رصد – أثير
بعد سنوات طويلة من المطالبات؛ ها هي البشرى تهل لأهالي الجبل الأبيض في شمال الشرقية بعدما أسند مجلس المناقصات اليوم مشروع تصميم وتنفيذ طريق الجبل بقيمة تتجاوز 13.5 مليون ريال عُماني، ضمن حزمة مشروعات تنموية تزيد قيمتها على 114 مليون ريال عُماني.
ويأتي المشروع بعد توجيه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-، خلال اجتماع مجلس الوزراء في شهر يناير 2024م، بوضع خطة زمنية لتطوير الجبل الأبيض، باعتباره من الوجهات السياحية الواعدة التي تمتلك مقومات تؤهلها لتحقيق عوائد اقتصادية وسياحية خلال السنوات المقبلة.
من عزلة الجبل إلى طريق التنمية
ظل الجبل الأبيض لعقود طويلة شاهدًا على معاناة سكانه مع الطرق الوعرة والانقطاعات المتكررة خلال مواسم الأمطار، إذ كانت بعض القرى تنعزل عن محيطها لأيام وربما لأسابيع، فيما أصبحت رحلة الوصول إلى المدارس أو المراكز الصحية أو الأسواق تحديًا يوميًا يفرضه الواقع الجغرافي.
ويُنتظر أن يسهم الطريق الجديد في تقليص زمن التنقل، وتحسين وصول الخدمات الحكومية والصحية والتعليمية، وتسهيل الحركة الاقتصادية، إلى جانب فتح آفاق جديدة للاستثمار والسياحة في المنطقة.
جبل يتوسط 5 ولايات
يقع الجبل الأبيض ضمن سلسلة جبال الحجر الشرقي، ويمتد جغرافيًا بين محافظات شمال الشرقية وجنوب الشرقية ومسقط، بينما يجاور خمس ولايات هي دماء والطائيين، وإبراء، ووادي بني خالد، وصور، وقريات.
ويُمكن الوصول إليه عبر أربعة مداخل رئيسية؛ من قرية بعد بولاية دماء والطائيين، وقرية إسماعية بالولاية نفسها، وبلدة طيوي بولاية صور، وقرية المزارع بولاية قريات.
ويُعد الجبل من أكبر جبال سلطنة عُمان من حيث المساحة، ويصل ارتفاع أعلى قممه إلى نحو 2000 متر فوق سطح البحر، ما يمنحه أجواءً معتدلة خلال الصيف وباردة في الشتاء. كما استمد اسمه من اللون الأبيض الذي يميز تكويناته الصخرية، ويظهر بوضوح في الصور الجوية وصور الأقمار الاصطناعية.
وجهة سياحية تنتظر الاستثمار
يمتلك الجبل الأبيض مقومات طبيعية جعلته مقصدًا لمحبي التخييم، وسياحة المغامرات، والتصوير، إذ تمتزج فيه المنحدرات الشاهقة بالأودية العميقة والقرى الجبلية القديمة.
وتبرز منطقة الحيل الكبير كواحة خضراء تتزين بها الجبال معظم فصول السنة، فيما تضم محمية السرين أودية وعيونًا وخروسًا وغيولًا تشكل مصدرًا رئيسيًا للمياه، وتوفر بيئة مناسبة للوعول والغزلان العربية وغيرها من الكائنات الفطرية.
ورغم هذه المقومات، ظل الوصول إلى الجبل يتطلب سيارات الدفع الرباعي وخبرة في القيادة الجبلية، وهو ما يجعل مشروع الطريق خطوة أساسية نحو تطويره سياحيًا وفق التوجيهات السامية.
حضارة عمرها أكثر من أربعة آلاف عام
لا تقتصر أهمية الجبل الأبيض على طبيعته، بل تمتد إلى تاريخه العريق، إذ تشير الدلائل الأثرية إلى أن الإنسان العماني استوطنه منذ نحو 2500 سنة قبل الميلاد.
وقد عُثر في الجبل على مقابر برجية وأوانٍ فخارية ونحاسية تعود إلى حضارة أم النار، إلى جانب مقتنيات أثرية تعكس علاقات حضارية مع بلاد الرافدين.
وتنتشر في الجبل نحو 90 مقبرة برجية اكتشفتها وزارة التراث والثقافة في عام 1994، وتُعد من أبرز الشواهد على استمرارية الاستيطان البشري في المنطقة منذ آلاف السنين.
كما تنتشر الأبراج والبيوت الحجرية والكهوف التي ما يزال بعضها مستخدمًا حتى اليوم، إضافة إلى مساجد صغيرة تتوزع بين القرى والطرق الجبلية، في صورة تعكس ارتباط الإنسان العماني بالمكان عبر التاريخ.
ويتناقل أهالي الجبل أيضًا أسطورة شعبية تفسر ضخامة الأبراج الحجرية، إذ يعتقدون أن كائنًا أسطوريًا يُدعى “كبير كب” هو من شيدها، وهي رواية شعبية تعكس حضور الموروث الشفهي إلى جانب القيمة الأثرية للموقع.
خمسون قرية
يحتضن الجبل الأبيض أكثر من 50 قرية متناثرة بين الأودية والمرتفعات، عاش سكانها لعقود طويلة في انسجام مع الطبيعة، معتمدين على الرعي والزراعة وبعض الأنشطة التقليدية.
ويُعد الرعي مصدرًا رئيسيًا للدخل، فيما تتحمل المرأة جانبًا كبيرًا من هذه المهمة، إذ تخرج منذ ساعات الصباح الأولى مع قطعان الأغنام، متنقلة بين الشعاب والمرتفعات في رحلات يومية شاقة، سواء في برد الشتاء أو حرارة الصيف.
رحلة يومية إلى المدرسة
ومن أكثر المشاهد التي تعكس طبيعة الحياة في الجبل رحلة الطلبة اليومية إلى المدارس.
فمع بزوغ الفجر، كان الأطفال يغادرون منازلهم ليقطعوا عشرات الكيلومترات عبر طرق ترابية ومنحدرات جبلية للوصول إلى المدارس في القرى المجاورة، قبل أن يعودوا مع حلول المساء عبر الطريق ذاته، في رحلة يومية فرضتها طبيعة المكان وقلة الخدمات.
أما خلال مواسم الأمطار، فكانت بعض القرى تنقطع عن العالم الخارجي، لتصبح رحلة الوصول إلى العلاج أو الغذاء أو المدارس أكثر صعوبة.
زيارات وثقت واقع الجبل
خلال العقدين الماضيين، شهد الجبل الأبيض زيارات ميدانية من باحثين وجهات حكومية ومؤسسات أهلية، وثقت طبيعة الحياة في المنطقة واحتياجات سكانها.
ففي عام 2003م سلطت إحدى الزيارات الضوء على تفاصيل الحياة في القرى الجبلية، بينما ركزت زيارة أخرى عام 2017م على تقييم الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية، وأبرزت الحاجة إلى تطوير البنية الأساسية وربط القرى بشبكة الطرق.
كما عززت الزيارات الحكومية المتعاقبة قناعة الأهالي بأن التنمية قادمة إلى الجبل، وهو ما تجسد اليوم بإسناد مشروع الطريق، الذي يُنظر إليه باعتباره بداية مرحلة جديدة، لا تنهي فقط عزلة القرى، بل تفتح الباب أمام تنمية سياحية واقتصادية تستفيد من المقومات الطبيعية والتاريخية التي يزخر بها الجبل الأبيض.
حزمة مشروعات تتجاوز 114 مليون ريال
جاء مشروع طريق الجبل الأبيض ضمن حزمة مناقصات أقرها مجلس المناقصات في اجتماعه الثاني لهذا العام برئاسة معالي الدكتور خميس بن سيف الجابري، وزير الاقتصاد ورئيس المجلس، وشملت كذلك إنشاء ميناء الصيد البحري بولاية محوت، وتوفير خدمات التموين والغذاء والنظافة لمستشفيات وزارة الصحة، واستكمال الحزمة الثالثة من طريق السلطان تيمور بن فيصل، إضافة إلى تنفيذ حملة ترويجية للتعريف بسلطنة عُمان خلال كأس العالم 2026م.
المصادر:





