الإنسان، ما يعني أن النتائج المسجلة في الحيوانات لا يمكن تعميمها مباشرة على البشر.
ولهذا السبب يصف كثير من الباحثين القرار بأنه إجراء قانوني واحترازي أكثر من كونه استجابة لاكتشاف خطر مؤكد على صحة الإنسان.
قصة جدل استمرت لعقود
اللافت أن الجدل حول هذه الصبغة ليس جديدًا، ففي عام 1990 حظرت الولايات المتحدة استخدام Red No. 3 في مستحضرات التجميل والأدوية الموضعية، لكنها أبقتها مسموحة في الأغذية والأدوية الفموية.
ومنذ ذلك الحين ظلت منظمات صحية عديدة تطالب بإعادة تقييمها، معتبرة أن السماح باستخدامها في الطعام رغم حظرها في مستحضرات التجميل يمثل تناقضًا تنظيميًا.
وفي عام 2022 تقدمت مجموعة من المنظمات الصحية بعريضة رسمية إلى FDA تطالب بإلغاء الترخيص نهائيًا، قبل أن تصدر الوكالة قرارها النهائي مطلع عام 2025.
ما المنتجات التي قد تحتوي عليها؟
تختلف المنتجات من شركة إلى أخرى، لكن من أشهر الفئات التي استخدمت Red No. 3 تاريخيًا:
-الحلوى الملونة.
-الجيلي.
-المخبوزات المزينة بالألوان الصناعية.
-بعض المشروبات الملونة.
-بعض أنواع الكيك والحلويات.
-بعض الأدوية الفموية.
-الزينة المستخدمة في صناعة الحلويات.
ومع بدء تطبيق القرار ستتجه الشركات إلى تعديل تركيبة هذه المنتجات أو استبدال الصبغة ببدائل أخرى.
ما البدائل التي ستستخدمها الشركات؟
يمثل البحث عن بديل مناسب أحد أكبر التحديات أمام شركات الأغذية، فالألوان الطبيعية لا توفر دائمًا الدرجة اللونية نفسها أو الثبات ذاته الذي توفره الألوان الصناعية، كما أن تكلفتها غالبًا أعلى.
ومن أبرز البدائل المستخدمة عالميًا:
-عصير الشمندر الطبيعي.
-مستخلصات الجزر الأحمر.
-مستخلصات البطاطا الحلوة البنفسجية.
-الأنثوسيانين المستخرج من الفواكه.
-الكارمين المستخرج من مصادر طبيعية.
-مستخلصات التوت والفواكه الحمراء.
ويتوقع خبراء الصناعة الغذائية أن يؤدي التحول إلى هذه البدائل إلى زيادة تكاليف الإنتاج لدى بعض الشركات خلال السنوات المقبلة.
كيف استجابت الشركات الغذائية؟
تشير تقارير أمريكية إلى أن عددًا من الشركات الغذائية الكبرى بدأ بالفعل تقليل استخدام Red No. 3 قبل صدور قرار الحظر النهائي، نتيجة ضغوط المستهلكين والمنظمات الصحية.
ومع دخول القرار حيز التنفيذ ستضطر الشركات إلى إعادة صياغة آلاف المنتجات الموجودة في الأسواق الأمريكية، وهو ما قد يتطلب تعديلات في خطوط الإنتاج وسلاسل التوريد والمواد الخام المستخدمة.
ويرى محللون أن القرار قد يدفع شركات أخرى حول العالم إلى مراجعة مكونات منتجاتها حتى في الأسواق التي لا تزال تسمح باستخدام الصبغة.
هل يقتصر الجدل على السرطان فقط؟
لا يقتصر النقاش العلمي حول الألوان الصناعية على السرطان وحده، فخلال السنوات الماضية ناقشت دراسات مختلفة احتمال وجود علاقة بين بعض الألوان الصناعية وبعض التأثيرات السلوكية لدى الأطفال، مثل فرط النشاط أو اضطرابات الانتباه، إضافة إلى احتمالات الحساسية لدى بعض الفئات.
ورغم أن النتائج العلمية ما زالت محل نقاش ولم تصل إلى إجماع قاطع، فإنها ساهمت في زيادة الضغوط على الجهات التنظيمية لإعادة تقييم عدد من الألوان الصناعية المستخدمة في الأغذية.
تحركات أمريكية أوسع ضد الألوان الصناعية
لم يأتِ قرار Red No. 3 بمعزل عن توجهات أمريكية أوسع، ففي عامي 2025 و2026 أعلنت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية وإدارة الغذاء والدواء خططًا لتقليل الاعتماد على الأصباغ الصناعية المشتقة من البترول في المنتجات الغذائية.
كما بدأت عدة ولايات أمريكية اتخاذ إجراءات مستقلة لتقييد أو حظر بعض الألوان الصناعية في الأغذية المدرسية والمنتجات الموجهة للأطفال، في إطار توجه متزايد نحو تشجيع استخدام البدائل الطبيعية.
ويرى مراقبون أن السنوات المقبلة قد تشهد مراجعات إضافية لألوان صناعية أخرى كانت تُعد آمنة لعقود طويلة.
ماذا عن سلطنة عُمان ودول الخليج؟
في دول الخليج، تخضع المضافات الغذائية للوائح والمواصفات الخليجية التي تحدد المواد المسموح باستخدامها وحدودها القصوى وفق تقييمات علمية دولية.
وعادة ما تعتمد الجهات الرقابية الخليجية على مراجعات علمية تصدرها منظمات وهيئات دولية متخصصة مثل هيئة الدستور الغذائي (Codex Alimentarius) والهيئات الأوروبية والأمريكية المعنية بسلامة الغذاء.
ومع صدور القرار الأمريكي، قد تزداد المراجعات الفنية المتعلقة باستخدام بعض الألوان الصناعية عالميًا، إلا أن أي تغييرات تنظيمية محتملة في الأسواق الخليجية تبقى مرتبطة بنتائج التقييمات العلمية الرسمية والقرارات التنظيمية الصادرة عن الجهات المختصة.
ماذا يعني القرار للمستهلك؟
بالنسبة للمستهلك، لا يعني القرار أن المنتجات التي تحتوي على Red No. 3 تمثل خطرًا مباشرًا أو أنها ستسبب المرض بمجرد استهلاكها، لكنه يعكس توجهًا عالميًا متزايدًا نحو تقليل التعرض للمواد المضافة التي يثار حولها الجدل العلمي.
وينصح خبراء التغذية بقراءة الملصقات الغذائية، والحد من استهلاك المنتجات شديدة التصنيع، والإكثار من الأغذية الطبيعية الطازجة، خصوصًا للأطفال الذين يشكلون الفئة الأكثر استهلاكًا للمنتجات الملونة.
إلى أين يتجه ملف الألوان الصناعية؟
يبدو أن ملف الألوان الصناعية دخل مرحلة جديدة من التدقيق التنظيمي حول العالم، فبعد عقود من الاعتماد عليها لتحسين مظهر المنتجات الغذائية، أصبحت هذه المواد تواجه ضغوطًا متزايدة من الجهات الصحية والمستهلكين على حد سواء.
وبينما تستعد الشركات الأمريكية لإزالة Red No. 3 من منتجاتها خلال السنوات المقبلة، يبقى القرار مؤشرًا واضحًا على تحول عالمي نحو مزيد من الشفافية في مكونات الأغذية، وإعادة النظر في المواد المضافة التي كانت تُستخدم لسنوات طويلة دون أن تحظى بالقدر نفسه من التدقيق الذي تشهده اليوم.
المصادر
U.S. Food and Drug Administration (FDA)
U.S. Department of Health and Human Services (HHS)
Federal Register
Associated Press (AP)
Reuters
European Food Safety Authority (EFSA)
California Governor’s Office
Center for Science in the Public Interest (CSPI)

شارك هذا الخبر